ا- قد يعتقد بعض الفقراء أن الفقر الواقع عليهم هو قضاء وقدر من الله سبحانه وتعالى.
هذا الاعتقاد إن وُجِد فإنه يؤدي بالفقير ألا يحاول علاج الفقر الواقع عليه،
وهذه القضية فطن إليها أحد المفكرين المسلمين منذ ستة قرون سبقت هو أحمد
بن علي
الدلجي وناقشها في كتابه الفلاكة والمفلوكون (الفقر والفقراء).
الآراء، التي عرضها الدلجي تمثل تصورًا للفهم الصحيح للقضاء والقدر بشأن الفقر، لذلك نعرض هذه الآراء.
ب- خصص الدلجي الفصل الثاني من كتابه للموضوع الآتي: خلق الأعمال وما يتعلق به.
وقد كتب في بيان السبب في بحث هذا الموضوع ما يلي: "الغرض من هذا الفصل إقامة الحجة على المفلوكين وقطع معاذيرهم وإلجامهم عن التعلق بالقضاء والقدر، وأنه متى نُعِيَت
عليهم فلاكتهم أو نُودي
عليهم بها كان ذلك لأنهم فاعلوها استقلالًا
أو مشاركة..."
الفصل الأول في كتاب الدلجي
عن تحقيق معنى مفلوك، أي:
تعريف الفقير، بعد هذا التعريف يدخل
مباشرة في الفصل الثاني في مناقشة قضية
القضاء والقدر وتعلق الفقراء -الباطل- بها.
يدل هذا على أن الدلجي يعتبر مناقشة هذه
القضية الواجب الأول في موضوع دراسة
الفقر والفقراء، بعبارة أخرى: إن دراسة
الفقر تبدأ بهذا الموضوع وهو إبطال تعلق
الفقراء بالقضاء والقدر، وبالتالي إبطال
استسلامهم للحالة التي هم عليها من الفقر، وإبطال
تعلقهم بأن ذلك خارج عن إرادتهم.
ج- لإبطال تعلق الفقير بالقضاء والقدر ولإثبات مسئوليته عن فقره عرض الدلجي الأدلة التالية:
-الفقير فاعل فقره إما استقلالًا أو مشاركة.
-يتفق العلماء على أن القضاء والقدر لا يحتج به.
-حركة العبد للسعي تجامع التعلق بالأسباب ولا تنافيها.
-الاكتساب لإحياء النفس ولغير ذلك واجب.
-الرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لما أهمل بعيره وقال توكلت على الله: «اعقِلها وتوَكَّلْ على الله».
-ليس من شرط التوكل ترك الأسباب، فإن ذلك حرام في الشرع ولا يتقرب إلى الله بمحارمه.
-الله سبحانه وتعالى قال: {خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ} [النساء ٧١].
-وجود المال في اليدين لا في القلب ودخول الدنيا على العبد وهو خارج عنها لا ينافي الزهد.
د- الأدلة التي عرضها الدلجي تبطل تعلق الفقراء بالقضاء والقدر لتبرير قبولهم الفقر. يمثل هذا العنصر الأول في صحة العقيدة الاقتصادية، هذا العنصر له أهميته، بل له الأهمية الأولى بين الأساليب التي يواجَه بها الفقر، أو التي يُعالج بها الفقر، وذلك
لأنه يبدأ بعلاج
الفقر بتصحيح عقيدة الفقير، ولأنه يجعل
العلاج من الفقير نفسه؛ لأنه يُحَمِّلُه
المسئولية، ومسئوليته تنبع من العقيدة.
هذا الأمر له أهمية في حياتنا المعاصرة، إن هناك من يُفَسِّر تخلف المسلمين
بارتباطهم بالقضاء
والقدر وقعودهم عن العمل، والدلجي يُبطل الفهم
الخاطئ في هذه القضية.
تصحيح عقيدة الفقير بشأن القضاء والقدر له توظيفاته الاقتصادية المتعددة.
من وظائفه أنه
يدفع الفقير للعمل ليقضي على فقره، ويدفعه
لحب المال فيسعى لجمعه وامتلاكه،
ويدفعه لاعتبار العنصر المادي في الحياة فلا
يهمله.