بدأ طب الفم والأسنان عند العرب في عصر الحضارة
الإسلامية - كما بدأت فروع الطب الأخرى، بل وفروع العلوم
التجريبية كلها عندهم - من تراث ضئيل وصل إليهم نتيجة
انفتاحهم على دول كثيرة ذات حضارات موروثة، وبالرغم من أن طب الفم والأسنان كان
يحظى من جانب القدماء بمزيد من الاهتمام؛ إلا أنَّه لم يصل إلى مرحلة متقدمة من
التطور إلا في عصر الازدهار العلمي للحضارة الإسلامية بدءًا من القرن التاسع
الميلادي.
وقد برز أبو القاسم الزهراوي في العلاج الجراحي لأمراض الفم، فهو يتحدث عن قطع اللحم الزائد في اللثة فيقول: كثيرًا
ما ينبت على اللثة لحم زائد، فينبغي أن تعلقه بصنارة، أو تمسكه بمنقاش، وتقطعه عند
أصله، وتترك المادة تسيل والدم، ثم تضع على الموضع زاجًا مسحوقًا أو الذروات
القابضة المجففة، فإن عاد بعد ذلك اللحم، وكثيرًا ما يعود، فاقطع باقيه واكوه،
فإنه لا يعد بعد الكي إن شاء الله تعالى.
وتكلم الزهراوي في موضوع اخر من كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" عن الأورام
تحت اللسان، فقال: قد يحدث تحت اللسان ورم شبيه بالضفادع الصغيرة تمنع اللسان عن
فعله الطبيعي وربما عظم حتى يملأ الفم، والعمل فيه أن يفتح العليل فمه بإزاء الشمس
وتنظر من الورم، فإن رأيته كمد اللون وأسود صلبًا ولم يجد له العليل حسًا فلا تعرض
له فإنه سرطان، وإن كان مائلًا إلى البياض فهو رطوبة، فألق فيه الصنارة وشقه بمبضع لطيف من كل جهة، فإن غلبك الدم حين عملك، فضع عليه زاجًا مسحوقًا حتى
ينقطع الدم، ثم عد إلى عملك حتى تخرجه بكامله، ثم يتمضمض بالخل والملح، ثم تعالجه
بسائر العلاج الموافق لذلك حتى يبرأ إن شاء الله تعالى.
وقدم الزهراوي وصفًا تفصيليًا لعلاج أمراض أخرى تعرض في الفم، مثل تحرير اللسان المعقود وكيف يقطع الشكال الرابط له تحته حتى يعود طبيعيًا، ويصف ما يتبع ذلك من
دواء.
ومثل إخراج العقد التي تعرض في الشفتين على هيئة أورام صغار يشبه بعضها حَبَّ
الكرستة وبعضها أصغر ويصف ذلك بأن تقلب الشفة وتشق على كل عقدة وتعلقها بالصنارة
وتقطعها من كل جهة، ثم تحشو الموضع بعد القطع بزاج مسحوق حتى ينقطع الدم، ثم
يتمضمض بالخل، وتعالج الموضع بما فيه قبض إلى أن يبرأ الجرح إن شاء الله تعالى، ومثل جبر الفك الأسفل إذا انكسر، وخلع الأسنان، وغير ذلك، ويصف لكل عملية الآلات الجراحية اللازمة لها، ويصورها صورًا واضحة ومفصلة بما يقربها للدارسين أو القارتين
ضاربا بذلك المثل في السبق إلى استخدام الأشكال والرسوم التوضيحية على نحو ما نجد
في كتب الطب الحديثة.
وعرض الزهراوي لأول مرة في تاريخ الطب الوصف الألم المتنقل وخطره، مما يضعه
على مستوى متقدم بين علماء الطب حتى العصر الحاضر، فهو يقول: إنه ينبغي أن تعالج
الضرس من وجعه بكل حيلة.. وكثيرا ما يخدع العليل المرض، ويظن أنه في الضرس الصحيح
فيقلعها ثم لا يذهب الوجع حتى يقلع الضرس المريض.