يمتاز الفن الهندي بتنوعه الكبير وثرائه الناتج عن تأثره بالعديد من الثقافات، ولا سيما الإسلامية، حيث ترك هذا التأثير بصمته الواضحة على صناعة المنسوجات وفن العمارة.
يمتاز الفن الهندي بتنوعه الكبير وثرائه الناتج عن تأثره بالعديد من الثقافات، ولا سيما الإسلامية، حيث ترك هذا التأثير بصمته الواضحة على صناعة المنسوجات وفن العمارة.
لم يقتصرْ أثر الحضارة الإسلامية الفنية في الهند على بناء العمائر الدينية والمنشآت المدنية فحسب بل شمل كذلك باقي الفنون التشكيلية بمختلف صورها وأشكالها، ولعل من أكثر الصناعات الهندية التي تأثرت بالفن الإسلامي هي صناعة المنسوجات.
فقد اشتهرت الهند بهذه الصناعة منذ أقدم العصور وذاع صيتها في نسج الأقمشةِ القطنيةِ والحريريةِ، حتى أصبح اسم (الحرير الهندي) غالبًا على كل المنتجات الحريرية في العالم؛ ومن ثمّ، فقد كان طبيعيًا أن تزدهر صناعة النسيج في الهند بعد الفتح الإسلامي، خاصةً بعد أن أقبل الأباطرة على تشجيع هذه الصناعة، وفرضوا عليها رقابةً حكوميةً، على نحو ما عُرف في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وهي رقابة مصانع (الطراز).
وقد ازدهر في الهند في العصر الإسلامي منسوجات الديباج والدمقس ونسيج (الإيكات) ولاسيما في لاهور، وبنارس، وأحمد آباد، وأورنجياد، وكان نسيج الديباج وكذا المنسوجات المطرزة غنية بما تحتويه من الخيوط الذهبية والفضية، وما تشتمل عليه من الجواهر واللآلئ.
أمّا عن الموضوعات الزخرفية التي تزيّن تلك المنسوجات، فقد كانت في جملتها تتسم بالطابع الإسلامي، إذ اقتصرت عناصرها الزخرفية على الرسوم النباتية، والهندسية، والكتابية، وكثيرًا ما نجد هذه العناصر محصورة في أشرطة عرضية، والتي تُعَدّ من أبرز مميزات النسيج الإسلامي.
وتمتاز العناصر النباتية في النسيج الهندي بأنها رُسمت قريبة إلى الطبيعةِ إلى حدٍ كبيرٍ، كما اختصوا بعناصر بعينها مثل الورقة الكبيرة المركبة التي عرفت باسم ورقة كشمير، والتي كثر رسمها على (الشيلان) الحريرية التي كانت تصدرها الهند في القرن (١٢هـ -١٨م) وعرف باسم شال كشمير، كما اشتهرت الهند في العصر الإسلامي وماتزال بالمنسوجات القطنية المطبوعة المزخرفة بالنقوش النباتية والهندسية والكتابية.
وقامت صناعة السجاد في الهند على أكتاف صُنَّاع من إيران، فقد أقبل الأباطرة منذ عهد الإمبراطور أكبر على استقدام أولئك الصناع وتشجيعهم على الاستقرار في الهند حتى يغرسوا جذور هذه الصناعة الجميلة فيها، وكان طبيعيا أن يكون إنتاج السجاد الهندي أوائل عهد الدولة الإسلامية فيها، متأثرًا إلى حدٍ كبيرٍ بالأسلوب والطراز الإيراني، ولكن الصُنَّاع الهنود استطاعوا بعد فترة من الزمان أن يتحرروا من ذلك التأثر المباشر بالسجاد الإيراني، وإن لم يفقدوا الصلة بالطابع العام، فقد أقبلوا على زخرفة السجاد بالرسوم الآدمية والحيوانية الى جانب الزخارف النباتية، كما أنهم انفردوا بالرسوم المعمارية في ركن من أركان السجادة، كما زُخرف السجاد بمناظر تصويرية من القصص.
