شكّل الصيد في الحضارة الإسلامية فنًّا وسلوكًا يعكس الشجاعة والرقي، فلم يكن مجرد وسيلة للرزق، بل نافذة على عالم من التنظيم العسكري والفنون الراقية.
شكّل الصيد في الحضارة الإسلامية فنًّا وسلوكًا يعكس الشجاعة والرقي، فلم يكن مجرد وسيلة للرزق، بل نافذة على عالم من التنظيم العسكري والفنون الراقية.
أحل الله - سبحانه وتعالى - للإنسان ان يصطاد الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية وأن يأكل لحومها، كما أحل له - أيضًا - أن يصطاد الحيوانات البرية إلا إذا كان محرمًا، يقول تعالى: {أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ} [المائدة: ٩٦].
ولقد عرف العرب الصيد شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الشعوب، ولقد كان الصيد عندهم وسيلة من وسائل المعيشة من جهة، ورياضة وفروسية من جهة أخرى.
والأدب العربي القديم يتضمن الكثير من الأسفار التي يتحدث أصحابها عن مهارتهم في الصيد، وعن شجاعتهم ورباطة جأشهم عند مواجهتهم الحيوان المفترس، كما يشير بعض الشعراء إلى تفوقهم في الصيد بفضل سرعة خيولهم.
ولم يكن العربي يصطاد الحيوان متجبرًا، بل كانت مروءته مع الحيوان تتجلى إن أحس أن الحيوان ضعيف وفي حاجة إليه.
ولقد عني الإسلام بالصيد، وأوضح قواعده وأحكامه؛ يقول الله سبحانه في سورة المائدة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: ١]. {وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ} [المائدة ٢]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ * أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ}[المائدة: ٩٤-٩٦].
وربما أقبل المسلمون على الصيد كوسيلة من وسائل التدريب على بعض فنون القتال التي حض الإسلام على تعلمها، كالرماية وركوب الخيل والسباحة؛ إذ جاء في بعض المأثورات الإسلامية "عَلمُوا أولادَكُم السِّباحةَ والرمَايةَ ورُكُوب الخَيل".
كما اتخذ بعض القواد المسلمين الصيد كدراسة تمهيدية لتنظيم المعارك الحربية، ولقد كان بعض أباطرة المغول المسلمين يخرجون للصيد في عشرات الآلاف من الجند كأسلوب من اساليب التدريب على تنظيم الجند ورسم الخطط للمعارك الحربية التي ينوون خوضها.
وبالإضافة إلى ذلك كانت رحلات الصيد فرصة لجمع الحيوانات والطيور والنباتات المختلفة ودراستها، ولقد كان ذلك تمهيدًا للعناية بعلم التاريخ الطبيعي أو الأحياء في العصور الحديثة، ولقد أصبح الصيد رياضة محببة لدى ذوي الجاه من المسلمين ومن التحق بهم أو التشبه بهم، وكانوا يحتفلون بالخروج في رحلات الصيد التي قد تستمر شهورًا، ويعدون لها الإعداد اللازم، وربما يصطحب الأمير بعض نسائه، والفرق الموسيقية، ووسائل طرب وتسلية أخرى، ويتمثل كل ذلك في كثير من التراث التاريخي والأدبي والفني الذي وصَلنَا.
ومن مظاهر عناية المسلمين بالصيد تشييد القصور في مناطق الصيد ليلجئوا إليها أثناء الصيد كما فعل بنو أمية حين بنوا عددًا من القصور في صحراء الشام، واتخذوا بعضها كاستراحات صيد، وربما كان من أمثلة ذلك: حمام الصرح، وقصر الحير الغربي، وقصر المشتى.
ومن مظاهر العناية بالصيد أيضًا الحرص على تدريب الكلاب والصقور والخيل على الإسهام في الصيد، ورعاية رجال الصيد والقناصة ومدربي حيوان الصيد مثل حارسي الكلاب، والسائس البازيار أي: حامل الباز والصقر.
ولقد اهتم الصناع والفنانون المسلمون بأدوات الصيد فأجادوها، وأقبلوا على زخرفتها وتحليتها بالرسوم الجميلة، وتتضح هذه العناية في أبواق الصيد، وكانت أبواق الصيد تستخدم في أغراض مختلفة تتعلق بالصيد: فكان ينفخ فيها أحيانًا لإعطاء التعليمات المختلفة للمشتركين في الصيد على هيئة نداءات توضح لهم الأعمال التي يتعين على كل منهم القيام بها، رغم تفرقهم في رفعة واسعة، وبذلك تتوحد الخطة وتتم في مراحلها المختلفة، وقد تكون هذه الأصوات في أحيان أخرى أوامر موجهة إلى حيوان الصيد وطيره كالكلاب أو الصقور المدربة؛ فتتبع الفريسة للحاق بها، أو ترجع إلى مدربها.
