لم تولد الكيمياء من فراغ، بل نشأت من تجارب حرفية قديمة ترسخت في حضارات كبرى، وفي الحضارة الإسلامية تحولت من صنعة خرافية إلى علم تجريبي، وضع أسسه علماء عباقرة كجابر بن حيان والرازي.
لم تولد الكيمياء من فراغ، بل نشأت من تجارب حرفية قديمة ترسخت في حضارات كبرى، وفي الحضارة الإسلامية تحولت من صنعة خرافية إلى علم تجريبي، وضع أسسه علماء عباقرة كجابر بن حيان والرازي.
عرف الإنسان أنشطة حرفية سابقة على نشأة علم الكيمياء تتطلب درجات متفاوتة من المعرفة التجريبية، وقد ازدهرت مثل هذه الحرف في مصر القديمة وراجت صناعات العطور، والزجاج، والخزف، والأحبار، والأصباغ، والدهانات، ولم تستند هذه المعارف القديمة إلى نظرية أو علم متكامل، وكانت الإسكندرية من أهم المدارس التي حفظت هذه المعارف التجريبية وصنفت مؤلفات وصل بعضها إلينا دونت في الفترة من القرن الثاني إلى الرابع الميلادي، ويعتبر زوسيموس البانوبولي شخصية هامة حيث ألف عام٣٠٠م تقريبًا موسوعة الكيمياء من ٢٨ جزءًا، وقد أكد القفطي أن زوسيم عاش في أخميم بمصر قبل الإسلام، وكانت هذه المعارف التجريبية أحد الروافد الأساسية التي اعتمدت عليها الكيمياء الغربية، وكبقية العلوم التجريبية، تُرجمت مجموعة هائلة من كتب الكيمياء من الإغريقية إلى العربية، وقد تميزت المعارف الكيميائية الإغريقية بنظرتها الفلسفية ومحاولة تقديم النظرية الكيميائية.
فقد صاغ أرسطو- رغم كونه ليس كيميائيًا!- نظرية اعتبرت إلى حد بعيد أساسًا للفكر الكيميائي في القرون التالية، وهذه النظرية مفادها: أن المواد جميعها تتكون من عناصر أربعة: النار- الهواء- الماء- التراب، وتتميز المواد بعضها عن بعض بطبائعها، ولا يوجد أي عنصر من العناصر الأربعة غير قابل للتحويل، فالنار ممكن أن تصبح هواء خلال وسط من الحرارة، والهواء يمكن أن يتحول إلى ماء خلال وسط من الرطوبة وهكذا، وحيث إن كل عنصر يمكنه التحول إلى أي من العناصر الأخرى، فبالتالي فإن أي نوع من المواد يمكن أن يتحول إلى أي نوع آخر عن طريق الأخرى.
هذه المعالجات الكيميائية المفترضة هي التي أدت إلى محاولة تحويل العناصر الخسيسة الرصاص مثلًا إلى عناصر نفيسة مثل الذهب والفضة، وكانت هذه النظرية بالإضافة إلى فكرة الإكسير (مطيلات العمر والحياة) والتي يبدو أن مصدرها المعارف الكيميائية الصينية والتي تبناها الفكر الكيميائي العربي في أول الأمر كانت سببًا في تأخر ظهور نظرية للتفاعلات الكيميائية مبنية على أسس علمية سليمة.
ومع بداية القرن العاشر الميلادي، بدأ النقد الجاد لهذه الأفكار ثم الرفض التام، ورغم هذا التأخر في الانطلاق إلا أن الكيمياء العربية قد حققت إنجازات غير مسبوقة وعديدة على المستوى التجريبي والمعملي والتقني، كما أن أسسًا عديدة للكيمياء الصناعية قد وُضعت واستقرت في الشرق العربي ثم انتقلت إلى أوربا وكونت الأساس لنهضتها العلمية الحديثة.
كانت فلسفة علم الكيمياء في الحضارة المصرية هي تلبية الحاجة ولإيجاد تطبيقات للظواهر الكيميائية، أما في الحضارة الإغريقية فأصبحت فلسفة علم الكيمياء تُبنى على البحث عن ظواهر بعينها كالإكسير أو حجر الحياة، وهكذا أصبحت هنالك نظريات فلسفية عديدة انتقلت مع الاكتشافات الكيميائية جنبًا إلى جنب للحضارة العربية.
