Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الفَنُّ الفارِسِيُّ

الكاتب

هيئة التحرير

الفَنُّ الفارِسِيُّ

الفن الفارسي هو فن إيراني مميز يشمل العمارة والتصوير والنسيج والخزف والمعادن، وتأثر بثقافات متنوعة كالإسلامية والصينية والبيزنطية.

التاريخ الحضاري للدولة الإلخانية

بعد غزو المغول لإيران في بداية القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت أسرة مالكة عرفت باسم الدولة الإلخانية ساد حكمها البلاد واتخذت تبريز عاصمةً لها، وفي عهدهم ازدهرت العاصمة تبريز وبعض المدن الفارسية الأخرى في هذا الوقت بعد فترة الركود الفني التي تلت الحروب.

وقد اعتنق (ملوك الخان) الإسلام في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، واقتبسوا كثيرًا من الحضارة والفنون الإيرانية، وتأثروا بالثقافة الإسلامية، إلا أنهم لم يقطعوا صلتهم بالثقافة الصينية والفنون التي عرفوها في بلادهم، لذلك تميز عهدهم بظهور عناصر وأساليب فنية صينية انتقلت عنهم بعد ذلك إلى بعض أجزاء العالم الإسلامي العربي، وبذلك ظهر عنصر جديد في الفن الإسلامي إلى جانب عناصره القديمة، إلا أن البلاد تعرضت في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي إلى غزوٍ مغوليٍّ جديد بقيادة تيمورلنك الذي اهتم هو وخلفاؤه برعاية الفن، فوصلت البلاد في عهدهم إلى درجة كبيرة من الرقي الفنيِّ، وصارت العاصمة (سمرقند) أفخم عاصمة، وأعظمها عمارة، بما استقدم لها تيمورلنك من العمال المهرة وذوي الحرف الممتازين من جميع ولاياته.

ظهور الدولة الصفوية

وفي بداية القرن السادس عشر ظهرت أسرة إيرانية شيعية قوية، تنتمي إلى وليٍّ فارسيٍّ يُدعى الشيخ (صفي الدين) ونسبت دولتهم إليه تبركًا به، فسميت الدولة الصفوية، واتخذت هذه الأسرة تبريز عاصمةً لها، وسيطرت على إيران باستيلائها على شيراز وسمرقند وبخاري، إلا أنهم تعرضوا لهجوم الأتراك العثمانيين السنيين فارتدوا إلى داخل حدود إيران الطبيعية، ولكن سرعان ما دبَّ الضعف في الدويلة الصفوية وسقطت أصفهان في يد الأفغان، ولقد ازدهرت الثقافة والفنون الإيرانية في عهد الصفويين، وظهرت حركة فنية كبيرة في العاصمة تبريز، وكانت أصفهان في أيامهم من أشهر مدن الشرق الإسلامي حضارة.

أسباب النهضة الفنية في إيران

ولقد بلغت النهضة الفنية في إيران قمة ازدهارها في عهد السلاجقة، ويرجع ذلك إلى تشجيع الحُكَّام للفنون، فتطورت عمارة المساجد، ومن أحسن النماذج في هذا العصر مسجد الجمعة بمدينة أصفهان إذ يتوسط ثلاثة من أضلاع صحن الجامع المكشوف إيوانات عالية ضخمة أكبرها إيوان القبلة، ويزخرف قبته شريط دائري من الكتابة الكوفية بالآجر البارز، وأدخلت فكرة تشييد الأضرحة باعتبارها أبنية مقدسة في إيران، كما أدخلت فكرة المدارس الدينية، وكانت مهمتها نشر تعاليم المذهب السني بين أهل إيران الشيعيين، وتميز عهد السلاجقة بالميل إلى استخدام أسلوب النحت على الحجر والجص في زخرفة الجدران، وتتكون هذه الزخارف من نقوش كتابية وتوريقات نباتية، ولقد وجدت نماذج جميلة لحروف كوفية تنتهي بتوريقات، كما تميز باستخدام الوحدات الآدمية والحيوانية إلى جانب الزخارف النباتية والهندسية والكتابية، ويصل بروز الزخارف الآدمية أحيانا إلى درجة كبيرة تجعل الناظر إليها يتخيل أنها منحوتة نحتًا كاملًا بالرغم من أنها متصلة بالجدار.

ومن أبدع ما توصل إليه الإيرانيون في زخرفة جدران عمائرهم هو كسوتها بالطوب والبلاطات الخزفية.

