Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

بناء الشخصية الحضارية

الكاتب

أ. د. محمد الدسوقي

بناء الشخصية الحضارية

الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية، وتتسم بالعدل والمساواة واحترام التنوع الثقافي، تُعزز هذه الشخصية من خلال طلب العلم وتوظيف التكنولوجيا لخدمة المجتمع، مع التركيز على القيم الإسلامية والتربية الأخلاقية.

صفات الشخصية الحضارية

يراد بالشخصية في علم النفس الحديث جميع الصفات الجسمانية والوجدانية والعقلية والخلقية في حالة تفاعلها بعضها مع بعض وتكاملها في شخص معين يعيش في بيئة اجتماعية معينة.  

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن السنة النبوية بيان للقران الكريم لقول الله تعالى{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٥] وما دام القرآن الكريم كتاب هداية شاملة، وتشريعات محكمة للناس قاطبة فإن السنة النبوية في بيانها لما يحتاج من آيات الكتاب العزيز إلى تفسير أو تأويل ليس مقصورًا على ما يتعلق بأيات الأحكام التي حصرها الإمام الغزالي في كتبه الأصولية في نحو خمسمائة آية، وإنما ينسحب هذا البيان على كل ما اشتمل عليه الذكر الحكيم، وبخاصة ما يتعلق من آياته بالكون وما أودع الله فيه من نعم لا تحصى ولا تعد، لكي يعيش البشر في حياتهم الدنيا حياة طيبة ما داموا آخذين بالمنهج الإلهي بالانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله.

ومادام القرآن الكريم رسالة الله الخاتمة للناس كافة، فإنه يكون صالحًا للتطبيق الدائم، ويكون لكل ما يجد في الحياة من نوازل حكم فيه، كما يكون بتشريعاته وآدابه دستورًا يكفل للإنسان حياة متجددة نامية لا تعرف الجمود والتقليد، وإنما تعرف التطوير والتقدم الحضاري، وما دامت السنة بيانًا للقرآن فإنها لا تخرج - فيما قررته من أحكام وتوجيهات - عن النص القرآني، ومن ثم كان لها دورها الفاعل في تكوين الشخصية الحضارية.

ويجدر قبل الحديث في إجمال عن أثر السنة في بناء الشخصية الحضارية التعرف على مدلول كلمة حضارة، فقد اختلفت الآراء في تحديد هذا المفهوم، ومرد ذلك إلى التفاوت بين الثقافات، ومع هذا يمكن القول بأن الحضارة تعني لدى المهتمين بتحقيق القول في عناصرها بأنها تجسيد للنشاط العقلي عند الإنسان، او أنها مظاهر الرقي العقلي والعلمي والفني والأدبي والاجتماعي في أمة من الأمم، ولكن تجسيد هذا النشاط العقلي أو مظاهر الرقي في شتى صوره  وألوانه ليس هو الحضارة ذاتها، إنما هو أثر من آثارها، وانعكاس للقيم والمثل التي تُؤسَّس عليها وتدعو إليها، ولهذا ينبغي عند الحديث عن حضارة ما التعرف على أصولها ومبادئها قبل الحديث عن مظاهرها المادية المختلفة، فلا قيمة لأية حضارة إذا لم تكن لها عقائدها وقيمها التي تحفظ على الإنسان كرامته وحريته.

والحضارة الإسلامية تنفرد دون سواها من الحضارات التي عرفها الإنسان قديمًا وحديثًا بأن مصدرها الوحي الإلهي والإيمان الراسخ بوحدانية الله ومسئولية الإنسان عن كل أعماله، ولذا يسعى في الأرض تسدد خطاه وتقوده عقيدته وإيمانه، وهو في كل ما يأتي ويذر من الأقوال والأفعال يراقب ربه، ويؤمن بأنه محاسب على كل صغيرة وكبيرة فقد قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: ٤٦].

خصائص المسلم صانع الحضارة

ولأن الإنسان هو صانع الحضارة، فإنه طوعًا للأساس العقائدي للحضارة الإسلامية يتمتع بجملة من الخصائص تحدثت عنها السنة النبوية، وهي في مجموعها تعبر عن القيم الإنسانية لهذه الحضارة:

وأول تلك الخصائص: الإيمان بعالمية الحضارة الإسلامية، لأن العقيدة التي انبثقت عنها هذه الحضارة عالمية، جاءت للبشرية كلها على تباين لغاتها والوانها وعاداتها، ولهذا خاطبت في الإنسان فطرة الله التي فطر الناس عليها.

ومن الأحاديث التي تبين في جلاء أن الإسلام الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم دعوة عالمية ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّينَ».