وقد تستخدم الأبواق - أيضًا - لإصدار أصوات؛ تقليدًا لأصوات أنواع معينة من الحيوانات، وذلك بقصد مخادعة الحيوان وتضليله وتوجيهه إلى حيث يتربص له الصيادون؛ فمثلًا قد يقلد صوت الأنثى لجلب الذكر، أو قد يصدر صوتًا للإفزاع فيخرج الحيوان من مكمنه خائفًا فيتسنى صيده.
ولقد استعمل العرب الأبواق أيضًا في تدريب الخيل على مجابهة الأسد وعدم الخوف منه، وكانت طريقتهم في ذلك أن ينفخوا في الأبواق ليخرجوا صوتًا مثل زئير الأسد، وذلك على مسمع من الحصان المراد تدريبه حتى يتعود على سماع زئير الأسد دون خوف أو وجل، ومن ثم يمكن استخدام مثل هذا الحصان في صيد الأسود.
وقد وصَلَنَا مجموعة من الأبواق العاجية التي يعتبرها علماء الآثار والفنون ضمن التراث الفني الإسلامي، وتتخذ هذه الأبواق هيئة قرون قليلة التقوّس، ويلف حول البوق بالقرب من طرفيه طوقان من المعدن مثبت بهما حلقتان يعلق منهما البوق حول الرقبة، ويكسو سطح هذه الأبواق زخارف بارزة اعتمد عليها علماء الفنون والآثار في تعيين مصدر هذه الأبواق وتاريخها، وقد اختلف العلماء في نسبة هذه الأبواق، فنسبوها إلى مصر أو العراق أو الأندلس أو صقلية أو جنوب إيطاليا.
ومع ذلك فليس من شك في أن زخارف هذه الأبواق من نوع الزخارف التي نجدها على العاج والأخشاب الفاطمية في مصر، ومن ثمَّ فإنها تتبع بجلاء التراث الفني، غير أنه نظرًا لما بها من مسحة أوروبية طفيفة فإنه من الأرجح نسبتها إلى ذلك الإقليم من أوروبا الذي خضع للتأثيرات الفاطمية؛ ونعني بذلك صقلية التي دخلتها التأثيرات الفنية الفاطمية أثناء سيطرة الفاطميين عليها، ثم ازدهرت بها الفنون العربية بعد ذلك أثناء حكم النورمانديين.
ومن المعروف أن النورمانديين الذين استولوا على صقلية قد أخذوا برقيّ الثقافة العربية في هذه الجزيرة، وبذلوا رعايتهم للعلماء والفنانين العرب، وصبغوا بلاطهم بالصبغة العربية وتشبهوا بملوك الشرق، واستخدموا الموظفين والصناع والجنود من العرب؛ كما عرف عن هؤلاء النورمانديين عنايتهم بالصيد وحبهم له وإقبالهم على فنونه المختلفة.
ومن المرجح أن هذه الأبواق قد عُملت للنورمانديين في مملكة صقلية على يد فنانين مسلمين أو مسيحيين تعلموا حسب التقاليد الفنية العربية، ومن المحتمل أنها كانت تُصنع لتُصدَّر أيضًا إلى الدول الأوربية، وربما كانت تقلد في الجمهوريات الإيطالية في العصور الوسطى.
والحق أن الدراسة الدقيقة لزخارف هذه الأبواق تؤكد صلتها الوثيقة بالزخارف الصقلية أثناء العصر النورماندي في القرنين الخامس والسادس بعد الهجرة (١٢،١١ م)، ويتفق أسلوب الحفر على هذه الأبواق مع الأسلوب المستعمل في علب المجوهرات وحشوات العاج التي تنسب إلى مملكة صقلية في العصر المذكور، ويتميز الحفر بالبروز على مستوى واحد فوق أرضية مستوية.
وقد استخدم الفنان الحفر البارز لرسم الشكل العام، واستخدم الحز السطحي لتوضيح التفاصيل المختلفة؛ فمثلًا في حالة رسم طائر نجد أن الشكل العام للطائر يتمثل عن طريق الحفر البارز، في حين أن باقي التفاصيل كأجزاء الرأس والرجلين والريش توضح بواسطة الخروز السطحية، وتعتبر هذه الطريقة من خصائص الزخارف العاجية الصقلية بوجه عام.