أثر الدولة الإلخانية في الفنون والحضارة

أما حُكَّام المغول من الأسرة  الإلخانية فقد كان لهم فضل عظيم في ازدهار العمارة، كما كان لاعتناقهم الدين الإسلامي أثر في نشاط حركة بناء المساجد والأضرحة والمدارس، وكان الأسلوب السلجوقي هو المتبع في طراز العمارة الدينية مع استطالة العناصر الزخرفية التي أكسبت المباني أناقةً واتساقًا، كما ازدادت المداخل فخامة، ويزيد من فخامتها المآذن المرتفعة، وكثرت العناية بزخارف الحنايا الموجودة بالجدران الداخلية والخارجية، ومن أجمل آثارهم بالعاصمة تبريز المسجد الجامع الذي يعتمد في تصميمه على صحنٍ يحيط به أربعة إيوانات ولا قبة فيه، كما يتميز بجدران مشيدة بالآجر، ويغطي الإيوانات الداخلية والأروقة بلاط خزفي.

ونلاحظ أن أسلوب الزخارف الجصية المنقوشة الذي تميزت به إيران في عهد السلاجقة قد أخذ يتطور تدريجيًّا في العصر المغولي إذ ازدحمت الزخارف على السطوح في شيءٍ كثير من الإفراط، ومن أحسن النماذج التي توضح ذلك محراب (أولجاتيو) الموجود بالمسجد الجامع بأصفهان، ويجمع هذا المحراب بين النحت البارز والغائر، كما تظهر به زخارف التوريق المزدحمة التي تجمع بين عناصر نباتية كبيرة وأخرى دقيقة، ويظهر في أعلّى المحراب نصٌ كتابي بالخط النسخ، على أن أبدع ما أدخله العصر المغولي على أسلوب زخرفة العمائر هو استخدام قطع صغيرة من فسيفساء الخزف البراق المتعدد الألوان في تغطية السطح.

أما في العصر التيموري فقد تأثرت العمارة ببعض العناصر التي كانت في العصر الإلخاني فظلّ طراز المساجد ذو الإيوانات الأربعة والصحن المكشوف الذي أدخله السلاجقة في إيران هو المفضل.

أهم خصائص العمارة التيمورية

ومن أهم خصائص العمائر التيمورية الاهتمام بعمارة المدخل واستخدام القباب الضخمة وتغطية الجدران بزخارف الفسيفساء، ومع ذلك فقد ظهر في إيران طراز يختلف عن طراز المساجد ذات الصحن المكشوف التي انتشرت في ذلك العصر، ويتضح ذلك في الجامع الأزرق الذي شيد في تبريز في القرن الخامس عشر الميلادي، ويعد تصميمه ابتكارًا جديدًا لم يكن معروفًا في إيران وربما كان مستمدًا من تركيا، وقد يرجع اختيار تصميم المسجد المغلق المسقوف لطراز بعض العمائر الفارسية التي تميزت بها تبريز.

ولقد اهتم معظم الحكام التيموريين بتشييد الأضرحة والمدارس والقصور إلا أن الزخارف الجصّية التي انتشرت في عمائر العصر المغولي قد قلت واستخدم المعماريون بدلًا منها الفسيفساء الخزفية والآجر المزجج والبلاطات الخزفية في كسوة الجدران.

أما طراز العمارة الصفوية فيتجلى في مدينة أصفهان الذي حرص الشاه عباس وخلفاؤه خلال القرن السادس عشر الميلادي على توسيعها وتجميلها بعمائر فخمة، ومن أفخم المساجد الصفوية مسجد الشاه بأصفهان الذي يعتبر قمة في فن المعمار في إيران، وترجع شهرة هذا الجامع إلى زخارفه الداخلية الجميلة المغطاة بالفسيفساء والقيشاني الفارسي الذي يفوق كل أنواع القيشاني الأخرى، وكذلك زخارف واجهته الرائعة التي تُبدي قيمته، وذلك في الميدان الكبير الذي أقيم فيه، ويعتبر هذا المبنى أخر المباني العظيمة التي شيدت في العصر الصفوي.

ونلاحظ أن الفن الفارسي في الإسلام قد فاق وشمل كثيرًا من الفنون، في المعادن والخزف والنسيج والسجاد... إلخ.