وكلمة كيمياء هي كلمة عربية على أرجح الأقوال، ومشتقة من كلمة كمي بكمي إذا أستر واخفى، والمحققون لهذا العلم من العلوم الطبيعية يسمونه الحكمة، أما أهلها والمشتغلون بها فكانوا يطلقون عليها الصنعة.
وما قدمه الكيميائيون العرب من إنجازات جعلهم بحق مؤسسي الكيمياء التجريبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لقد وضعوا الأسس والمعايير لهذا العلم ويمكن تلخيص هذه الإنجازات فيما يلي:
١- استخلاص العناصر في صورة نقية حيث تم إبداع طرق تنقية عديدة واستخلاص كمي بدقة وتقنية عالية.
٢ – استحداث الأجهزة المعملية، ونصف الصناعية وتطويرها والوصول بها إلى الدقة، وفي الحقيقة أن أغلب الأجهزة الزجاجية التي نستخدمها اليوم يرجع أصلها إلى هذه الفترة الزمنية وندين باكتشافاتها إلى جابر، والرازي.
٣- تعريف العمليات الكيميائية الأساسية البلورة- التقطير- الترشيح- الترويق- الترسيب- التسامي- التنقيط وغيرها.
٤- تحضير الصودا والبوتاس لتنظيف الأصواف ولصناعة الزجاج.
٥- الصبغات بجميع أنواعها.
٦- المواد الحافظة للأغذية.
٧- استخراج السكر والحصول على الملح في صورة نقية.
٨- صناعة الصلب.
٩- التقطير واستخلاص الزيوت الطيارة من الورود والأعشاب وصناعة العطور.
١٠- استخلاص الكحول واستخدامه في الدواء.
١١- اكتشاف الأحماض- الماء الملكي وقدرته الهائلة على إذابة المواد واكتشاف أن هذه الإذابة تعبر عن تفاعل كيميائي وليس كإذابة الكحول أو الماء للمواد.
١٢- السبائك المختلفة.
وقد امتد إبداع هؤلاء العلماء الأوائل إلى استحداث فروع جديدة لم تكن معروفة من قبل وضعوا أسسها ومناهجها نذكر منها مجالي الكيمياء الطبية والكيمياء الحرارية، ولقد أبدع الكيميائيون العرب في التعرف على العقاقير واستخلاصها في صورة نقية، وقسموها إلى مفردة ومركبة ودرسوا خواصها في الأوساط المختلفة، كما درسوا تأثير بعضها على بعض.
ويفرد الشيخ الرئيس جزءًا كاملًا عن هذا النوع من فروع الكيمياء في كتابه القانون، وأصبح هذا الفرع أساسًا لعلم الصيدلة الحالي.
كما عرف الكيميائيون العرب التفاعلات الطاردة والماصة للحرارة وحاولوا تقديم مقياس كمي لكمية الحرارة.
وبدأت نظرة الكيميائيين العرب تتحول من النظرة الكيفية التي أتقنوها إلى نظرة كمية تطرح السؤال "كيف يتم التغير الكيميائي؟" كما أن (الجلدكي) توصل إلى أن المواد الكيميائية لا تتفاعل مع بعضها البعض إلا بأوزان ثابتة، ووضع بذلك الأساس لقانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيميائي وكتابه التقريب في أسرار التركيب أشبه بموسوعة علمية شملت الكثير من الأبحاث.
ومن أشهر علماء الكيمياء العرب جابر بن حيان (٧٢١- ٨١٥م)، وهو أعظم علماء الكيمياء العرب، وعرف عند الغرب باسم جابر، والرازي، أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (٨٦٦- ٩٢٥م) يعتبر علامة مضيئة في تاريخ علم الكيمياء حيث نجد في كتبه ولأول مرة تقسيمًا منطقيًا للحقائق العلمية التي وضع أساسًا علميًا لها، كما قسم المواد والتفاعلات والأجهزة بلغة علمية بعيدة كل البعد عن الخزعبلات، ونهج الرازي في تقسيم المواد نهجًا علميًا واضحًا، وقد أكد الرازي على الأبحاث والتجارب المعملية كمصدر وحيد لقبول الحقائق الكيميائية، كما قدم كتابًا يوضح فيه الأجهزة والمعدات المعملية، وشرحها بتفصيل ووضح طرق عملها، وبلا منازع فإن الرازي هو صاحب المنهج التجريبي الحديث في الكيمياء.