وربما اقتصرت زخارف الأمثلة المبكرة من هذه الأبواق الصقلية على طرفي البوق، ثم صارت الأبواق يشتمل سطحها كله على زخارف بارزة؛ وتتألف هذه الزخارف عادة من عروق نباتية محوَّرة تتخذ شكل دوائر قد تكون متماسكة، أو يتصل بعضها ببعض بواسطة أشكال هندسية منتظمة أو دوائر اخرى في غاية الدقة، ويتفرع من هذه العروق أوراق نباتية محورة تملأ في معظم الأحيان الفراغات ألموجودة بين الدوائر، وتؤلف هذه الدوائر أشرطة تلف حول جسم البوق، ويلاحظ ان مساحة الدوائر تزداد تدريجيا كلما بعدت عن فم البوق، وبذلك تتناسب مساحة الدوائر مع شكل البوق المخروطي أو المسلوب، وتشتمل هذه المناطق الدائرية - وأحيانًا بعض الفراغات الموجودة بينها - على رسوم حيوانات وطيور من الأنواع الشائعة في الصيد، مثل الأسد والغزلان والأرانب البرية والوعول والثعالب والبط والأوز والصقور والنسور والطواويس.
وربما يجمح الخيال بالفنان في بعض الأحيان فيرسم كائنات خرافية، مثل طائر له رأس سيدة يكسوه شعر طويل أو مثل أسد شكل طرف ذنبه على هيئة رأس حيوان أو مثل ثعبان له رأس زرافة وذيل طائر.
ومن الرسوم التي تلفت النظر على بعض هذه الأبواق رسم طائر يمسك سمكة بمنقاره.
ومن الملاحظ أن الفنان كان يعني بتوضيح أجزاء الحيوان وأعضائه، ويراعي إلى حد ما صحة النسب بين أجزاء الجسم، كما يلاحظ أن الحيوانات كانت ترسم في حركة تتسم في معظم الأحيان بالعنف كأنها في حالة فرار أو هجوم، كما كانت الطيور تتمثل في كثير من الأحيان فاردة أجنحتها كأنها تطير.
ومما يسترعى الانتباه أن الرسام كان يحرص عادة على أن يحصر الحيوان أو الطائر داخل المنطقة الدائرية، غير أنه في بعض الأحيان كان يشذ من هذه القاعدة، وربما لجأ إلى ذلك في سبيل خدمة التعبير؛ فمثلًا: في بعض الأحيان كانت إحدى أرجل الحيوان تتعدى الدائرة بقصد التعبير عن سرعة العدو، وربما تعدى ذيل الطاووس حدود الدائرة حتى يمكن التعبير عن شكله بطريقة واضحة، وربما مد حيوان رأسه خارج الدائرة حتى يبدو كأنه يحاول عض رجل حيوان آخر أمامه.
وبالإضافة إلى المناطق الدائرية كان يلف حول هذه الأبواق عدد من الأشرطة المؤلفة من زخارف نباتية مورقة على هيئة لفائف من العروق والأوراق النباتية المحورة، المعروفة عند علماء الفنون باسم الأرابيسك، وتوجد هذه اللفائف عادة عند الطرفين وعلى جانبي الطوقين المعدنيين.
ولقد كانت زخارف الأبواق من الجمال والإتقان بحيث صارت تعتبر من أجمل التحف الفنية التطبيقية.
والحق أن هذه الأبواق العاجية - بالإضافة إلى ما لها من مغزى اجتماعي وحضاري - لَتَشْهد بما بلغه الفن العربي والإسلامي من تقدم سواء في مجال الصنعة أو الزخرفة؛ ذلك التقدم الذي مكنه من البقاء في مملكة صقلية عدة قرون بعد زوال السلطان السياسي العربي، بحيث صار من العوامل التي ساعدت على قيام النهضة الأوربية الحديثة.
الصيد في الإسلام مشروع بضوابط شرعية، مرتبط بالعبادة والتقوى، مارسه العرب والمسلمون وسيلة للمعيشة، وفنًّا للتدريب والرياضة وتنظيم الجند، ظهرت مظاهر العناية به من خلال تأسيس منشآت خاصة وتدريب الحيوانات، وشكّلت أبواق الصيد جانبًا فنيًا راقيًا بزخارفها الرمزية ودقتها التقنية.
تُعد التحف العاجية من أرقى الفنون الإسلامية التي جمعت بين المهارة الفنية والدقة الزخرفية، وازدهرت صناعتها في الأندلس والفاطميين.
تميز علم "الحيل النافعة" في الحضارة الإسلامية بابتكارات ميكانيكية متطورة تحقق الفعل الكبير بأدنى جهد.
تُعرف الرُّبَط كمؤسسات عسكرية دفاعية حث عليها الإسلام، تطورت من خيام بسيطة إلى قلاع حصينة على مر العصور.