Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السَّعَة وتحويلها إلى مؤسسات

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهرى

السَّعَة وتحويلها إلى مؤسسات

حوّل القرآن الكريم مفهوم "السعة" إلى مؤسسات حضارية وعلمية، كالمراصد الفلكية، عبر ربط العقل المسلم بالكون وتأكيده على المنهج التجريبي، وقد حافظ الأزهر على هذا التراث، ممثلًا بأساتذة كالدمنهوري، ليثبت أن الإيمان محرك للتقدم الحضاري العالمي.

الأساس القرآني للسَّعة

(أ) تفسير آية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} كمدخل لارتباط الإنسان بالكون:

قرأ المسلم الوحي الشريف، فرأى في أوائل خطاب الله له قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة، الآية ٢]، فتشرب العقل المستنير حكمة الله تعالى في هذا التعبير الرباني الحكيم، وأنه سبحانه وصف نفسه في أوائل خطابه لعباده بأنه رب العالمين جميعًا، ولم يقل رب المسلمين فقط، أو رب أهل الكتاب، أو رب البشر، أو رب الأحياء، وهو سبحانه رب الجميع وخالق الجميع، فكان يمكن أن يعبر بأي واحد من تلك التعبيرات، وتكون العبارة صادقة ومطابقة للواقع، لكنه سبحانه أراد أن يلقي إلى عقل الإنسان في أول قراءته للوحي هذا المعنى الجليل من وجود ارتباط معين، وعلاقة معينة، وقاسم مشترك، وتفاعل معين، بين الإنسان وبين العالمين جميعًا.

حتى يتشرب العقل المستنير من بداية الوحي معنى الاتساع للعالمين، والارتباط بالعالمين، فيخرج من ضيق نفسه إلى الرحابة والسعة، ويتطلع إلى الكون من حوله، فيستكشف أسراره وقوانينه الفيزيائية، فتنشأ المؤسسات وتولد الحضارة.

وقد تأكد هذا المعنى بعشرات من الشواهد القرآنية، التي تربط الإنسان بالكون، وتفتح أفقه ليراقب السماء، ويرصد الأفلاك والأجرام السماوية، فقال سبحانه: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [ سورة يونس، الآية ١٠١]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}[ سورة الحِجْر، الآية ١٦]، وقال سبحانه: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [سورة الصافات، الآية ٦]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [سورة الملك، الآية ٥]، وقال سبحانه: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [سورة النحل، الآية ١٦].

وغير ذلك كثير من الآيات القرآنية الكريمة، التي تربط الإنسان بالسماء، وتجعله ينظر ما فيها، ويرقب البروج، ويرى منازل الأجرام، وحركة الأفلاك.

حتى تأتي الآية التفصيلية التي تزيد عقله ارتباطًا بالعالمين، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [سورة الحج، الآية ١٨]، فهنا عرضت الآية نماذج من العالمين، الذين يرتبط الإنسان بهم، وأنهم عدد من العوالم العلوية والسفلية، ما بين نجوم وأفلاك وجبال وأنهار وشجر.

ولكل عالم قوانين وسنن، والغرض من كل ذلك هو التفكر، واستخراج قوانين تلك العوالم، حتى تتطور العلوم الفيزيائية، وعلوم الأحياء، والتاريخ الطبيعي، فتولد مؤسسات الحضارة، لقوله سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة آل عمران، الآية ١٩٠.]، فبين سبحانه أن في خلق تلك الأكوان كلها آيات لأصحاب العقول المتفكرة المنيرة، التي تقفز إلى قوانين الحضارة ومؤسساتها، والتي تهتدي إلى الله.