وفيما يلي سنعرض المؤلفات الكيميائية التي تعكس بقدر الإمكان أهم المجالات والقضايا والخصائص المميزة لعلم الكيمياء في تراث الحضارة الإسلامية، موضحين من خلال ذلك حرص العلماء على أتباع المنهج التجريبي وتمسكهم به كأسلوب علمي ضروري لتطور العلوم وتقدمها، ونظرًا لأن الكيمياء في عمر النهضة الإسلامية تحولت من الصنعة الخرافية إلى العلم التجريبي، فإننا سنعطي كل اهتمامنا للعلم، وليس للصنعة التي ولع المؤرخون بأساطيرها ونوادرها، وأطالوا الحديث عنها في كتبهم ومؤلفاتهم.
ولما كانت الكيمياء العربية تعرف بعلم جابر فإننا سنبدأ بعرض منهجه وفكره من خلال كتابه (الإيضاح) الذي فحم فيه نظريات القدماء وحللها تحليلًا دقيقًا، ثم أدخل تعديلات جوهرية على نظرية أرسطو عن تكوين المعادن والفلزات وبين أنها لا تساعد على تفسره بعض التجارب ولا تلائم بعض الحقائق العلمية المعروفة آنذاك، وخرج بنظرية جديدة تعتمد على فكرة العناصر الأربعة ولكنها تقضى بتكوين الفلزات من هذه العناصر على مرحلتين:
الأولى تحول العناصر الأربعة إلى عنصرين جديدين هما الزئبق والكبريت.
والثانية اتخاذ هذين العنصرين بنسب متفاوتة لتكوين الفلزات المختلفة، فيقول جابر: (إن الأجساد كلها في الجواهر زئبق انعقد بكبريت المعدن المرتفع إليه في بخار الأرض، وإنما اختلفت لاختلاف أعراضها، والكبريت والزئبق مادتان افتراضيتان ليستا مرادتين على حقيقتهما)، وقدم جابر تفصيلات كثيرة لهذه النظرية في معظم كتبه الأخرى، فعالج في (كتاب الموازين) معادلة ما في المعادن من طبائع، وقد بقي معمولًا بنظرية جابر عن تكوين الفلزات حتى القرن الثامن عشر للميلاد، حيث طرأ عليها هي الأخرى بعض التعديلات، وتحولت إلى نظرية (الفلوجستن) القائلة: بأن كل المواد القابلة للاحتراق والفلزات القابلة للتأكسد تتكون من أصول زئبقية وكبريتية وملحية.
وبصرف النظر عن الجهود التي بذلها جابر بن حيان في بحثه عن الذهب أو عن الإكسير الذي يقلب المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة- وهذا عيب يؤخذ عليه- يقول بول كراوس ناشر رسائله، من أعظم رواد العلوم التجريبية؛ لأنه جعل الميزان أساسًا للتجريب، وهذا خير أداة لمعرفة الطبيعة معرفة دقيقة، وقياس ظواهرها كميًا، ومن ثم قدم جابر أقوى محاولة في العصور الوسطى لإقامة مذهب كمي لعلوم الطبيعة، وعبَّر عن منهجه في وصيته الشهيرة لتلاميذه بقوله: (وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب؛ لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة).
وأكد على ذلك كلما جاءت مناسبة في كتبه التي يصعب حصرها فقال في كتاب (الخواص الكبيرة): (قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح، وامتحنته فما كذب) وهو بذلك يستوفي عناصر المنهج التجريبي كما نعرفه اليوم.
