Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

البيمارستان

الكاتب

أ. د/ أحمد فؤاد باشا

البيمارستان

البيمارستانات كانت من أبرز معالم الحضارة الإسلامية، إذ جمعت بين الرعاية الصحية والتعليم الطبي والخدمة المجتمعية، وهي تمثل نموذجًا مبكرًا للمستشفيات المتخصصة ذات الإدارة المنظمة، وتعكس التقدم العلمي والاجتماعي في الدولة الإسلامية.

نشأة البيمارستان

كانت المستشفيات إحدى المنشآت والمؤسسات الإسلامية المختصة بمداواة المرضى وعلاجهم، كما كانت في الوقت نفسه معاهد علمية ومدارس لتعليم الطب، يتخرج فيها المطيبون والجراحون والكالحون (أطباء العيون) والصيادلة وغيرهم. وكان بعضها ثابتا في المكان الذي أقيم عليه، وبعضها الآخر متنقلا مع الجيوش في الحرب، أو مع الخلفاء والأمراء في أسفارهم، أو بحسب ظروف الأمراض والأوبئة وانتشارها في البلدان التي تخلو من المستشفيات (وكانت تُسمى بيمارستان) الثابتة.

وأول مستشفى غير ثابت أقيم في الإسلام هو الذي أمر الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإقامته أثناء غزوة الخندق. فعن عائشة - رضي الله عنها – قالت: أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق. رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ليعوده من قريب...

وقال ابن إسحق المتوفي سنة ١٥١هـ - ٧٦٨م: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من "أسلم" يقال لها: [رفيدة] في مسجده كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضبعة من المسلمين وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه (يعني سعدًا) السهم بالخندق: «اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ».

تطور البيمارستان عبر العصور

 وكانت المستشفيات المتنقلة أو المحمولة لدى خلفاء المسلمين وملوكهم وسلاطينهم، عبارة عن "مستوصفات" مجهزة بالأطباء والصيادلة، ومزودة بكل ما يلزم لعلاج المرضى من دواء وغذاء وشراب وملبس وكل ما يعين على ترفيه الحال. ومن هذا النوع ذلك "البيمارستان" المتنقل الذي أنشئ في عصر "المقتدر بالله" بناء على كتاب أرسله "ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة" يقول فيه: "فتقدم - مد الله في عمرك - بإبقاء متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون السواد ويقيمون في كل موقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم ويعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره".

 وأما أول مستشفى ثابت في الإسلام، فهو ما بناه الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨هـ = ٧٠٦م وجعل فيه الأطباء. وأجرى لهم الأرزاق، وأمر بعزل المجذومين لئلا يخرجوا ويختلطوا بالناس، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق. فكان هذا أيضا أول حجر صحي في الإسلام.

وكانت المستشفيات الثابتة في أول عهدها بسيطة. تم ازدهرت وتطورت تطورًا كبيرًا في عهد العباسيين. وانتشرت في مختلف البلاد التي ضمتها الدول الإسلامية الكبرى. وتزايد عددها في الحواضر، حتى أن مدينة قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى في أواسط القرن العاشر الميلادي وكان اختيار موقع البيمارستان يتم بعد بحث وتفكير لاختيار أفضل الأماكن صحة. وأكثرها جمالا. فتد جاء في كتاب "طبقات الأطباء". لابن أبي أصيبعة أن عضد الدولة أستشار أبا بكر الرازي الطبيب المعروف، المتوفي سنة ٣١٣هـ - ٩٢٥م. ليختار له مكانا لبناء، مستشفى يجمل اسمه. فطلب الرازي ان يعلق في كل ناحية من جوانب بغداد شقه لحم، واعتبر الناحية التي لم يتغير اللحم فيها أنسب الأماكن لإقامة هذا المستشفى. وعندما أراد الناصر صلاح الدين أن يبني المستشفى الناصري في القاهرة، اختار لهذا الغرض أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء.