(ب) الربط بين العبادات (كالصوم والصلاة) وحركة الأفلاك:

ثم ازداد هذا المبدأ عمقًا في العقول بالأحكام والشرائع والعبادات التي جعلها الله تعالى مرتبطة بحركة الأفلاك في السماء، فمواقيت الصلاة قائمة على رصد حركة الشمس، قال سبحانه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}[ سورة الإسراء، الآية ٧٨]، ومعرفة اتجاه القبلة يحتاج إلى النظر في السماء، ومعرفة دخول شهر رمضان متوقف على رصد الهلال، فقال صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرؤْيتِه وأَفْطِروا لِرُؤْيتِه»، [رواه البخاري ومسلم]، أي لرؤية الهلال، ودخول فريضة الحج يحتاج إلى معرفة منازل القمر ورصد الأهلة، فقال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [ سورة البقرة، الآية ١٨٩]،

وكل ما سبق يشبه التفصيل للمعاني الجليلة المودعة في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة الاية:٢]، مما يؤكد كلام المفسرين في أن الفاتحة هي أم القرآن، وأن القرآن كله كالتفصيل لما في الفاتحة من المعاني.

والمبدأ الذي يرسخه القرآن الكريم هنا في عقل قارئه هو الاتساع والانشراح للعالمين، وما زال القرآن يؤكد على هذا المعنى، حتى يظل الإنسان دائمًا مشدودًا إلى العالمين، مرتبطًا بهم، دائم النظر والفكر في قوانينها، يهتدي كل فترة إلى اكتشاف القوانين الدقيقة المحكمة التي بنى الله تعالى عليها تلك الأكوان.

ثم بدأ الشق الثاني من تكوين التصور الكامل للإنسان في علاقته مع الأكوان، والشق الأول كما سبق هو ترسيخ تلك العلاقة، ولفت النظر إليها، وبيان عمقها، وأن الإنسان في سائر شئونه وعباداته ومجالات تفكيره مرتبط بالكون، بل بالأكوان كلها، حتى ينتقل القرآن من بيان وجود علاقة بين الإنسان وبين العالمين، إلى شرح منهج التعامل مع العالمين، وأنه مبني على شقين: الرحمة والتعارف.

فبعد أن بين سبحانه ارتباط الإنسان بالعالمين في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة، الآية ٢.]، انتقل إلى شرح منهج التعامل مع العالمين في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[ سورة الأنبياء، الآية ١٠٧]، وفي قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[سورة الحجرات، الآية ١٣].

فتأسست من مجموع ذلك كله قيمة كبرى، وهي قيمة السعة، والتي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنّكمْ لَا تَسَعوُنَ النَّاسَ بأَمْوالِكمْ، إِنمّا يَسعْهُم مِنْكُم بَسْط الوَجْه وحُسْن الخُلُق» [رواه الإمام الحاكم النيسابوري في المستدرك].

فصار من القيم الكبرى التي تكون الشخصية وتصنع العقلية، وتؤسس حركة الإنسان وأنشطته، هي هذه القيمة التي يخالطها العقل في عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

الانتقال من الفكرة إلى المؤسسة (تحويل "السَّعة" من قيمة روحية إلى مؤسسات علمية -المراصد الفلكية)

وبدأ العقل المستنير يتشرب هذه المعاني من الوحي، ويعكف على التفكير فيها، وتدريب الذهن على فهمها، وتحويلها من حالة تفكير فردي إلى حالة معرفية عامة، فولدت مراصد الفلك التي تطورت تطورًا عجيبًا، وسجلت كشوفًا هائلة، وصنعت جانبًا عظيمًا من هذه الحضارة، فتحولت قضية السعة من كلمة إلى قيمة إلى مؤسسة إلى حضارة، فولدت المراصد الفلكية التي هي مؤسسات علمية تختص بدراسات (علم الفلك) أو (علم الهيئة)، أو (علم القبة السماوية)، أو (علم المدار السماوي)، وتعمل بالقياسات الدقيقة، وتقدم المعلومات عن حركة الكواكب، فيجمعها العلماء في جداول منظمة، يسمى الواحد منها باسم الزِّيج (وهي كلمة فارسية) أو باسم القانون، وتوجد كلمة (الزِّيج) في كتاب البتاني الرقي وهو من كبار الفلكيين المسلمين، والذي اهتم به الأوربيون وترجموه إلى اللاتينية.