أما العلم والمعرفة المسبقة فهما من شروط نجاح التجربة وعنهما يقول جابر في (كتاب السبعين): (من كان دُرْبًا كان عالمًا حقًا)، ويقول في (كتاب التجريد): (إياك أن تجرب أو تعمل حتى تعلم، ويحق أن تعرف الباب من أوله إلى اخره بجميع تنقيته وعلله، ثم تقصد لنجرب فيكون في التجربة كمال العلم).
ويكمل جابر صورة منهجه التجريبي الاستقرائي في كتابه (الخواص) فيقول: (إنه ينبغي أن يعلم أولًا موضوع الأوائل والثواني في العقل كيف هي حتى لا نشك في شيء منها ولا نطالب في الأوائل بدليل ونستوفي الساني منه بدلالته) أي أن المسلمات والبديهيات لا تُستنبط ولا تحتاج إلى دليل أو برهان، وما يأتي بعدها في الترتيب يستند إليها،
وأخيرًا لا يفوت جابر أن يتعرض لدور القياس وفكرة الاحتمالية في منهجه فيقول في كتاب (التصريف): (ليس لأحد أن يدعى بالحق أنه ليس في الغائب إلا متل ما شاهد، أو في الماضي والمستقبل إلا مثل ما في الآن) ويقول في كتاب (الخواص الكبيرة) الذي اعتبره (هولميارد) من أهم كتب جابر في الكيمياء: (إنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط- دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه بعد أن امتحناه وجربناه، وما استخرجناه نحن قايسناه على أقوال هؤلاء القوم).
وننتقل الآن إلى علم آخر من أعلام الحضارة الإسلامية، احتل مكانته اللائقة في علم الطب فلقبوه بجالينوس العرب، وكاد يقف على قدم المساواة مع أستاذه جابر في الكيمياء، فعده البعض من مؤسسي الكيمياء الحديثة في الشرق والغرب، هذا العالم هو أبو بكر الرازي، ومؤلفاته الكيميائية عديدة ومتنوعة، وسنعرض لمنهجه فيها من خلال كتابه (الأسرار) الذي قال في مقدمته إنه (شرح فيه ما سترته القدماء من الفلاسفة بل وفيه أبواب لم ير مثلها) وفي هذا الكتاب يسير الرازي على منهاج جابر ويعمل تلميذًا مجدًا في مدرسته، ولكنه يبدو أكثر قربًا من أستاذه إلى المنهج العلمي في الكيمياء الحديثة، ويبحث كتابه في ثلاثة معانٍ هي: معرفة العقاقير بأنواعها الثلاثة: الترابية، والنباتية، والحيوانية، ومعرفة الآلات، ومعرفة التدابير (أي التجارب)
وقد وصف الرازي مواد العقاقير وصفًا دقيقًا ومسهبًا كما شرح خواصها وصفاتها وطرق تنقيتها وكيفية التمييز بينها، ومعرفة جيدها من رديئها، وجمل المواد الترابية- أي المعدنة وغير العضوية- ستة أنواع هي: الغازات، والمعادن، والحجارة، والزاجات، والبوارق.
وفي القسم الثاني وصف الرازي الكثير من الآلات والأجهزة المستعملة في التجارب وجعلها على نوعين: نوع لتذويب المعادن كالمنفخ والكور والبوتقة والماشة، ونوع آخر لتذويب العقاقير كالأقداح والقناني والأنبيق والمستوقد والأتون وغيرها، وكان الرازي في كتابه هذا وغيره قد وصف ما يزيد على عشرين جهازًا منها الزجاجي ومنها المعدني، واهتم بشرح كيفية تركيب الأجهزة المعقدة وصيانتها وطرق استعمالها على غرار ما نراه الآن في الكتب الحديثة التي تتعلق بالمختبرات والتجارب العملية، وفي القسم الثالث من الكتاب شرح لأول مرة كيفية إجراء التجارب لتحضير العقاقير ووصف العمليات الكيميائية المستخدمة في ذلك موضحًا سير التفاعلات الكيميائية والنتائج المؤدية إليها، وعرف علم الكيمياء لأول مرة الأسس العلمية لعمليات التنقية من تقطير وتصعيد وتشويه وتكليس وطبخ وتملغم، وعمليات التحليل والعقد، ولسنا بحاجة إلى عقد مقارنة لتوضيح مدى التطابق بين المنهاج الذي يسير عليه العلماء التجريبيون في مختبراتهم حاليًا والمنهاج الذي اتبعه الرازي في إجراء تجاربه، مبتدئًا بوصف المواد التي يشتغل عليها، ثم وصف الأدوات والأجهزة التي يستعملها، ثم شرح الجزء التجريبي ومناقشة النتائج التي يحصل عليها أنشاء تحضير المركبات.