أما المواد الخام التي صنع منها السجاد الهندي فهو الصوف والقطن، ولكن شهرة السجاد الهندي الذي صُنع في عصر شاهجهان تكمن في دقةِ وَبرَه بحيث يبدو وكأنه من الحرير، كذلك انفردت الهند بصناعة السجاد الحريري الذي امتاز بدقة نسجه وتلاصق عقده، وحسبنا أن نذكر أن إحدى هذه السجاجيد الحريرية يقال إن بها (٢٥٥٢) عقدة في البوصة المربعة.
وقد ازدهر في الهند في القرنين السابع عشر والثامن عشر أسلوب جديد في زخرفة الأخشاب وهي طريقة استعمال اللاكيه، وتعتبر هذه الطريقة أرقى ما وُصِل إليه في فن الزخرفة إذ إنها في غاية التعقيد وتحتاج إلى مهارة فنية فائقة، هذا بالإضافة إلى أنها تجمع بين فن التصوير واستعمال خامة (الجاملاكية) فتبدو التحفة في النهاية وكأنها قطعة من التصوير وليست من الخشب.
ويعتبر التصوير الإسلامي في الهند امتدادًا للتصوير الإيراني، فقد حرص أباطرة الدولة الإسلامية في الهند على إحضار كبار مصوري إيران إلى بلادهم وخاصة الإمبراطور همايون الذي اضطر إلى ترك عرشه سنة ٩٤٦هـ وظل منفيًا في إيران إلى سنة ٩٦٣هـ، عرف خلالها همايون كثيرًا من أعلام المصورين في البلاط الإيراني ولاسيما مير سيد علي، وخواجة عبدالصمد الشيرازي اللذين أصبحا من مصوري البلاط الهندي؛ فقط طلب منهما همايون بعد عودته إلى الهند أن يوضحا قصة سيدنا حمزة عم الرسول- صلى الله عليه وسلم -بأربع مائة وألف صورة كبيرة مرسومة على القماش، وقد بلغ من شدة اهتمام الإمبراطور الكبير بالتصوير الإسلامي أن أسس مجمعًا للفنون ألحق به زهاء سبعين مصورًا جلبهم من الهند.
وكان المصورون الهنود في أول الأمر يرسمون الصور لتوضيح المخطوطات الفارسية أو الهندية، كما هو الحال بالنسبة للتصوير الإسلامي عامة، أما في عهد الإمبراطور جهانجيز في القرن السابع عشر، فقد قل تصوير المخطوطات، وانصرف المصورون إلى إرضائه وتلبية رغبته في رسم الصور المستقلة ولاسيما ما كان منها خاصًا بحوادث حياته، واشتد إقبال الناس على الصور المستقلة في عصر جهانجيز، فكان المصورون يرسمون الإمبراطور في مختلف المناسبات كما يرسمون حاشيته وأفراد أسرته، ومن أشهر مصوري ذلك العصر أبو الحسن الذي منحه الإمبراطور جهانجيز لقب (نادر الزمان) كما برع مصورو الهند في تصوير الطيور والحيوانات والنباتات، وامتازت رسومهم بالبساطة وقربها من الطبيعة مع براعة فائقة في إظهار الحركة، ومن أعلام المصورين الذين برعوا في رسم الطيور والحيوانات مراد وعنايت ومانوهار أمَّا منصور فكان بارعًا في تصوير الزهور، وقد أشار إلى ذلك جهانجيز في مذكراته إذ قال: إن الزهور في منطقة كشمير لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وإن الذي رسمه منها نادر العصر الأستاذ منصور مائة نوع.
ومن أهم الآثار الباقية التي ترجع إلى عهد الإمبراطور (جهانجيز) المسجد الجامع بمدينة دلهي.
وقد امتازت العمائر الدينية في ذلك العهد بامتداد مساحتها وانفصال أجزائها بعضها عن بعضٍ حتى يكاد يفقدها شيئًا من الوحدة والتماسك، ويتكون جامع دلهي من قاعةٍ كبيرةٍ تغطيها قبةٌ ضخمةٌ حولها قبابٌ صغيرةٌ فوقَ أركانِ القاعة، كما يمتاز المسجد بمدخله الكبير الذي يبدو وكأنه بناء قائم بذاته.