والقياسات الفلكية كانت تتم وفقًا لخطة محكمة تقسم السنة الشمسية إلى فترات زمنية محددة، مكّن العلماء من مقارنة المعلومات حول الكواكب بدقة، فكانت تسجل تتابع ظهور بعض الكواكب على الأفق يومًا بيوم، كما تسجل حركة الشمس أيضًا، فالتسجيل والقياسات كانا أساسًا لاستخراج القوانين العلمية.

نماذج المراصد الإسلامية

وتحت أيدينا كتابات عن مراصد العراق، ومنها: مرصد الشماسية، ومرصد باب الطاق، ومرصد شرف الدولة، ومرصد بني الأعلم، ومرصد سامراء، ومراصد بلاد الشام، ومنها: مرصد جبل قاسيون، ومرصد البتاني، ومرصد إنطاكية، ومرصد ابن الشاطر، ومراصد مصر العظيمة، ومنها المرصد الحاكمي على جبل المقطم، ثم مراصد المشرق الأقصى كمرصد أصفهان، ومرصد مراغة، ومرصد أولغ بك، ومرصد نيسابور، ومرصد اليروني، ومراصد الأندلس كمرصد طليطلة، ومرصد قرطبة، وقد توزعت تلك المراصد على فترات التاريخ:

أما القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) فقد عرف عدة أرصاد في مدينة أصفهان ومدينة الري والقاهرة في مصر، منها رصد السادة العلماء: القوهي، وأبي الوفاء البوزجاني، وعبد الرحمن الصوري، والخوجندي، وابن يونس الذي أنجز بالقاهرة (الزيج الحاكمي) في عهد الحاكم بأمر الله.

إنجازات علماء المسلمين كالزرقالي وابن الشاطر والبتاني، وغيرهم

وإذا تركنا المشرق واتجهنا غربًا إلى تجربة الحضارة غنية والحافلة في الأندلس فسوف نرى عددًا من العلماء اهتموا بالأرصاد، ومنهم مسلمة المجريطي الذي راجع الجداول الفلكية التي أعدها محمد بن موسى الخوارزمي وترجمت إلى اللاتينية نحو سنة ١١٢٠م، وكان تأثيره كبيرًا في الغرب اللاتيني.

وكذلك العلامة أبو أسحاق إبراهيم بن يحيى التّجيبيّ النقّاش المعروف بالزرقاليّ، من علماء القرن الخامس الهجري، والذي تلقى تعليمه في العلوم التجريبية في مدينة طليطلة، فنبغ في كل من الفلك والرياضيات، وكان إلى جوار دراسته يعمل نقاشًا لذا عرف بالنقاش، واشتهر بسبب أعماله الرائدة في الجغرافية الفلكية، لأنه هو أول من قاس طول البحر الأبيض المتوسط قياسًا دقيقًا حيث أعطى قياسًا قريبًا جدًا من قيم القياسات الحديثة، وكان أول من أثبت أن رحلة ميل أوج الشمس هي (١٢,٠٤) ثانية بالنسبة للنجوم الثوابت والرقم المعاصر هو (١١،٠٨)، وهو أول من قال بدوران الكواكب في مدارات بيضاوية وليست دائرية، وحظيت مؤلفاته عند الغربيين بأهمية كبيرة، ففي القرن الثاني عشر ترجم جيرار الكريموني أعمال الزرقالي إلى اللاتينية، وفي القرن الخامس عشر، ألف راجيومونتانيوس كتابًا عن فوائد الصحيفة الزرقالية، وفي عام ١٥٣٠م كتب العالم البافاري يعقوب تسيجلر تعليقًا على كتاب الزرقالي، وكان لمؤلفات الزرقالي تأثير كبير على الفلكيين الأسبان الذين وضعوا الزيج المعروف باسم ألفونسية نسبة إلى ألفونس ملك قشتالة.

