يرتكز الاقتصاد الإسلامي على منظومة أخلاقية متكاملة تُحقق الكفاية والعدل والتوازن، بعيدًا عن مفاسد الأنظمة المادية، ويعد المال أمانة من الله، تُضبط ملكيته بضوابط الزكاة والاستخلاف، لتُرسّخ قيم التقوى في سلوك الفرد وإنتاجه.
يرتكز الاقتصاد الإسلامي على منظومة أخلاقية متكاملة تُحقق الكفاية والعدل والتوازن، بعيدًا عن مفاسد الأنظمة المادية، ويعد المال أمانة من الله، تُضبط ملكيته بضوابط الزكاة والاستخلاف، لتُرسّخ قيم التقوى في سلوك الفرد وإنتاجه.
إن الأخلاق، وحسن السلوك، والمعاملة الحسنة، هي أساس الحياة كلها، حتى قيل: "الدين المعاملة"، وحين أثنى الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وصفه بالخلق العظيم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤٤]، وحين أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يلخص رسالته الخاتمة والعالمية لخصها بقوله: «إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»، فهو لم يبعث لنشر الأخلاق الكريمة فحسب، وإنما بعث ليتمم مكارمها سواء بقوله أو سلوكه، وعلى رأسها مراقبة الله وإسلام الوجه له، فهما جوهر الدين والذروة من مكارم الأخلاق، وصدق الله العظيم: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام ١٦٢- ١٦٣].
وفي حديثنا عن الأخلاق والاقتصاد نتناول النقاط التالية:
أولًا: مصطلح (الأخلاق)، ومصطلح (الاقتصاد): من حيث مصطلح (الأخلاق) نجد البعض يعرف الإنسان بأنه (كائن أخلاقي) أي: أن له قيمًا يلتزم أو يلزم نفسه بها، ويعرفه البعض بأنه (كائن اجتماعي) أي: أنه لا يستطيع أن يعيش منفردًا وإنما مع آخرين يتأثر بهم ويؤثر فيهم، بينما يعرفه البعض بأنه (كائن متدين)؛ لأنه لا يوجد على ظهر الأرض كائن له خاصية التدين سوى الإنسان، وباعتبار أيضًا أن قوام الأخلاق الحسنة هو التدين من خلال الإحساس العميق بالله تعالى وخشيته ومراقبته في كل حركة أو معاملة.
وتعرف الأخلاق بأنها المعايير والقيم التي يلتزم بها الإنسان، وهذه المعايير والقيم تصوغ عقل الإنسان وتكيف نفسيته، وبالتالي تحدد سلوكه، ومن هنا كان الاهتمام بالمناخ أو القيم التي تسود أي مجتمع؛ لأنها هي التي تصوغ فكر أفراده وتحدد سلوكهم، وإنه كلما ارتفعت واستقرت هذه القيم في عقول ونفوس أفراد كل مجتمع كلما ارتفع وتقدم هذا المجتمع وساده السلام والسعادة، والعكس صحيح كلما غابت أو هبطت هذه القيم كلما ساد الفساد والتخلف في المجتمع وحكم على نفسه بالانهيار والضياع.
ومن هنا كانت رسالات السماء، وجهود المفكرين العظماء على مدى التاريخ، في إزالة العقبات وتصويب المسارات والتوعية الرشيدة بالقيم الرفيعة، وصولًا إلى أمن الإنسان وراحته.
أما مصطلح (الاقتصاد) فيختلف باختلاف كل مجتمع، فهناك الاقتصاد الرأسمالي الذي يوجه النشاط الاقتصادي وفقًا لأصوله، من حيث: سيادة الحرية الاقتصادية، وحماية الملكية الخاصة والسوق الحر، وما يستتبع ذلك من استئثار أقلية بخيرات المجتمع، والتفاوت الشديد في توزيع الثروات، وغيره من المفاسد، وهناك الاقتصاد الاشتراكي الذي يوجه النشاط الاقتصادي وفقًا لأصوله، من حيث: غلبة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وسيادة الملكية العامة والتعقيدات الحكومية، وما يستتبع ذلك من تأميم وقمع للحرية، وغيره من المفاسد.