ففي المعادن برع الفنانون الإيرانيون في صناعة التحف المعدنية قبل الإسلام، وظلت لهم المكانة السامية في هذه الصناعة بعد أن أصبحت بلادهم جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية، وقد أطنب المؤرخون في وصف براعة صناعة المعادن فكتب ابن الفقيه الهمداني في القرن الثالث الهجري يقول: ولفارس فضل في اتخاذ الآلات الظريفة المحكمة من الحديد، حتى لقد قال بعض الحكماء لما وقف على أشياء ظريفة عند بعض الملوك من آلات فارس: لقد ألان الله عز وجل لهؤلاء القوم الحديد، سخره لهم حتى عملوا منه ما أرادوا فهم أحذق بالأغلال والأقفال والمرايا وتطبيع السيوف والدروع والجواشن.

والواقع أن التحف المعدنية الساسانية قد امتازت بتناسق نسبها ورشاقة أحجامها، قل ان نجده في تحف معدنية أخرى، وخير دليل على ذلك ما وصل إلينا من الصواني والأطباق الذهبية والفضية ذات الزخارف البارزة، وأكثر هذه التحف عثر عليها في جنوبي روسيا وشمالي إيران والمحفوظة الآن في متحف الهرميتاج بمدنية لينجراد.

وقد استمر الأسلوب الساساني في صناعة التحف المعدنية في أوائل العصر الإسلامي واستمر قرابة أربع سنوات، مما أدى إلى ظهور مسحةٍ ساسانيةٍ واضحةٍ عليها الأمر الذي دعا علماء تاريخ الفنون إطلاق اسم (ساساني متأخر) على التحف الإسلامية حتى نهاية القرن الرابع الهجري، واستخدم الفنانون شتى الطرق التطبيقية في عمل هذه الزخارف فكان بعضها محفورًا وبعضها مفرغًا، وبعضها وثيق الصلة بأسلوب (المينا).

وفي القرن السادس الهجري نشأ على يد صناع المعادن في بلاد الجزيرة وإيران أسلوب جديد بلغ غاية في الدقة والإبداع وهو (تكفيت) الفضة والذهب في الأواني البرونزية والنحاسية، والمعروف أن (التكفيت) طريقة في زخرفة المعادن قوامها حفر رسوم على سطح المدن ثم ملء الشقوق الناتجة بأسلاك رفيعة من معدن أغلى ومختلف في اللون.

وبلغت صناعة التحف المعدنية في إيران عصرها الذهبي في نهاية القرن السابع وفي القرن الثامن بعد الهجرة، وحسبنا للدلالة على ذلك الأباريق الجميلة التي كانت تصنع في شمال غربي إيران، التي امتازت ببدنها المضلع المغطى بالأشرطة، والجامات ذات الرسوم الآدمية والحيوانية، والكتابة على أرضية نباتية مكفتة بالفضة والذهب.

ومن التحف المعدنية الجميلة العديدة إبريق من البرونز ذو رقبةٍ طويلةٍ بمتحف المتروبوليتان، يتكون بدنه من اثني عشر ضلعًا، سطحها مزدان بزخارف متشابكة تنتهي من أعلى برؤوس حيوانات مختلفة، كما تظهر في زخارف رقبته الأسلوب الذي أدخله السلاجقة على الزخارف الكتابية وهو انتهاء حروف الكتابة النسخية بِأَشْكالِ رُؤُوسٍ آدَمِيَّةٍ.

وأما صناعة الخزف فقد كانت من اهم الميادين التي حاز فيها الإيرانيون المكانة الأولى بين الأمم الإسلامية لذلك فقد عني بدراسته علماء الآثار ومؤرخو الفنون عناية خاصة على اعتبار انه من الدعائم المهمة التي يمكن الاعتماد عليها في التاريخ الحضاري، فقد تعددت أنواع الخزف الإيراني طبقًا لطرزه التطبيقية أو أساليبه الزخرفية، فهناك خزف مطلي بطلاءات متعددة وآخر غير مطلي ولكنه مزخرف بالرسوم المضافة البارزة أو المحفورة حفرًا غائرا في عجينة الإناء.

أمَّا بالنسبة للخزف المطليّ فهناك الخزف المرسوم تحت الطلاء والخزف ذي البريق المعدني الذي امتاز باحتوائه على الرسوم الآدمية في نهاية القرن الثالث الهجري، فقد كره المسلمون في أول الأمر رسم الصور الآدمية على تحفهم واستمر الحال على ذلك قرابة ثلاثة قرون، وفي نهاية القرن الرابع بدأت تظهر الرسوم الآدمية وكانت إيران أول من رسمها.