وكان مرصد أصفهان أول مرصد في وسط آسيا في عهد ملكشاه (٤٢٩-٤٨٥هـ/١٠٣٧-١٠٩٢م)، وكان من علماء ذلك المرصد عمر الخيام الذي المعروف برباعياته، وكان العمل في المرصد طبقًا لخطة محددة، وعلى أساس علمي دقيق، حتى لاحظ العلماء أن دورة كوكب زحل تستغرق ثلاثين عامًا، وأنه الأكثر بعدًا عن الأرض، فوضعت خطة الأرصاد لمدة ثلاثين عامًا، وبدأ العمل بقوة.

وكان مرصد مراغة في وسط آسيا، الذي أداره نصير الدين الطوسي (٥٩٧-٦٧٢هـ/١٢٠١-١٢٧٤م) إلى جانب عدد كبير من علماء الفلك ومصممي الآلات الفلكية، وكان تمويل إنشاء هذا المرصد سنة ٦٥٧هـ/١٢٥٩م من أموال الأوقاف، استمر تشييد المرصد أربع سنوات، وكان يتكون من منظومة أبنية على مساحة ستة آلاف متر، ضم المرصد مكتبة علمية متخصصة، احتوت نحو أربعين ألف كتاب، ومسبكة لصنع آلات القياس النحاسية.

مرصد سمرقند هو مرصد (ألغ بك) بدأ تأسيسه سنة (٨٢٦هـ-٨٣٢هـ/ ١٤٢٠م-١٤٢٨م) بتمويل من ذلك الحاكم العظيم في وسط آسيا الذي حكم سمرقند (١٤٠٩-١٤٤٩م)، وهو من أهم حكام الأسرة التيمورية.

كان إنشاء المرصد في إطار منظومة مؤسسات عامة، منها خانقاه ومدرسة وقصر وقاعة العرش ومسجد كبير جدرانه وسقفه من الخشب المقطع، وكلها كانت نماذج رائعة من فن العمارة الإسلامية في آسيا الوسطى.

أما المرصد فكان خطة وضعها نخبة من العلماء، منهم: غياث الدين جمشيد ومعين الدين القاشاني، وقام بقيادة العمل فيه عالم الفلك علي قوشجي، وبإشرافه وضعت الجداول الفلكية (الزيج) سنة ٨٤١هـ/١٤٣٧م، وتضم هذه الجداول أربعة أقسام: قياسات لمختلف العصور والمناطق، ثم المواقيت, ثم مسالك النجوم, ثم موقع الأجرام الثابتة، وتعد هذه الجداول أفضل ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية في علم الهيئة, في إطار رؤية علمية عالمية لألغ بك الذي كان يؤثر العلوم ذات الأهمية العالمية على الدراسات القومية.

إسهامات المسلمين في قوانين الفلك والجغرافيا

ذكر بروكلمان كتابًا لأبي محمد عطاء بن أحمد السمرقندي من سنة ٧٦٤هـ/١٤٦٢م، كتبه لأمير منغولي في موضوع حساب الزمن، وبه لوحات فلكية، والطريف أن المخطوط بالعربية بخط المؤلف، وعليه ملاحظات بالصينية والمغولية، حتى قال الدكتور عبد الأمير المؤمن في كتابه القيم: (التراث الفلكي عند العرب والمسلمين وأثره في علم الفلك الحديث): "ومن القرآن الكريم انطلقت ملامح المنهج العلمي التجريبي، فمن آياته وشعاعاته استوحى الفلكيون منهجا علميًّا تجريبيًّا، وضع الدراسات الفلكية في موضعها المناسب، ووجهها الوجهة الصحيحة، فشكل من المعلومات والمعارف الفلكية المتوفرة مادة علمية تطورت لتصبح المادة الفلكية الأهم في تاريخ علم الفلك كله.