أما الاقتصاد الإسلامي، فهو الذي يوجه النشاط الاقتصادي وفقًا لأصوله، من حيث: ضمان حد الكفاية لكل فرد، وعدالة التوزيع، وحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم، متجنبًا عيوب ومساوئ كل من الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي.
ثانيًا: بيان العلاقة بين (الاقتصاد) و(الأخلاق): يتضح من الحديث عن (الأخلاق) و (الاقتصاد)، أن كلًا منهما يتأثر ويؤثر في الآخر فإنه إذا كانت الأخلاق الطيبة تؤدي إلى معاملات اقتصادية سليمة فإن الاقتصاد السليم يؤدي إلى أخلاق طيبة.
ويكفي أن نتساءل ماذا ننتظر من مجتمع هابط أو شخص عديم الأخلاق إلا الانتهازية والعدوان، وبالتالي إفساد المجتمع، وبالمثل ماذا تنتظر من اقتصاد متخلف أو شخص جائع مضيع إلا الحقد أو العنف، وبالتالي إفساد المجتمع.
وخلاصة القول: إن (الأخلاق) لا تستغني عن (الاقتصاد)، كما أن (الاقتصاد) لا يستغني عن (الأخلاق) فكلاهما يكمل الآخر.
وعليه، فإذا صح أنه لا أخلاق بدون اقتصاد سليم يقوم على كفاية الإنتاج، وتكافؤ التبادل، وعدالة التوزيع، وترشيد الاستهلاك، فإنه أيضًا لا اقتصاد ولا تنمية بدون صحة الأخلاق، وصدق المعاملة.
لقد تواترت الأحداث، وكشفت العصور الماضية، عن عجز مختلف المذاهب والنظم الوضعية في أن تحقق للمجتمعات البشرية أمنها وسعادتها، ولقد عاصرنا اضطراب دول وشعوب عالمنا المعاصر، بين المذهب الفردي ممثلًا في الرأسمالية بمختلف درجاتها، وبين المذهب الجماعي ممثلًا في الاشتراكية بمختلف أنواعها، وتوزعت بينهما في العديد من النظم الاقتصادية التي تبين عجزها عن أن تحمل مسئولية التوجيه والعطاء.
ولقد ثبت أن السبب الرئيسي لفشل مختلف النظم الوضعية، هو: إغفالها العنصر الأخلاقي، أو بعبارة أخرى الجانب الروحي في الإنسان، متصورة أن الإنسان مادة فحسب، فقامت مختلف النظم الوضعية على أساس البعد الواحد، وهو بعد المادة والإشباع الاستهلاكي، ناسية أو متناسية البعد الأخلاقي أو الروحي، مما أفقد الإنسان توازنه وسكينته.
ولقد عبر عن ذلك بعضهم بقوله: "إن الرجل الأبيض - يعني الأوروبي والأمريكي - قد انتهى، لا لأنه فرغ من العلم والتقدم المادي، ولكنه انتهى؛ لأنه فرغ من الإيمان والمثل" كما كان البعض الآخر أكثر صراحة وتحديدًا بقوله: "إن حضارة الغرب قد رفعت الإنسان إلى القمر بينما هي غائصة إلى ركبتيها في الأوحال"، ويضيف البعض أن البشرية اليوم في أشد الحاجة إلى الأخلاق والإحساس بالله تعالى وخشيته للخروج من أزمتها، وصدق الله العظيم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: ١٩] وقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}[طه: ١٢٢]وصدق الله العظيم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: ١٥].
ثالثًا: الأصول الاقتصادية التي انفرد بها الإسلام لضمان حسن الأخلاق حين طالب الإسلام الناس بالعبادة وذكر الله، تعالى في القرآن بقوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: ٣-٤]، فأساس العبادة في الإسلام والسبيل إليها، هو: تأمين الناس في حياتهم المعيشية.
