شهدت الحضارة العربية الإسلامية ازدهارًا ملحوظًا في المجال الصناعي، إذ اهتم الخلفاء والقادة بشكل كبير بتنمية هذا القطاع وتعزيزه، مما ساهم في تعزيز الاقتصاد والتبادل التجاري.
شهدت الحضارة العربية الإسلامية ازدهارًا ملحوظًا في المجال الصناعي، إذ اهتم الخلفاء والقادة بشكل كبير بتنمية هذا القطاع وتعزيزه، مما ساهم في تعزيز الاقتصاد والتبادل التجاري.
حضارتنا العربية الإسلامية سبقت إلى تأسيس المجتمع الصناعي السليم قبل ما يسمى بالثورة الصناعية في أوربا بعدة قرون، فقد اهتم الخلفاء وكبار رجال الدولة الإسلامية بالعمل على الاستثمار الجيد لثروات الأمة الإسلامية ودفع التقدم الصناعي، انطلاقًا من اعتبار الصناعة موردًا مهمًا من موارد (الدخل القومي) بتعبير الاقتصاديين المعاصرين
فقد أقيم في بغداد وسامراء عدد كبير من مصانع الزجاج والخزف، وازدهرت هذه الصناعة - أيضا - في بلاد الشام، حتى إن أهلها اتخذوا طرازًا خاصًا بهم في زخرفة الزجاج، وكتب باحث عربي عن الفولاذ الدمشقي بأنه أكثر أنواع الفولاذ صلابة، وسرد تاريخ دراسته من جانب الأوربيين، وأشار إلى أهميته في الصناعات الحديثة.
وفي الدولة الإسلامية، مع أوائل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حلت صناعة الكاغد - وهو نوع من الورق يصنع من الكتان - محل ورق البردي الذي كان يجهز للكتابة بمصر القديمة، وكانت صناعة الكاغد قد نقلت من الصين إلى البلاد الإسلامية، وأدخل عليه المسلمون كثيرًا من التحسينات، واشتهرت سمرقند بصناعته حتى قيل إن كواغيد سمرقند عطلت قراطيس مصر، حيث يؤرخ لبداية الوثائق المكتوبة على المكاغد بعام٣٠٠هـ - ٩١٢م، ولنهاية ورق البردي بعام ٠٣ ٣هـ ٩٣٥م، وقد انتقلت صناعة الورق من سمرقند إلى العراق، فأنشئ مصنع لنورق في بغداد في عهد الرشيد، حيث أشاد الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي بصناعة الكاغد، وأمر أخوه جعفر بإحلال الورق محل الرق في دواوين الدولة، ثم أخدت هذه الصناعة في الانتشار في القرن الرابع الهجري، وأقيمت مصانع الورق في دمشق، وطبرية بفلسطين، وطرابلس الشام، وظلت سمرقند رغم ذلك أكبر مركز لصناعته، كما اشتهرت الفسطاط بصنع نوع من الورق يعرف بالورق المنصوري، وانتشرت الوراقة بمصر في العصر الفاطمي، فكان الوراقون يشتغلون بصنع الورق وتجارته، وبالنسخ والتجليد.
ومن الصناعات التي ازدهرت في عصر الحضارة الإسلامية المنسوجات على اختلاف أنواعها، وقد اشتهرت بلاد شرق فارس بثياب القطن الفاخرة، كما اشتهرت بلاد ما وراء النهر بزراعة القطن وصناعته، واشتهرت مصر بصناعة المنسوجات الموشاة بخيوط الحرير والذهب، فضلًا عما كان يصنع بها من الأقمشة الكتانية، ونوع من القماش يتغير لونه بتغير ساعات النهار يعرف بالقصب الملون.
وقد بلغت صناعة المنسوجات الحريرية في فارس والعراق والشام درجة عالية من الرقي، وكان يصنع بدمشق الأقمشة الحريرية المعروفة باسم (الدمقس)، وفي القاهرة أنشأ المعز لدين الله الفاطمي دار الكسوة التي تقوم بتفصيل الثياب لموظفي الدولة على اختلاف درجاتهم، وكان يصنع بهذه الدار- أيضًا - كسوة الكعبة المشرفة، والخلع التي يمنحها الخلفاء للوزراء والأمراء والأشراف وكبار رجال الدولة في عيد الفطر حتى سمي هذا العيد بعيد الحلل، كذلك انشئت دار الديباج منذ عهد الأفضل بن بدر الجمالي لإنتاج نوع الحرير المعروف بالديباج، وتفوقت مصر- أيضًا - في صناعة المنسوجات الصوفية الرفيعة، ومعها اشتهرت فارس وأرمينية وبلاد ما وراء النهر، ولأن للبُسُط التي تصنع في أصبهان شهرة خاصة، أما البسط الأرمينية فيقول عنها الثعالبي: "إنها من أجود أنواع الصوف بعد صوف مصر، وكان الخلفاء والأثرياء يحرصون على اقتنائها".