ففي القرآن توفرت كل عناصر المنهج العلمي، لا على شكل نقاط مبوبة، ومنظمة، وإنما جاءت من خلال القرآن كله، فالذي يعيش جو القرآن لابد أن يتجه إلى الوجهة العلمية الصحيحة". [ التراث الفلكي عند العرب والمسلمين وأثره في علم الفلك الحديث/ص١١/، ط: معهد التراث العلمي العربي، بجامعة حلب، سوريا، سنة ١٤١٣هـ-١٩٩٢م، وانظر أيضًا في رصد عجائب علم الفلك في تراثنا: علم الفلك: تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، للمستشرق السنيور كارلو نلَينو، ط: مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، وكتاب: علم الفلك في التراث العربي، للدكتور علي حسن موسى، ط: دار الفكر، دمشق، سنة ٢٠٠١م، والعلوم الكونية في التراث الإسلامي، للدكتور أحمد فؤاد باشا، ط: هدية مجلة الأزهر للعدد الصادر في رمضان سنة ١٤١١هـ، وكتاب: الإنجازات العلمية للعرب والمسلمين في القرون المتأخرة، تأليف لطف الله قاري، ط: الدار العربية للموسوعات، سنة ١٤٢٧هـ-٢٠٠٦م].

الأزهر وحفظ التراث العلمي

(أ)  تدريس العلوم التطبيقية (الفلك، الهندسة) حتى القرن ١٢ الهجري. 

والعجيب أن مصر من خلال الأزهر الشريف قد ظلت إلى أواخر القرن الثاني عشر الهجري السابع عشر الميلادي تعتني بتدريس العلوم التطبيقية، من الفلك والهندسة والتشريح وغيرها، وكان العلماء المتقنون لتلك العلوم متوفرين على التدريس والتأليف، بحيث إن من انبعثت همته من طلبة العلم لتلقي تلك العلوم فإنه يجد من يقررها له.

وقد بقي تدريس تلك العلوم إلى ذلك الزمن القريب، وربما لم تكن المعامل والأدوات التي تعين على التطبيق حاضرة، إلا أن أصول تلك العلوم كانت حاضرة وموجودة، وكان القائمون على تدريسها يمزجونها بالعلوم الشرعية، فكانت المسافة الفاصلة بيننا وبين الحضارة الغربية في تلك الفترة خطوة، يسهل تداركها، ولكن جرت الأمور في مسار آخر.

حتى قال رفاعة بك الطهطاوي رحمه الله تعالى، قال في: (مباهج الألباب): "لا سيما وأن هذه العلوم الحكمية العملية التي يظهر الآن أنها أجنبية، هي علومٌ إسلامية، نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب العربية، ولم تزل كتبها إلى الآن في خزائن ملوك الإسلام كالذخيرة، بل لا زال يتشبث بقراءتها ودراستها من أهل أوربا حكماء الأزمنة الأخيرة، فإن من اطلع على سند شيخ الجامع الأزهر الشيخ أحمد الدمنهوري، الذي كانت مشيخته قبل شيخ الإسلام أحمد العروسي الكبير، جد شيخ شيوخ الجامع الأزهر الآن، السيد المصطفوي، العلم الشهير، رأى أنه قد أحاط من دوائر هذه العلوم بكثير، وأن له فيها المؤلفات الجمة، وأن تلقيها إلى أيامه كان عند أهل الجامع الأزهر من الأمور المهمة". [مناهج الألباب المصرية، في مباهج الآداب العصرية/ص٣٧٢/، ط: الجوائب، ١٣٣٠هـ].

(ب) نموذج الشيخ الدمنهوري وجدل العلوم العقلية بالأزهر:

ثم نقل من ثبت العلامة الدمنهوري نقولًا مطولة في مقروءاته على علماء الأزهر في تلك العلوم، إلى أن قال: "فانظر إلى هذا الإمام، الذي كان شيخ مشايخ الجامع الأزهر، وكان له في العلوم الطبية والرياضية وعلم الهيئة الحظ الأوفر، مما تلقاه عن أشياخه الأعلام، فضلًا عن كون أشياخه كانوا أزهرية، ولم يفتهم الوقوف على حقائق هذه العلوم النافعة في الوطنية". [مناهج الألباب /ص٣٧٥/، من طبعة الجوائب، وهو في /ص٤٨٨/، من طبعة سلسلة: (في الفكر النهضوي الإسلامي)، الصادرة عن مكتبة الإسكندرية، ط: دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م].