ومن هنا يأتي تأكيدنا بأنه لا قيمة لحضارة متقدمة أو تقنية متفوقة بدون أخلاق ومُثُل، وارتباط بالله، وخشيته - تعالى -، وإلا فإن هذه الحضارة وتلك التكنولوجيا ستصبح بدون صمام أمان، وبالتالي لابد أن تطغى وتنتهي إلى أن تكون عنصر فساد وتدمير، كذلك لا غنى لمثل طيبة وتطلعات روحية أو تعبدية، عن الاقتصاد وتعمير الكون، وإلا فإن هذه الأخلاقيات ستصبح بدون عناصر بقائها واستمرارها، وبالتالي لابد أن تضعف وتضمر.
١ - ولعل من أهم هذه الأصول والتي ينفرد بها الإسلام، هو مفهوم أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه بقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: ٣٠] وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: ١٦٥]، وإنه بحكم هذه الخلافة كلف الإنسان بإعمار الأرض بالخير المادي والمعنوي من أجل خير البشرية جمعاء، بقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: ٦١] أي: كلفكم بعمارتها، ويلخص الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة الدنيا ورسالة الإنسان فيها بقوله: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَفَكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا عُبِد اللهُ بِمِثْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ» وفي رواية أخرى: «مَا عُبِد اللَّهُ بِشَيءٍ أفضَلَ مِن فِقهٍ في دينٍ».
ولعل الإسلام باعتباره خاتم الأديان، هو الوحيد بين كافة الأديان والمذاهب ومختلف النظم الوضعية، الذي يجيب بكل وضوح وإقناع على ذلك السؤال الأزلي الذي تاهت فيه الأفهام وتعددت فيه المذاهب، وضلت فيه المسالك، وهو لماذا خُلقنا أو إلى أين؟
٢ - هذا ومن أهم الأصول الاقتصادية، والتي ينفرد بها الإسلام أيضًا، مفهوم أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، بمعنى أن كل ما بيد البشر من مال هو ملك لله أصلًا بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فهو تعالى المالك الحقيقي للمال باعتباره تعالى خالقه وهو واهبه ورازقه، وأن البشر مستخلفون فيه بقوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: ٧]، وقوله تعالى: {أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة: ٢٥٤]، وإنه بالتالي لا يجوز للبعض دون الآخر أن يستأثر بهذا المال لقوله تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣]، وقوله تعالى: {يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران ١٨٠].
وعليه، فإن اختصاص البعض بالمال، هو في الإسلام ليس امتلاكًا كما تصور خطأً البعض، وإنما هو أمانة ومسئولية يلتزم فيها بتعاليم الإسلام لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: ٢٨] وهي مسئولية يحاسب عليها بقوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: ٨] وفي تفسيره لقوله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: ١٧] يقول الإمام الزمخشري: (يعني أن الأموال التي في أيديكم، إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه، وإنما موَّلكم إياها وخوَّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي أموالكم في الحقيقة، وما أنتم إلا بمنزلة الوكلاء، فأنفقوا منها في سبيل الله.. وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره).
ويروي المؤرخ الخطيب البغدادي في كتابة "تاريخ بغداد": (أن أبا حنيفة كان يجمع ربح التجارة عنده من سنة، ثم يشتري بها حوائج الشيوخ والمحتاجين من الكسوة والقوت وغيره: ثم يدفع إليهم باقي الدنانير من الأرباح) ويقول: (أنفقوا في حوائجكم، واحمدوا الله تعالى، فإني ما أعطيكم من مالي شيئًا؛ ولكنه من فضل الله تعالى).
٣ - كذلك يتميز الإسلام عن سائر المذاهب والنظم الوضعية في نظرته وموقفه للملكية الفردية، فهو لا ينكرها شأن النظم الاشتراكية، كما أنه لا يطلقها شأن النظم الرأسمالية، وإنما هو يقيدها بعدة قيود، ليس فحسب كالعادة والمعروف من حيث اكتسابها ومجالاتها، وإنما أساسًا من حيث استعمالها، مما لا نجد له مثيلًا في أي من التشريعات الوضعية بحيث يحدث يحلها الإسلام فعلًا وفقًا لرؤياه، إلى أمانة ومسئولية ومجرد وظيفة شرعية، ومن قبيل ذلك:
(أ) أنه لا يجوز للمسلم أن يكنز ماله أو يحبسه عن التداول والإنتاج، وإلا حق عليه عذاب أليم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة٣٤].