كذلك يعتبر مسجد قلعة دلهي من مفاخر العمارة الإسلامية في الهند وهو من المباني التي تظهر فيها المؤثرات الهندية القديمة أكثر وضوحًا من المؤثرات الإيرانية، ويتكون الجامع من صحنٍ مكشوفٍ تتوسطه فسقية مربعة الشكل ويحيط به الأروقة من جميع الجهات، أما إيوان القبلة فمرتفع عن أرضية الصحن، إذ يصعد إليه ببضع درجات، وأروقته عمودية على حائط القبلة، والعقود مفصصة وترتكز على دعائم، ويعلو الإيوان ثلاثُ قبابٍ بصلية الشكل، كما يزخرف واجهة الإيوان من أعلاه أعمدة قصيرة تنتهي بقباب تشبه المشاعل، والمسجد كله مكسي بطبقة من الألبستر، ويرجع تاريخ هذا المسجد إلى القرن الحادي عشر الهجري - السابع عشر الميلادي.
وفي عهد الإمبراطور (شاه جيهان) ابن الإمبراطور (جهانجيز) اكتمل للفن الإسلامي في الهند مقوماته، فقد اشتهر (شاه جيهان) بأنه أحيا بلاطه بمظاهر البذخ والأبهة التي اشتهر بها بلاط الخلفاء العباسيين في بغداد والفاطميين في القاهرة، ففي حكمه شُيد (عرش الطاووس)، وهو عبارة عن عرش وراءه طاووسان قد نشرا ذيلهما المزينين بالياقوت والعقيق واللؤلؤ والزمرد وغيرها من الأحجار الكريمة، فاتخذ العرش اسمه من هذين الطاووسين.
ويحملُ المظلّةَ اثنا عشرَ عمودًا من الزُّمُرُّدِ، في أعلى كلِّ عمودٍ طاووسانِ.، وبين كل زوجين من الطير شجرة من الذهب تحمل فاكهة من اللؤلؤ والياقوت والمرجان، وقد نقل هذا العرش في القرن التاسع عشر الى إيران.
ومن آثار الهند الإسلامية وأروعها جميعًا ذلك المثوى الفخم الذي أقامه الإمبراطور (شاه جيهان) بتاج محل تخليدًا لذكرى زوجته (ممتاز محل) التي وافاها الأجل سنة١٦٣٠م، فحزن عليها حزنًا شديدًا حتى عزف عن مباهجِ الحياةِ برغم امتداد الأجل من بعدها خمسة وثلاثين عام، وقد أستغرق بناء هذا الضريح اثنين وعشرين عاما، واشتغل فيه عشرون ألفا من العمال، وبلغت تكاليفه مليونًا من الجنيهات، ويقع الضريح في حديقةٍ كبيرةٍ على نهرِ جمنة، والضريح مكسوٌ كله بكسوة من المرمر يتباين لونه مع لون العمائر المجاورة والمبنية من الحجر الرملي الأحمر.
وتبدو التأثيرات الإيرانية في واجهة الضريح، أما شكل القبلة وإمالة الأركان وهيئة الأبراج الأربعة والتفاصيل المعمارية والزخرفية داخل الضريح فتمتاز بالطابع الهندي الواضح، وقد تفنن المعمار الهندي في تنفيذ بناء هذا الضريح فجاء آية معمارية من حيث دقة النسب المعمارية، وجمال العناصر الزخرفية، وفخامة المظهر؛ مما جعل بعض مؤرخي الفن من الأوربيين يظنون أن الذي أشرف على تصميمه وبنائه مهندس أوربي، كأن التوفيق إلى مثل هذا النجاح المعماري وَقْفٌ على الأوربيين.
وقد أُلحق بضريح (تاج محل) مسجد فخم زاخر بالنقوش والرسوم سواء منها المنحوتة في المرمر أم المرسومة بالزيت أم المكسوة ببلاطات القاشاني التي تزين المحراب وما جاوره.