وإذا كان الإسلام دعوة عالمية، لأنه دين الفطرة فإنه لا يمكن فرضه عنوة دون الاقتناع به، فالعقيدة لا تحيا في دنيا الناس بالإكراه والعنف وإنما تحيا بالاقتناع الصادق القائم ملء الوجدان والبرهان، ولا يتسنى لأية قوة في الأرض أن تُلزم إنسانًا بعقيدة يأباها قلبه وينفر منها عقله، ولهذا كانت الدعوة إلى الإسلام تبليغًا لا يعرف الإلزام، ومن ثم كانت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتجاوز أمرين هما: البلاغ والتبيين.

ولإيمان الشخصية المسلمة بعالمية دينها وسماحته، وأنه لا إكراه في الدعوة إليه فإنها تؤمن إيمانًا راسخًا بأن هذا الدين دين وئام وسلام ومحبة ومساواة بين البشر، وأنه لا يقيم لدعاوى العنصرية أو الطائفية وزنًا يجعل مناط التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ١٣].

إن هذه الآية الكريمة تقرر حقيقة خالدة، وهي وحدة البشرية من حيث نشأتها وغايتها ومصيرها، وهي وحدة تؤكد المساواة المطلقة بين الجميع في الحقوق والواجبات، وتنفي كل دعوى للتفاضل لا تقوم على الأساس الإلهي، كما تُبين الآية أن الله جعل الناس شعوبًا وقبائل للتعارف والتآلف لا للصراع والخصام.

ويقتضي الإيمان بعالمية الإسلام وحرية العقيدة، والمساواة بين البشر إقامة العدل الكامل بين الناس، وكفالة الحقوق للجميع، لأن الإسلام يحترم الإنسان لذاته دون نظر إلى دينه أو جنسيته أولونه، ولهذا عاش غير المسلمين في المجتمع الإسلامي حياة كريمة كالمسلمين، فهم جزء من الدولة الإسلامية، وإن لم يكونوا جزءًا من الأمة الإسلامية.

رعاية غير المسلمين

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: في رعاية غير المسلمين كثيرة، ويكفي أن من هذه الأحاديث ما يدل على أن إيذاء من ليس مسلمًا هو إيذاء للرسول نفسه، وأنه عليه الصلاة والسلام وصَّى بالجار مطلقًا توصية تكاد تصل إلى جعل الجار عضوًا في عائلة جاره.

وأن غير المسلمين يتمتعون بالحرية الدينية وإقامة أعيادهم وفقًا لتقاليدهم، كما يتمتعون بحرمة أنفسهم ومساواتهم بالمسلمين في تطبيق القانون الجنائي الإسلامي، وكذلك القانون المدني، كما يتساوون بالمسلمين في حق العمل وتولي الوظائف، والوقائع التاريخية أشهر من أن تذكر.

أما الخصيصة الثانية: للشخصية الحضارية فتتمثل في تقدير العقل واحترامه والانفتاح على كل الثقافات، والأخذ بالمنهج العلمي في كل الممارسات والأفعال، وهذا المنهج هو المعبر عن روح الحضارة لأمة من الأمم، ولأنه حيث توجد حضارة يوجد منهج، ولا غرو في هذا لأن الإسلام دين التفكير والنظر ودين العلم والمعرفة، وأنه لا يُسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فأول آية نزلت من كتاب الله وهي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١] تعد مفتاح العلم أيًا كان نوعه، والقرآن الكريم ومجاميع السنة النبوية الصحيحة ليس فيها آية واحدة أو حديث واحد يقف في طريق العقل وتقدمه، بل على العكس تدعو الآيات القرآنية الكثيرة، وكذلك الأحاديث النبوية إلى النظر في الأنفس، وفي خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وسوى ذلك مما أبدع الله في الكون الفسيح.

وإلى جانب الآيات والأحاديث التي تأمر بالتفكير، بل تجعله فريضة، وتحض على التدبر والتعقل هناك أيات وأحاديث تنهي عن التقليد، وتحذر من اتباع الظن والقول دون علم، وتبين أن الذين ألغوا عقولهم واتبعوا غيرهم دون برهان كالأنعام أو أضل سبيلًا، وهذا يقطع بأن الإسلام دين العلم بمعناه الشامل، العلم الذي يكفل للإنسان حياة كريمة تخلق بمكانته في الكون ورسالته في الحياة.