(ب) وهو لا يملك أن يصرف ماله على غير مقتضى العقل، وإلا اعتبر بنص القرآن سفيهًا وحق الحجر عليه، بقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء ٢٥].
(ج) وهو لا يستطيع أن يعيش عيشة مترفة، وإلا اعتبر بنص القرآن مجرمًا، بقوله تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: ١١٦].
(د) وهو مطالب دائمًا بأن ينفق كل ما زاد عن حاجته في سبيل الله، سواء في صورة إنفاق مباشر على المحتاجين، أو في صورة استثمارات تعود بالنفع على المجتمع، بقوله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥] وقوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: ٩٢].
٤ - كذلك انفرد الإسلام دون سائر المذاهب والنظم الوضعية، بأنه لا يسمح بالثروة والغنى إلا بعد القضاء على الفقر والحاجة من خلال ضمان (حد الكفاية) لا مجرد (حد الكفاف) لكل فرد، أي ضمان المستوى اللائق للمعيشة بحسب ظروف الزمان والمكان، والواجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي أيًا كانت ديانته وأيًا كانت جنسيته أي بوصفه إنسانًا، وباعتبار أن ذلك حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق، وهو يوفره لنفسه بجهده وعمله، فإذا عجز عن ذلك لسبب خارج عن إرادته كمرض أو شيخوخة، انتقلت مسئولية ذلك إلى بيت مال المسلمين، أي خزانة الدولة، وذلك إعمالًا لقوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: ١٩] وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَن تَرَكَ مالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَن تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَياعًا، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ»، وقد روى أبو يوسف في كتابه (الخراج)، وكذا أبو عبيد في كتابه (الأموال)، كيف أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه دهش حين رأى شيخًا يتكفف الناس فسأله: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فسأله: وما ألجاك إلى هذا؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأمر عمر بطرح جزيته وأن يعان من الزكاة باعتباره مسكينًا، وأرسل إلى خازن بيت المال بقوله: (انظر إلى هذا وأضرابه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم)، كما يروي البلاذري في كتابه (فتوح البلدان)، كيف مر الخليفة عمر بن الخطاب وهو بأرض الشام على قوم مرضى مجزومين لا حول ولا قوة لهم، فأمر أن يعطوا من الزكاة وأن يجري عليهم الطعام بانتظام أيًا كانت ديانتهم، فضمان (حد الكفاية) لكل فرد، هو في الإسلام أمر مقدس، باعتباره حق لله تعالى يعلو فوق كل الحقوق، وإن في إنكاره أو إغفاله تكذيب للدين بقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ*فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون ١ – ٣].
ولذلك لم يكتف الإسلام بتأكيد حق كل إنسان في مستوى لائق للمعيشة، وهو ما نعبر عنه بضمان حد الكفاية لا مجرد حد الكفاف، وإنما أنشأ لذلك ولأول مرة في التاريخ الإنساني مؤسسة مستقلة بأموالها وعمالها والمستحقين فيها، ألا وهي مؤسسة الزكاة التي إذا لم تكف أموال الزكاة بمقاديرها المحددة، أي نسبة ٢,٥ % من رأس المال بالنسبة للأموال المنقولة كعروض التجارة، وما بين ٥ و١٠ % من الدخل بالنسبة للأموال الثابتة كالأراضي الزراعية والعمارات المستغلة وكسب العمل، ونسبة ٢٠ % من الركائز كالبترول، فإن للحاكم أن يوظف على أموال الأغنياء بقدر ما يكفي الفقراء والمحتاجين، وفي هذا المعنى يقول الخليفة الرابع سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: (إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم)، ويقول الإمام الماوردي: (فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى) كما يقول: (تقدير العطاء معتبر بالكفاية)، ويقول الإمام السرخسي: (وعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال في المصارف، فلا يدع فقيرًا إلا أعطاه من الصدقات - أي الزكاة - حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين وليس في بيت المال من الصدقات شيء أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت المال).