نظام العمل في البيمارستانات الكبرى

وكان العمل في البيمارستانات الكبرى يسير وفق نظام وترتيب دقيقين؛ فكان البيمارستان - بوجه عام - ينقسم إلى قسمين منفصلين: أحدهما للذكور والآخر للإناث، وفي كل قسم عدة قاعات فسيحة لمختلف الامراض فقاعة للأمراض الباطنة، وقاعة للجراحة، وقاعة للكحالة، (أمراض العيون). وقاعة للتجبير، وهكذا. كما كانت قاعة الأمراض الباطنة تنقسم بدورها إلى أقسام أخرى، كقسم المحمومين (أي المصابين بالحمى)، وقسم المبرودين (أي المتخومين)، وقسم الممرين (أي الذين فسد مزاجهم وأصابهم هوس، وهو ضرب من الجنون يتميز بالانفعال الشديد، ويسميه الأطباء "مانيا" وقسم لمن به إسهال وهكذا.

وكان لكل قسم من هذه الأقسام خدم وفراشون من الرجال والنساء يقومون على خدمة المرضى وتقديم الطعام والعلاج لهم.

دور الأطباء والصيادلة ورؤساء البيمارستان

أما العمل الطبي في البيمارستان فيقوم به الأطباء الإخصائيون في مختلف فروع الطب، يتناوبون العمل فيما بينهم، وكان رئيس الأطباء يتفقد أحوال المرضى، ومعه معاونوه، وإذا احتاج الأمر إلى استشارة دعي الأطباء والإخصائيون من قسم آخر غير الذي يقيم فيه المريض. وكان جميع ما يكتبه الطبيب لكل مريض من المداواة والتدبير ينفذ ولا يتوانى في ذلك، ونشأ إلى جانب العمل بالأقسام الداخلية نظام للعلاج الخارجي، إذ كأن الطبيب يجلس على دكة - فيما يقول ابن أبي أصيبعة - ويكتب لمن يرد عليه من المرضى للعلاج أوراقا يعتمد عليها (أي: روشتات)، ويأخذون بها الأدوية والأشربة من البيمارستان، وكانت الشرانجانة (أي بيت الشراب أو الصيدلية) جزءًا هامًّا من مرافق البيمارستان، يقوم عليها الصيادلة، وتحتوي على العديد من الأدوية والأشربة والعطريات، والمعاجين، وغيرها من أصناف شتى.

إدارة البيمارستانات في الدولة الإسلامية

أما من ناحية الإدارة، فقد كان للبيمارستان ناظر يشرف على إدارة الأموال والأوقاف المخصصة له، وكان تعيين الناظر يتم وسط مظاهر حافلة. حيث إن نظارة البيمارستان كأنت من وظائف الدولة السامية، وكان يتولاها أحيانا السلاطين بأنفسهم أو يولونها أحد امراء الدولة. والواقع أن السجلات التي كانت تقيد فيها مصروفات البيمارستانات تنبئ عن مدى الاهتمام الزائد بالإنفاق عليها، سواء من حيت قيمة رواتب الأطباء والعاملين أو الميزانيات المخصصة للعقاقير والتجهيزات والآلات الطبية وغيرها.

ومن بين هذه البيمارستانات الكبرى المستشفى المنصوري الذي أنشأه الملك المنصور قلاوون من أمراء المماليك البحرية عام ٦٨٢هـ وتشهد آثاره الباقية حتى اليوم على ما كان عليه من روعة الزخرفة والبناء والتنظيم.

الخلاصة

البيمارستان مؤسسة طبية متكاملة جمعت بين العلاج والتعليم، وكان لها دور بارز في تطور الطب والصيدلة والإدارة الصحية، وشهدت تطورًا لافتًا في التنظيم والتخصص وتوزيع الأقسام والأدوار، مما يدل على نضج علمي وحضاري مبكر، وقد امتد أثرها إلى أوروبا، وكانت من اللبنات التي أسهمت في بناء النظم الصحية الحديثة عالميًّا.

موضوعات ذات صلة

لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية، بأسس علمية وإيمانية متكاملة.

برز التمريض كعنصر أساسي في الحضارة العربية الإسلامية، حيث لعبت المرأة دورًا محوريًا، وقد شاركت في رعاية المرضى والجرحى.

الطب السريري يركز على تشخيص الأمراض وعلاجها من خلال التواصل المباشر مع المرضى.

موضوعات مختارة