وإذا كانت الحضارة في منجزاتها المادية تقوم على العلم فإن السنة النبوية في بنائها للشخصية الحضارية قد تحدثت عن العلم حديثًا وقديمًا، فقد أشادت به وبفضله، وحضت على طلبه والاستمرار في هذا الطلب وبيان الغاية منه، وحذرت من كتمانه أو البخل به، ورسمت المنهج الدقيق لتحصيله، ومن يُراجع أمهات كتب السنة وبخاصة ما اهتم منها بالتصنيف طوعًا للأبواب والموضوعات فإنه يُلاحِظ أنها جميعها لا تخلو من كتاب عن العلم، بل إن الإمام البخاري أورد هذا الكتاب في صحيحه بعد كتاب الإيمان، وهذا الكتاب هو الأول في ترتيب الكتب، وجاء ترتيب كتاب العلم الثاني، وقدمه هذا الإمام على سائر الكتب التي اشتمل عليها كتابه الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، وإن اشتهر الكتاب باسم صحيح البخاري، وفي هذا التقديم إشارة إلى منزلة العلم، وأنه مُقَدم على العمل، ولا يسمح المجال باستقراء كل السنن التي تحدثت عن العلم ولهذا أجتزئ طرفًا منها مما يعطي تصورًا عامًا عن موقف السنة النبوية من العلم.

الحث على طلب العلم لقد حثت السنة على طلب العلم الذي ينفع الإنسان في عاجلته وآجلته، وبينت أن هذا الطلب فريضة، وهذه الفريضة قد تكون عينية وقد تكون كفائية، والأولى تتعلق بما يجب على الإنسان أن يكون على دراية به وينفعه في دينه ودنياه، روى الإمام ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طلَبُ العِلمِ فَريضةٌ على كلِّ مُسلمٍ»، وكل مسلم في هذا الحديث يشمل الرجال والنساء.

إن فرضًا على كل مسلم أن يكون على بينة بأصول عقيدته وعبادته وآداب دينه، ليعرف حدود الله ولا يخرج عليها.

كذلك فُرض عليه أن يكون لديه -على الأقل- حد أدنى من الثقافة العامة، وذلك بمعرفة القراءة والكتابة، فالأمية لا تليق بالمسلم الذي يؤمن بكتاب جاءت أول أية نزلت منه تأمر بالقراءة والكتابة، فالتقصير في هذه المعرفة يعد تضييعًا لفريضة شرعية كما يعد تقصيرًا في الجهاد الحضاري على كل المستويات العلمية والسلوكية.

من وسائل الحض على طلب العلم

وأما الفروض الكفائية فتتجلى في وجوب أن يكون في الأمة علماء من أهل الذكر في كل التخصصات، حتى تكون الأمة جديرة بالخيرية والشهادة على غيرها من الأمم، لأنها تُعطي للبشرية كل ما تحتاج إليه في شتى مجالات الحياة.

ومن وسائل الحض على طلب العلم الحديث عن تكريم الله لطلابه، فهم في جهاد حتى أن من جاءه أجله منهم وهو يطلب العلم لقى الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة، والعلماء يستغفر لهم كل من في السماوات والأرض، وفضلهم عند الله عظيم، روى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ في سبيل الله حتى يرجع».

وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حتّى الحيتانِ في الماءِ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ».

ومن الوسائل كذلك بيان أن من فقه في الدين فإنه يحظى بخيري الدنيا والآخرة، والمسلم الكيس يحرص على هذا الخير، لأن هذا الفقه هو السبيل الرحب لتقوى الله، وعمارة الأرض بالحق والعدل، وإقامة التكافل والتعاون بين الناس جميعًا، فقد أخرج الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسِمٌ واللَّهُ يُعْطِي، ولَنْ تَزالَ هذِه الأُمَّةُ قائِمَةً على أمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خالَفَهُمْ، حتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ».

وقد يفهم البعض بأن المراد بالتفقه في الدين في هذا الحديث خاص بأحكام العبادات والمعاملات، ولكن دلالة الكلمة "التفقه" اللغوية تعم كل علم من الدين والدنيا، فالحديث يأمر بطلب كل العلوم النافعة دون نظر إلى مصدرها.

ومن الأحاديث في هذا ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمنِ، فحيثُ وجدها فهو أَحَقُّ بها».

فمعنى كلمة الحكمة: أي الحكمة المفيدة، والحكمة التي أُحكِمت مبانيها بالعلم والعقل، ومعنى ضالة المؤمن، أي مطلوبه، فلايزال يطلبها كما يطلب الرجل ضالته.

وفي هذا الحديث إعلان بأن العلم لا عنصرية ولا عصبية فيه، ولهذا يحرص المعلم على طلب العلم النافع مهما يكن مصدره.

وأخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وابن حبان في صحيحه: عن زيد بن ثابت، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتُحسِنُ السِّرْيانيَّة؟» قُلتُ: لا. قال: «فتَعلَّمْها» فتَعلَّمتُها في سَبعةَ عَشَرَ يَومًا؟ ".

فَتَعلُّم غير العربية ضرورة دينية حتى يعرف المسلم ما صدر عن غيره مما هو في حاجة إليه، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من زيد ما طلب، لأنه كانت كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به.