ومن هنا جرى المثل العربي (صيانة النفس في كفايتها) كما أوضح الفقهاء القدامى وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية سبب اهتمام الإسلام بضمان حد الكفاية لكل فرد في المجتمع من خلال مؤسسة الزكاة بأنه لا يمكن أن تستقيم العقيدة وتنمو الأخلاق إذا لم يطمئن الفرد في حياته ويشعر أن المجتمع الإسلامي يقف معه ويؤمنه عند العجز أو الحاجة، حتى إن الإمام ابن حزم يقرر أن للجائع عند الضرورة أن يقاتل من يمنعه حقه في الطعام الزائد عن غيره (فإن قتل الجائع فعلى قاتله القصاص، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله ولا دية له؛ لأنه منع حقًا، وهو طائفة باغية)، وكلنا يذكر مقولة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "والله لأقاتلنّ من يفرق بين الصلاة والزكاة"، وللإمام الشافعي عبارة فقهية دقيقة مشهورة عنه بقوله: (إن للفقراء أحقية استحقاق في مال الغني، حتى صار بمنزلة المال المشترك بين صاحبه وبين الفقير)، وذهب الفقيه أحمد بن علي الدلجي أبعد من ذلك بقوله: (إن من حق المحروم أن يرى النعم التي بأيدي الناس مغصوبة، والمالك المستحق يطالب باسترداد ماله من أيدي الغاصبين).
٥ - كذلك انفرد الإسلام دون سائر المذاهب والنظم الوضعية، بتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم، وذلك إعمالًا لقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: ٢]، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون المال متداولًا بين فئة قليلة من الناس، بل يجب أن يعم الخير الجميع.
وإذا كان الناس يتفاوتون في مقدار ما يحصلونه من دخل ويكونونه من ثروة، فالتفاوت في الدخول والثروات، هو مما يقره الإسلام باعتباره أمرًا طبيعيًا تبعًا لاختلاف المواهب والقدرات، وباعتباره أيضًا حافزًا على الجد والعمل، إذ لو حصل كل الأفراد على دخول متساوية أو متقاربة لما عني أحدهم بإتقان عمله أو زيادة جهده، كما أن التفاوت والتنوع في الدخول والثروات على المستوى الإقليمي أو العالمي، هو أمر ضروري للتعارف والتعاون، وصدق الله العظيم {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ} [الحجر: ١٣] إلا أن التفاوت في الثروات والدخول الذي يسمح به الإسلام، هو التفاوت المنضبط أو المتوازن بالقدر الذي على المستوى الفردي يحفز على العمل والإتقان، وعلى المستوى الإقليمي أو العالمي يحقق التكامل لا التناقض، والتعاون لا الصراع، وبعبارة أخرى بالقدر الذي لا يكون فيه التفاوت فاحشًا بما يخل بالتوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم ويمحق تماسكها، وإلا تعين شرعًا على الحاكم أو ولى الأمر التدخل لإعادة هذا التوازن عند افتقاده، والسبيل إلى ذلك هو إعمال الحديث النبوي "تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ على فُقَرائِهِمْ"، والأمثلة على ذلك عديدة ومعروفة سواء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عهد الخلفاء الراشدين.
والواقع أن مشكلة الاقتصاد الوطني في المرتبة الأولى هي في اختلال التوازن في توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع، كما أن مشكلة الاقتصاد العالمي اليوم هي في الفجوة المتزايدة بين الدول الفقيرة النامية والدول المتقدمة، ولا يستهدف حاليًا أي تغيير، أو إصلاح، أو أي نظام اقتصادي جديد سوى في المرتبة الأولى تحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع على المستوى المحلي.
وتحقيق التوازن الاقتصادي بين دول العالم على المستوى العالمي، الأمر الذي نبه إليه الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا بقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: ٢٧] بمعنى: ألا يكون المال متداولًا بين فئة قليلة تستأثر به دون غيرها، سواء كان ذلك على مستوى أفراد المجتمع أو على مستوى دول العالم، الأمر الذي يؤدي إلى تهميش الأغلبية، أو إلى اغترابها وإثارة حقدها وثورتها وكافة المساوئ.