وقد انفردت إيران بصناعة أنواع من الخزف مثل الخزف الجيري الذي امتاز برسومه الرمزية التعبيرية المتحررة، والخزف المينائي الذي تمثل رسومه وزخارفه رسوم مدارس التصوير المعاصرة في القرن السابع الهجري، ومن المعروف أن صناعةَ التماثيل لم يكن لها نصيبٌ في الفن الإسلامي، فقد خشي المسلمون الأوائل أن يُعيدَ فن النحت إلى الأذهان صناعة الأوثان، ولكن في القرن السابع الهجري بدأت تظهر بعض التحف الخزفية على شكل التماثيل.

وكان أهم مراكز الخزف في جميع العصور بإيران، مدينة " قاشان" إلا انه في العصر المغولي حدث تطور في العناصر الزخرفية حيث مالت إلى البساطة مع استعارة تعبيرات زخرفية من الفن الصيني الذي أدخله المغول كوحدات الحيوانات الخرافية مثل التنين والعنقاء، وقد أنتجت قاشان البلاطات ذات البريق المعدني التي استخدمت في كسوة المنازل والمساجد والأضرحة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ولقد صنعت هذه البلاطات على مختلف الأشكال والأحجام، فنجد منها الشكل النجمي والشكل الصليبي بزخارف آدمية أو حيوانية أو نباتية أو طيرية.

أمَّا صناعة النسيج فقد كانت متقدمة تقدمًا كبيرًا إذ اقبل الإيرانيون على زخرفة أجود انواع المنسوجاتِ الحريريةِ والديباجِ بالعناصر النباتية التي ظهرت في أنسجة العصر الإسلامي في العراق، كما انتشرت صناعة المنسوجات الحريرية والمقصبة، وكان أسلوب زخارفها مستمدًا من عناصر الفن الصيني، كذلك أنتج الديباج المقصب بالذهب والفضة، وظهرت الملابس المزخرفة برسوم من وحدات البط الصيني.

وقد تَمَيَّزَتْ المنسوجات الصفوية بصفةٍ خاصةٍ بزخارف لم تعرف من قبل في إيران، إذ استخدم الفنانون زخارف الزهور والفروع النباتية والمراوح النخيلية بالإضافة إلى الزخارف الحية، ومن أبدع ما أنتجه النساجون في ذلك العهد هو المخمل، ومن أروع نماذجه قطعة جميلة زخرفت بوحدات آدمية في حديقة بها طيور على أرضية مذهبة مودعة بمتحف مدينة كارلزرو بألمانيا، ومن المنسوجات المصورة قطعة حرير تظهر بها زخارف من قصة ليلى والمجنون، وهي الآن بمتحف الفنون بمدينة بوسطن بأمريكا.

وقد سمعنا عن شهرة المنسوجات الإيرانية منذ عصر هيرودوت فقد كان أهل روما يدفعون فيها الأثمان الباهظة، ثم أقبل البيزنطيون على تقليدها، وخاصةً المنسوجات الحريرية المزركشة المصنوعة في العصر الساساني ذات الرسوم الحيوانية المتقابلة أو المتدابرة حول محور يمثل شجرة يرمز بها إلى شجرة الحياة التي تعرف عندهم باسم (هوما)، والمعروف أن الصينيين كانوا يعجبون بهذه المنسوجات الحريرية التي كانت يقدمها حكام الولايات الصينية الواقعة بين الصين وإيران جزية إلى ملوك الصين.

واتساع رقعة الدولة الإسلامية وتوحيدها كلها تحت إمرة الخليفة الأموي في دمشق، ثم الخليفة العباسي في بغداد أفاد إيران، فقد نتج عن ذلك نشاط التجارة واتساع صادراتها من المنسوجات الحريرية إلى سائر الأقطار الإسلامية.

المدن الإيرانية في العصور الوسطى

وقد كتب الجغرافيون والمؤرخون المسلمون في العصور الوسطى عن المدن الإيرانية، وما كانت تنتجه من التحف ولا سيما المنسوجات فأطنبوا في الحديث عن ازدهار صناعة النسيج في كثيرٍ من الأقاليمِ الإيرانيةِ ولا سيما (تستر) التي ذكرها الأصطخري وقال: إنها كانت مركزًا عظيمًا لإنتاج الديباج الذي كان يُصدَّر إلى شتى بقاع الدنيا، كما ذكر المقريزي في كتابه الخطط أن خزائن الفرش والأمتعة بقصور الفاطميين كانت تضم بين كنوزها ستارة ثمينة من الحرير الأزرق المنسوج في مدينة (تستر) بخيوط من الذهب والحرير، كان الخليفة الفاطمي المعز لدين الله قد أمر بعملها سنة ٢٥٣هــ وفيها صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومسالكها.