وإذا انتقلنا إلى صناعة أخرى متقدمة ومتميزة في العصر الإسلامي نجد أن الصناعات الخشبية قد حظيت باهتمام شديد، حيث يجلب خشب بناء السفن من بلاد الشام ومن مناطق الغابات في كثير من جهات صعيد مصر، كذلك اشتهر سكان طبرستان بصناعة الأواني المنزلية من خشب شديد الصلابة عندهم.
ومن المفارقات التي تستوجب الذكر بين حضارتنا وحضارة الغرب، أن الأباطرة البيزنطيين كثيرًا ما تدخلوا لمنع المدن الإيطالية من تزويد مصر بما تحتاجه من الخشب في عهد الفاطميين، وقد تعرضت جمهورية البندقية لتهديدات الإمبراطور البيزنطي بالانتقام منها إذا لم تمتنع عن إمداد مصر وغيرها من البلاد الإسلامية بالخشب اللازم لبناء السفن، فأصدرت حكومة البندقية أمرًا بمنع تصدير هذا النوع من الخشب، وسمح بإمدادها بالخشب الذي لا يصلح لإنشاء السفن، وشرطت أن يكون من اللبخ والسنديان على ألا يتجاوز طول اللوح خمسة أقدام وعرضه نصف قدم؛ كما أذنت بأن يباع للمسلمين الأدوات المصنوعة من الخشب، وكان لهذا القرار أثر سيء في مصر حتى إنه لما أراد الوزير عيسى بن نسطورس أن ينشئ أسطولًا يقوم مقام الأسطول الذي كان مُعدًا لوقف تقدم البيزنطيين بالشام وأحترق، أصدرت الحكومة الفاطمية الأوامر بقطع الأخشاب من مختلف جهات القطر، على أن حكومة البندقية لم تحرص على التقيد بهذه السياسة التي تؤدي إلى التضحية بمصالحها في سبيل إرضاء أباطرة الدولة البيزنطية، فعملت على تنمية العلاقات التجارية مع المسلمين ومن ثم أرسلت بعثات إلى بلاد الدولة الإسلامية حصلت على امتيازات لسفنها، وكانت سفن البندقية التي تصل إلى مصر تنقل منتجات أسيا إلى أسواق أوربا، وقد ساعد على دفع التقدم الاقتصادي في الدولة الإسلامية الاهتمام باستغلال مواردها من الثروة المعدنية كالحديد والذهب والفضة، فاشتهرت فارس بأنها أكبر إقليم لاستخراج الحديد وصناعته، وأظهر أهالي هذا الإقليم براعة فائقة في المصنوعات الحديدية، واشتهرت العلاقي بالقرب من أسواق مصر بوفرة الذهب.
كذلك كانت الأحجار النفيسة من بين موارد الثروة التي عنى باستغلالها بعض بلاد الشرق الإسلامي، فقد زاول المصريون صناعة البلور الصخري الذي كان يستورد من بلاد المغرب وبعض مناطق البحر الأحمر، وقد انتشرت في بعض بلاد الدولة الإسلامية صناعة نوع من البلور المزخرف وكان يصنع منه المصابيح البلور المزدانة بالنقوش والآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وكثيرًا ما كانت تُزيّن الجوامع والقصور بهذا النوع من المصابيح، ومن الأحجار النفيسة التي عرفت في هذا العصر الإسلامي: الياقوت، والزمرد، واللؤلؤ، الذي كان يستخرج من الخليج العربي في شرق جزيرة العرب وسواحل عمان، والعقيق وكان يستخرج اجود اصنافه من اليمن.
مراجع للاستزادة
- تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق، د. معمد جمال الدبن سرور.
- التراث العلمي للحضارة الإسلامية، د. أحمد فؤاد باشا.
تجسدت عبقرية الحضارة الإسلامية في تفوقها الصناعي الذي سبق الثورة الصناعية الأوروبية، حيث استثمرت في تطوير صناعات متنوعة مثل الزجاج والخزف والفولاذ الدمشقي، مما عزز مكانتها الاقتصادية، كما ساهمت تطورات صناعة الكاغد في نشر العلم والثقافة، متجاوزةً تقنيات الكتابة القديمة، واستمرت العلاقات التجارية مع أوروبا في تعزيز التفاعل الثقافي والاقتصادي، مما أثرى تراث هذه الحضارة العريقة.
لقد أولى علماء الحضارة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بعلم المعادن والتعدين، فدرسوا خصائصها، وطرق استخلاصها.
يركّز الاقتصاد الإسلامي على دمج الروح والقيم الأخلاقية في النشاط الاقتصادي.
هي مهنة قديمة ارتبطت بصناعة الكتاب والنسخ والتجليد، عرفها العرب بعد ظهور الورق في بغداد خلال العصر العباسي.