كل ما تقدم هو بعض الأصول الاقتصادية التي أنفرد بها الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، وذلك لضمان وتحقيق حسن السلوك ومكارم الأخلاق، باعتبار ذلك هو غاية الغايات والمستهدف من كافة صور العبادة ومختلف أركان العقيدة الإسلامية، ذلك أن الله تعالى غني عن عباده، والمراد من مختلف أحكام الإسلام سواء كانت عبادات أو معاملات، هو نفع الخلق أنفسهم لتستقيم بهم الحياة الدنيا، فلا يعانون فيها، باعتبارها في حقيقتها وكما كشف عنها الإسلام (دار اختبار وابتلاء)، وصدق الله العظيم {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} [فاطر: ١٥]، وقوله تعالى: {لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۢ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} [النساء:١١٤]، وقوله تعالى: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ} [الحج:٣٧]، وقوله تعالى: {إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحُجُرات:١٣].
والتقوى في الإسلام هي: جماع الأخلاق الإسلامية؛ ذلك أنها بنصوص القرآن تشمل كافة القيم الرفيعة من إيمان وعمل وعدل، وخدمة الناس، وابتغاء وجه الله تعالى ومراعاته وخشيته والتوكل عليه في كل ما تقوم به من عمل أو تباشره من نشاط، بل ينفرد الاقتصاد الإسلامي دون سائر المذاهب والنظم الاقتصادية باعتبار (التقوى) أحد عناصر الإنتاج، بل أهمها، وإن عائدها هو البركة بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: ٩٦]، وصدق الله العظيم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[الرعد: ١١].
مراجع للاستزادة
١- فتوح البلدان: للبلاذري ص ١٢٥.
٢- الأحكام السلطانية: للماوردي ص ١٢٢.
٣- المحلى: لابن حزم الجزء السادس مسألة رقم ٧٢٥.
٤- الكشاف: للزمخشري ٢/ ٤٣٤.
٥ - الخراج: لأبي بوسف ص ١٥.
٦- الأموال: لأبي عبيد ص ٤٦.
٧- المبسوط: للسرخسي٣/ ١٨٧.
٨ - الفلاكة والمفلوكون ص ١٦
الأخلاق هي أساس الحياة والدين، وقد أكد الإسلام على أهميتها وجعلها جوهر رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. الاقتصاد الإسلامي يتميز عن الرأسمالية والاشتراكية بكونه نظامًا أخلاقيًا يضمن حد الكفاية للجميع، ويحقق عدالة التوزيع، ويحفظ التوازن الاقتصادي، متجنبًا مفاسد النظم الأخرى. يُؤكد الإسلام أن الأخلاق والاقتصاد متلازمان؛ فلا يمكن لأحدهما أن يستقيم بدون الآخر. يعالج الاقتصاد الإسلامي المشكلات الاقتصادية عبر أصول فريدة، مثل مفهوم الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن المال ملك لله وأن البشر مستخلفون فيه، وتقييد الملكية الفردية لتصبح أمانة ومسؤولية، وضمان حد الكفاية لكل فرد عبر مؤسسة الزكاة، وتحقيق التوازن الاقتصادي لمنع تركز الثروة في أيدي قلة. هذه الأصول تهدف إلى تحقيق حسن السلوك ومكارم الأخلاق، فالتقوى هي جماع الأخلاق وعنصر أساسي للإنتاج والبركة.
يركّز الاقتصاد الإسلامي على دمج الروح والقيم الأخلاقية في النشاط الاقتصادي، سعيًا لمرضاة الله لا مجرد المكسب المادي.
الفن الإسلامي لم يكن مجرد تلبية لاحتياجات الإنسان، بل تجسيدًا لقيم روحية وجمالية عميقة تعبّر عن اعتزاز الصانع بعمله.
تعكس أخلاقيات الفنون في الحضارة الإسلامية تلاحمًا راقيًا بين الإبداع الجمالي والتوجيه القيمي.