كذلك ذكر المسعودي وياقوت أن (شاهبور الثاني) أحد أكاسرة الدولة الساسانية في القرن الرابع الميلادي كان قد غزا بلاد الجزيرة وأمدَّ ديار بكر وغير ذلك من المدن التي كانت تابعة للروم في ذلك الوقت، ونقل كثيرًا من نساجيها إلى إقليم خوزستان في إيران، فتزاوجوا وازدهرت صناعة النسيج في هذا الإقليم منذ ذلك التاريخ.

وإذا صح ما ذكره الرحالة الذين زاروا إيران في العصر الصفوي (من القرن العاشر إلى الثاني عشر من الهجرة) فقد كان هذا العصر أعظم العصور الذهبية في صناعة المنسوجات الإيرانية فقد كان الملوك والأمراء وعلية القوم يرفلون في الحلل المصنوعة من الديباج وغيره من الأقمشة الثمينة المحلاة بخيوط الذهب والفضة.

ويكفي للتدليل على شهرة إيران في هذا الميدان أن نذكر بعض المدن والألفاظ الفارسية التي دخلت العربية وأصبحت علمًا على أنواع من المنسوجات فكلمة قماش مثال معناها (عمل مدينة قم) وكلمة ديباج تتكون من كلمتين فارسيتين (ديو بمعنى الجن وبانج بمعنى عمل) أي أن النسيج لدقته لا يمكن أن يعمله غير الجن.

أما فن السجاد فقد اشتهرت فارس من قديم بالإبداع فيه مع جودة صنعه، والدقة البالغة في تصميمه وتلوينه ونسجه، ولا يستطيع الناظر في آثارهم على مر العصور إلا أن يملكه الإعجاب به، والتقدير لسمو الفن فيه.

ولا ريب أن إيران كانت أكبر مركز لصناعة السجاد في الشرق كله، وأن المراكز الأخرى في الهند وتركيا وغيرهما من أقاليم الشرق الأوسط قد تأثرت بأساليبها الفنية كل التأثير، ولعل خير ما نستشهد به في هذا ما ذكره الرحالة الإنجليزي ريتشارد هكلوت صاحب كتاب (الرحلات) مخاطبًا الرحالة والتجار من أهل بلده قال: وفي فارس ستجد سجادًا من الصوف الخشن ذو وبرةٍ مرسلةٍ فهذا أجود بسط الدنيا، وألوانه أجمل الألوان، فإلى هذه البلدان والمدائن فتوجه، وفيها فاعمل الحيلة لتتعلم من أهلها كيف تصبغ الخيوط فهي مصبوغة بطريقة خاصة بحيث لا يؤثر في لونها مطر أو خل أو خمر، فإذا أنت بلغت منهم علم ذلك، واكتهنت كنه هذا السر العجيب امكنك ان تستعمله في صبغ القماش، فالصبغة التي تثبت في الخيوط الخشنة تكون اكثر ثبوتًا في الخيوط المنسوجة، و اسأَلْ عن مواد الصباغة وحوائج الصبغ وتعرف اثمانها، وإذا استطعت أن تعود برجل واحد يحسن صناعة السجاد الإيراني فقد غنمت الخير الكثير لأمتك والكسب الوفير لشركتك.

وصفوة القول إن السجاد كان من الميادين الهامة التي أبرزت براعة الإيرانيين في اختيار الألوان والرسوم والزخارف فقد بلغ ما استخدموه من الألوان في بعض الأحيان في السجادة الواحدة زهاء عشرين لونا، كما جمعت السجادة جميع أنواع العناصر الزخرفية في العصر الإسلامي من رسوم آدمية وحيوانية ونباتية وهندسية حتى العناصر الكتابية كانت تُحصر في بحور، ومع ذلك فقد أصاب الفنان الإيراني أبعد حدود التوفيق في ترتيبها بحيث تكون السجادة وحدة متماسكة في زخارفها وألوانها.

كذلك ازدهر في إيران فن التصوير، وقد اتفق علماء الآثار على تقسيم التصوير الإيراني إلى مدارس تبعا للتقسيم السياسي وهي المدرسة السلجوقية التي قامت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر والقرن الرابع عشر، وقامت المدرسة التيمورية ولاسيما في مدينة هِراة في القرن الخامس عشر، أما المدرسة الصفوية التي ازدهرت في عهد الدولة الصفوية مدة ثلاثة قرون من القرن السادس وحتى القرن الثامن عشر، فتعتبر نهاية تطور التصوير الإيراني.