وقد نظم المجلس الأعلى للثقافة بالتعاون مع مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باستانبول، في شهر نوفمبر سنة ٢٠٠٧م، ندوة دولية مهمة، حول (مصر في العصر العثماني)، شارك فيها أكثر من سبعين من المتخصصين في الدراسات العثمانية، من اثنتي عشرة دولة، وكان من المشاركين فيها الأستاذ الدكتور صبري أحمد العدل، رئيس وحدة البحوث الوثائقية سابقًا، حيث تقدم بورقة بحثية مهمة عنوانها: (موقف علماء الأزهر من دراسة العلوم العقلية والتطبيقية في العصر العثماني)، فذهب إلى أن: "الاشتغال بالعلوم التطبيقية أثار جدلًا واسعًا بين علماء الأزهر، نظرًا لما جرت به العادة في مناهج التدريس بالأزهر، حيث ظلت العلوم النقلية هي العلوم الأساسية التي تدرس به، ولكن بمرور الوقت أصبح الاشتغال بالعلوم التطبيقية من الأمور العادية بين الأزهريين.

وخلال العصر العثماني نشأت مشيخة الأزهر لتعبر عن الشكل المؤسسي للأزهر كأهم مؤسسة تعليمية في مصر والعالم العربي، وكان الشيخ أحمد الدمنهوري المولود بدمنهور عام ١٦٨٩م أحد رموز الأزهر في ذلك الوقت؛ لأنه تولي مشيخة الأزهر عام ١٧٦٨م حتى وفاته عام ١٧٧٦م، ومن ثم فإن دراسة أفكاره ستوضح أسباب هذا التغير في موقف علماء الأزهر تجاه هذه العلوم.

ويرى العديد ممن أرخوا لتاريخ الأزهر والحركة العلمية خلال العصر العثماني أن الشيخ الدمنهوري يشكل طليعة التيار التجديدي في الأزهر، ويدللون على ذلك بتصديه للكتابة في العلوم العقلية والتطبيقية، بالإضافة إلى اهتمامه الرئيسي بالكتابة في العلوم النقلية، ولكن هل يعد هذا الشيخ بالفعل رائد المجددين في تاريخ الأزهر، أو أن هناك من سبقوه في طرح أفكار مماثلة؟ وتشير الورقة البحثية إلى أنه قد تصدى الدمنهوري للكتابة في مجال العلوم التطبيقية ومن الملاحظ أن مؤلفاته في هذا المجال كانت بنفس غزارة مؤلفاته في العلوم التقليدية".

الخلاصة

حوّل القرآن الكريم مفهوم (السَّعة) من فكرة مجردة إلى مؤسسات حضارية، وذلك عبر ربط العقل المسلم بالكون، فآيات التأمل في السماوات والأرض أنشأت منهجًا علميًّا تجريبيًّا، تجسد في مراصد فلكية عابرة للقارات (كمراغة وسمرقند)، ووضعت جداول فلكية دقيقة (الزيج). كما حافظ الأزهر على هذه العلوم قرونًا، حيث مثل الشيخ الدمنهوري نموذجًا لدمج العلوم العقلية بالشرعية، هذه الرؤية القرآنية للكون أسست حضارة علمية أثرت في العالم، وأثبتت أن الإيمان محركٌ للتقدم.

موضوعات ذات صلة

الرحمة في الإسلام ليست شعورًا مجردًا، بل منظومة حضارية تجسدت في مؤسسات كالمستشفيات والأوقاف.

الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية.

يختلف موقف الإسلام عن المفاهيم التقليدية والماركسية للطبقات الاجتماعية.

موضوعات مختارة