إن الشخصية الحضارية في منظور السنة النبوية لا تعرف الانغلاق الفكري، وإنما تعرف الانفتاح على كل الثقافات والعلوم، ولذا لا تقنع بما في محيطها من علم وثقافة، وانما ترتاد كل منابع الفكر مهما تباعدت أو اختلفت عقائد القائمين عليها، وهي إلى هذا الحرص البالغ على طلب العلم وأخذه دون نظر إلى مصدره تتمتع بحصانة تحول بينها وبين أن تذوب في سواها، لأنها فيما تلم به من ثقافات تحيله إلى صبغة جديدة، فيصبح وكأنه فكرٌ إسلاميٌ خالص، فهذه الشخصية كالنحلة التي تجمع الرحيق من شتى الأزاهير، ثم تخرجه بعد ذلك شهدًا ذا مذاق خاص ونفع خاص.

وتأكيدًا لاستقلال الشخصية الحضارية روى الإمام الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النّاسُ أحسنّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا».

ويدل هذا الحديث بوضوح على الشخصية الحضارية في الإسلام لها استقلالها بالرأي والفهم والسلوك في الحياة، وبهذا يكون لها في صنع الحضارة الإنسانية جهد فاعل، وأثر بالغ، ودور متميز، كما يدل بمفهوم المخالفة على ذم المنافق والمخادع والمقلد لغيره، فهؤلاء إيمانهم ناقص وليس لهم في الإسهام الحضاري نصيب.

وإذا كانت الآية القرآنية قد قصرت خشية الله على العلماء {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] لأن هؤلاء بوقوفهم على بعض سنن الله في الكون يترسخ إيمانهم وخشيتهم من بارئهم، فإن السنة النبوية وجهت الشخصية الحضارية إلى الغاية من طلب العلم، حتى يظل هاويًا للإيمان، ونافعًا للناس، وليس ذريعة للبغي والاستعلاء ونهب  ثروات الشعوب وكرامتها، أو ابتغاء أغراض دنيوية، فقد أخرج أبو داود عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلَّم عِلمًا ممّا يُبتغى به وجهُ اللهِ تعالى لا يَتَعَلَّمُهُ إلّا لِيُصيبَ به غَرَضًا مِنَ الدُّنْيا؛ لم يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يومَ القيامَةِ».

إن الذين اوتوا العلم هم الذين يفرقون بين الحق والباطل والنور والظلام، وهم قادة التقدم والحضارة، فما نهضت أمة من الأمم بغير العلم، وما كان العلم في السنة النبوية إلا التزامًا بما شرع الله واتباعًا لصراطه المستقيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: ٦] وأخرج النسائي عن أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ لا يقبلُ من العملِ إلّا ما كان له خالصًا وابتُغِي به وجهَه».

ولكي يؤدي العلم رسالته ينبغي مراعاة المنهج العلمي في تحصيله، فيؤخذ عن أهله، وأن يراعى في هذا التحصيل مستويات العقول، مع التدرج طوعًا للمراحل العمرية، فقد أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنْتَ بمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»، فهذا الحديث منهج تربوي تثقيفي سبقت به السنة النبوية كل مناهج التربويين، وهذا المنهج يحض على أن يقدم العلم على قدر طاقة العقول، فإن زيد على العقل فوق ما يتحمله استحال الحال من الصلاح إلى الفساد.

الخلاصة

الحضارة الإسلامية تتميز عن غيرها من الحضارات التي عرفها الإنسان قديمًا وحديثًا بأنها تستمد جذورها من الوحي الإلهي والإيمان العميق بوحدانية الله والمسؤولية الفردية للإنسان عن أفعال، والشخصية الحضارية بدورها تمثل مجموعة من السمات الجسدية والعاطفية والعقلية والأخلاقية التي تتفاعل وتتكامل فيما بينها، ولأن الإنسان هو جوهر الحضارة ومن يصنعها، فإن لديه مجموعة من الخصائص التي تجعله قادرًا على تفعيل هذه الحضارة، من بينها الإيمان بعالمية الإسلام، حرية المعتقد، المساواة بين البشر، تحقيق العدالة التامة، ضمان الحقوق للجميع، تقدير العقل واحترامه، الانفتاح على الثقافات الأخرى، والاعتماد على المنهج العلمي في كافة الممارسات والسلوكيات.

موضوعات ذات صلة

مثّلت الأسواق في الحضارة الإسلامية عنصرًا محوريًّا في تخطيط المدن.

الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل.

في التاسع من أغسطس من كل عام، يحتفي العالم بيوم محبي الكتب، لا بوصفه مجرد احتفال بالورق والحبر.

موضوعات مختارة