وقد امتازت المدرسة السلجوقية بأن رسومها عربية أكثر منها إيرانية، فرسوم الأشخاص فيها مسحةٌ ساميةٌ ظاهرة الأسلوب التي تتميز بالبساطة والهدوء مع قوة التعبير، كما تمتاز صور المدرسة السلجوقية بألوانها الزاهية والملابس المزركشة، كما يلاحظ أن الصور في العصر السلجوقي ترسم على صفحة المخطوط مباشرة في معظم الأحيان، بينما أصبح من التقاليد المرعية في المدارس التالية أن ترسم الصورة على حدة ثم تلصق في الفراغ المعد لها بين صفحات الكتاب.

ولما كان العصر المغولي قصيرًا ومملوءًا بالحروب لذلك فلم تكن الصور من صفاتها الرقة والأناقة التي ستقابلها في الصور التيمورية والصفوية، وامتازت المدرسة المغولية بظهور الأساليب الفنية الصينية التي تظهر واضحة في سجن الأشخاص وفي الرسوم النباتية القريبة من الطبيعة إلى حد كبير، وفضلا عن ذلك فقد استخدم الإيرانيون بعض العناصر الزخرفية من فنون الشرق الأقصى مثل السحاب الصيني (تشي) ورسوم الحيوانات الخرافية كالتنين وما إليه.

ولم تضعف العلاقات بين إيران والشرق الأقصى في عصر الدولة التيمورية، بل كان هناك وُدٌّ وصداقةٌ بين الأسرة التيمورية، وأسرة منج التي حكمت من القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر، وتمتاز المدرسة التيمورية بظهور بعض المصورين من ذوي المواهب الخاصة، وبالميل إلى دقة تصوير التفاصيل في الرسم، وبغنى الألوان وتناسقها وكثرة استعمال اللون الذهبي وتغطية الأرضية برسوم العناصر النباتية المتعددة.

وقد ذاع في العصر التيموري شهرة المصور الإيراني بهزاد حتى أن معاصريه قرنوه (بماني) الذي يضرب به المثل عند الإيرانيين في إتقان التصوير، وقد نعم بهزاد برعاية السلطان التيموري حسين بيفرا ووزيره مير علي شير، وظل يعمل في هِراة حتى سقطت في يد مؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الصفوي فانتقل معه إلى تبريز حيث زاد نجمه تألقًا، حتى أن الشاه منحه براءة تعينه مديرًا لمكتبته الملكية ومجمع فنون الكتاب.

وقامت المدرسة الصفوية على أكتاف بهزاد وتلاميذه وأعوانه كما اشتهر كثير من المصورين أمثال سلطان محمد، وشنج زاده وخواجة عبد الصمد وأقاميرك ومظهر علي ومير سيد علي وغيرهم كثير، وتمثل صور هذا العصر فتيانًا وفتيات في قدود هيفاء وسحن قمرية ومواقف متكلفة ويصعب في كثير من الأحيان التفريق بين الفتى والفتاة، غير أن صور هذه المدرسة امتازت بدقتها في التعبير، وفي إظهار أدق تفاصيل طيات الملابس والعمائم الضخمة والأحزمة الكبيرة المتعددة، وهكذا كان حال تأثير الفنون الإسلامية في المنطقة الفارسية أو المدرسة الفارسية.

الخلاصة

شهد الفن الإسلامي في إيران تطورًا تدريجيًّا ومتنوعًا، تأثر فيه بالعوامل السياسية والدينية والثقافية التي مرت بها البلاد، فمن الدولة الإلخانية إلى التيمورية والصفوية، كان لكل منها بصمتها الخاصة التي أسهمت في تشكيل هوية فنية مميزة تمزج بين الإرث الفارسي العريق والروح الإسلامية المتجددة، وقد تجلّت هذه الهوية في عمارة المساجد والأضرحة والمدارس، وفي تطور الزخارف الجدارية، وصناعة الخزف، والنسيج، والتحف المعدنية.

موضوعات ذات صلة

يمتاز الفن الهندي بتنوعه الكبير وثرائه الناتج عن تأثره بالعديد من الثقافات.

تميزت العمارة العثمانية بتصميم المساجد والمباني الفاخرة.

تميزت المدرسة المغربية في الفن الإسلامي بتأثيرات متقاطعة بين الأندلس والمغرب.

موضوعات مختارة