لقد استمرت صناعة الدوى المعدنية في إيران على طول العصور، وفي متحف بناكي
في أثينا دواة من النحاس المحفور والمكفت بالفضة ترجع إلى العصر الصفوي في إيران، وتتألف
زخارف هذه الدواة من فروع نباتية دقيقة، ورسوم تشبه السحب الصينية، بالإضافة إلى كتابة
بالخط الفارسي الجميل.
وفي دار الآثار العربية ببغداد دواة من
النحاس المكفت بالفضة والذهب (سجل٣٠٦٨٥- ه) تزخرفها رسوم عربية مورقة، وجدائل وكتابات
بخط قريب الشبه من الخط المجوف الذي استعمله المسلمون في أجزاء من بلاد التركمستان
والأقاليم المتاخمة لمنغوليا والصين، ويختلف العلماء في نسبة هذه الدواة: فبعضهم
ينسبها إلى اليمن في القرن التاسع الهجري (١٥م)، والبعض الآخر يميل إلى نسبتها إلى
كشمير أو آسيا الوسطى في القرن الثاني عشر الهجري (١٨م)، هذا وقد اشتق من لفظ الدواة
اسم وظيفة كانت لها أهميتها في الدول الإسلامية: وهي وظيفة "الدوان دار أو الدوادار"،
وتتألف هذه الكلمة من لفظة دواة المربية، ولفظة دار الفارسية ومعناها ممسك. وبذلك يكون
معناها ممسك الدواة أو الموكل "الدواة"، ويقصد بذلك الموكل بدواة السلطان
أو الأمير.
وقد عرفت هذه الوظيفة في الدول الإسلامية
التي ظهرت في العصر العباسي مثل: دولة الغزنويين السلاجقة، ودولة
خوارزم شاه حيث كان شاغلها يسمى الدواتدار، ثم انتقلت عن طريق الأتابكة والأيوبيين
إلى دولة المماليك في مصر وسوريا، حيث عرف صاحبها باسم الدوادار، وكان الدوادار يختار
من بين خاصكية السلطان أي مماليكه الخاصة، ثم ارتفعت رتبته فصار يختار من بين أمراء
المدائن ثم من بين أكابر أمراء المئين، وهذه أعلى الرتب العسكرية في دولة المماليك،
وقد أخذت أهمية الدوادار في الازدياد حتى صار في المرتبة الثانية بعد السلطان.
ولم يكن للسلطان المملوكي دوادار واحد بل
ربما بلغ عددهم عشرة، كان أعلاهم الدوادار الكبير الذي صار يسمى أمير دوادار أو أمير
دوادار كبير، ويليه نائبه الدوادار الثاني وهو أقل منه رتبة، الصغير الذي كان مجرد
جندي أومملوك من الخاصكية، وكانت مهمة الدوادار في أساسها هي حمل دواة السلطان عند
توقيعه على المراسيم والمكاتبات، وما يتبع ذلك من الأمور المتعلقة بهذا المعنى، من
تبليغ الرسائل والأوامر عن السلطان، وتقديم الرسائل والشكاوى إليه. وكان من مهمته أيضًا
استقبال زوار السلطان، والاستئذان لهم عليه، والإشراف على كاتب السر، وأصحاب البريد
وسائر المكلفين بقضاء حاجات السلطان، كما كان يشترك مع الوزير في نظر دار الضيافة والأسواق،
وكان من المراسم أن يصتحب الدوادار رسل الملوك عند الدخول على السلطان.
وكان من عادته أنه عند دخول الرسول على
السلطان أن يتناول الدوادار منه الكتاب، ويمسحه بوجه الرسول، ثم يقدمه إلى السلطان،
فيفضه، ويدفعه بدوره إلى كاتب السر فيقرؤه على السلطان، ونظرًا إلى أن الدوادار كان
يطلع بحكم وظيفته على ما يجرى في الدولة من أمور، وما يقدم إلى السلطان من مكاتبات
ورسائل، وما يخرج عنه من أوامر وتعليمات: كان يشترط عليه كتم الأسرار، كما كان يؤخذ
عليه العهد بألا يخفي عن السلطان شيئاً يبلغه، ولو كان ضده هو نفسه، وألا يأمر بشيء
إلا بحسب أمر السلطان، وأن يأمر بتنفيذ كل ما يطلبه السلطان، ولم تقتصر هذه الوظيفة
على دوادارية السلطان بل كان بعض الأمراء يتخذون لهم دوادارية.
كما كان يلحق ببعض الموظفين دوادارية مثل:
دوادار كاتب السر الذي كانت مهمته حفظ أصول الأوامر، والمكاتبات المتعلقة بديوان الإنشاء،
كما خصص لتوقيع السلطان دزادار كان يسمى دوادار العلامة، وكان من مراسم الدوادار اتخاذ
الرنوك أو الشارات، وكان رنك الدوادار بطبيعة الحال على هيئة دواة، وقد وصلنا كثير
من التحف والآثار تحمل هذا الرنك.