وقد ظلت المساجد الهندية الأولى بغير مآذن، واستمر الحال على ذلك مدة سبعة قرون، حتى إذا كان عصر سلاطين المغول في الهند، دخل الطراز والأسلوب الإيراني في الهند يدعم استعمال المآذن، وسار الهنود على سنة الإيرانيين في ترتيبها مزدوجة بحيث يكون للمسجد مئذنتان تحفان بمدخله، وامتازت المآذن الهندية بشكلها الاسطواني التي تستدق كلما ارتفعت وتزينها بشرفات وتضليعات، ومن أجمل المآذن الهندية الأثرية (قطب منار) بمسجد قوة الإسلام بمدينة دلهي، والتي بدأ بناءها أيبك قطب الدين وأتمها خليفته التتمش من سلاطين الهند في القرن السابع الهجري، ويبلغ ارتفاع المئذنة (٢٧.٥) مترًا وقطر قاعدتها (١٤) مترا، وتحتوي على خمس طبقات، الثلاث الأولى منها من الحجر الأحمر، أما الطبقتان العلويتان فمن الرخام الأبيض، وتكسوا هذه المئذنة تضليعات وعصابات من الكتابة وأشرطة من سائر الزخارف المعمارية.
ختامًا: تركت الحضارة الإسلامية أثرًا بالغ العمق في شتّى ميادين الفنون في الهند، ولم يقتصر ذلك على العمارة الدينية والمنشآت المدنية، بل امتد ليشمل مختلف الفنون التطبيقية والتشكيلية. فقد أسهم الفن الإسلامي، من خلال تفاعلٍ مميزٍ مع البيئة الثقافية الهندية، في نشوء طراز فني هندي-إسلامي فريد، امتاز بالتنوع والثراء والدقة الفنية العالية، وقد برز هذا الأثر في صناعة المنسوجات، والسجاد، وزخرفة الأخشاب، وفنون التصوير، والعمارة، حيث تمازجت التأثيرات الفارسية والهندية والعربية، لتنتج أعمالًا فنية رفيعة المستوى، ظلّت شاهدة على عظمة هذا التلاقح الحضاري حتى يومنا هذا، ويُعَدُّ ضريح تاج محل خير دليلٍ على ما بلغه الفن الإسلامي في الهند من ذروة الجمال والروعة، وهو ما دفع بعض المستشرقين إلى نسبه إلى الحضارة الغربية لفرط دقته وروعة تصميمه، في دلالة واضحة على التميّز الفني الذي بلغته الحضارة الإسلامية في تلك البقعة من العالم، وبذلك، يمكن القول إن الفنون الإسلامية في الهند لم تكن مجرّد مظاهر جمالية، بل كانت تعبيرًا عميقًا عن روح الإسلام الحضارية، التي استطاعت أن تترك بصمتها على أرضٍ غنية بثقافتها وتاريخها، وأن تُسهِم في صياغة هوية فنية آسيوية فريدة لا تزال آثارها حية إلى اليوم.
كان للفن الإسلامي أثر كبير في الفنون الهندية بعد الفتح الإسلامي، حيث ازدهرت صناعة النسيج بزخارف نباتية وهندسية إسلامية، وتأثرت صناعة السجاد بالفن الفارسي ثم تطورت إلى طراز هندي خاص، وبلغت القمة في عهد شاهجهان، وفي زخرفة الأخشاب، أبدع الهنود في استخدام "اللاكيه" الذي جمع بين التصوير والزخرفة الدقيقة، وظهرت العمارة الإسلامية بوضوح في مسجد دلهي وتاج محل، الذي يُعد مثالًا بارزًا على امتزاج الطرز الإسلامية والهندية باستخدام الرخام والمآذن والزخارف المعمارية المبهرة.
تطور الفن المصري السوري عبر أربع فترات: وتميَّزتِ العمارة بالآجر والحجر.
تميزت المدرسة المغربية في الفن الإسلامي بتأثيرات متقاطعة بين الأندلس والمغرب.
تميزت العمارة العثمانية بتصميم المساجد والمباني الفاخرة، ويُعد جامع السلطان أحمد في إسطنبول أبرز نموذج على ذلك.