واستطاع الرازي بفضل منهجه العلمي أن يتوصل إلى كشف العديد من المركبات مثل حمض الكبريتيك وسماه زيت الزاج الأخضر، كما استخدم الفحم الحيواني لأول مرة في فصل الألوان ولا تزال هذه الطريقة تستعمل في إزالة الألوان والروائح من المواد العضوية، على أن أهم ما ينسب إلى الرازي في مجال الكيمياء هو ربطها بالطب، والصيدلة واعتبار التفاعلات الكيميائية، والفيزيائية ناتجة عن تأثير الدواء في الجسم، وحضَّر الرازي الكحول من مواد سكرية ونشوية متخمرة، وكان يستعمله في الصيدليات لاستخراج الأدوية والعلاج، كما درس خصائص الزئبق ومركباته واستحضرها واستعملها كعقار ضد بعض الأمراض، وللرازي كتب أخرى كثيرة في الكيمياء ولكن معظمها كان في الصنعة والبحث عن الإكسير وحجر الحكمة.
وترجمت كتب الرازي إلى اللغات الأوربية فساهمت مع كتب جابر بن حيان في جعل الكيمياء علمًا تجريبيًا يتطور ويزدهر على أساس علمي سليم بعيدًا عن الغموض والتستر والطلاسم التي تميز بها في الصنعة أو الكيمياء القديمة.
ومن بين كتب الكيميا، ذات الأهمية الكبرى في تراث الحضارة الإسلامية نذكر كتاب (الجماهر في معرفة الجواهر) لأبي الريحان البيروني، وفيه يبدأ بجزء لغوي يشمل شعرًا رصينًا قاله العرب في وصف المعادن والجواهر والبللورات والأحجار الكريمة والفلزات، ويستعرض أراء السابقين في الجواهر والمعادن الثمينة وينتقد نظرية الزئبق والكبريت عن تكوين المعادن في الأرض ثم تكلم عن الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد وغيرها ووصفها من حيث صفاتها وخواصها الطبيعية والكيمائية، كما بيَّن أماكن خاماتها وطرق استخراجها من هذه الخامات، واستعمل الوزن النوعي للكشف عن تفاوتها، كذلك بحث في السبائك وشرح الطرق الكيميائية التي حضر بواسطتها بعض المركبات، وبعضها لا يختلف كثيرًا عن الطرق العلمية الحديثة، وقام بتحقيق هذا الكتاب علميًا المستشرق السوفيتي كرامكوف، كما قام بتحقيق بعض فصوله الدكتور إدوارد سخاو ونشره في لندن عام ١٨٧٨م وأعيد طبعه عام ١٩١٠م، ويعتبر هذا الكتاب مرجعًا مهمًا في علوم المعادن والبلورات والكيميا، والجيوكيمياء، ليس فقط لأنه جمع كل الآراء السابقة عن هذه العلوم وحوى إضافات جديدة عليها، بل لأنه أيضًا عبر عن رغبة عصره في نقد الأمور والنظريات المتعلقة بالطبيعة والعالم، وكان البيروني يرى أن العلم اليقيني لا يحصل إلا من إحساسات يؤلف بينها العقل على نمط منطقي، ومن هنا كأن ينهج نهجًا علميًا تتجلى فيه دقة الملاحظة والفكر المنظم كأعظم ما يكون العالم المجرب
وتعتبر رسالة مريانس الراهب الحكيم إلى الأمير خالد بن يزيد بعنوان كتاب تراكيب الكيمياء، هو أول ما ترجم في مجال الكيمياء من العربية إلى اللاتينية، قام بأعمال الترجمة الإنجليزي روبرت مانشيستر وأتمها في ١١ فبراير ١١٤٤م، وبترجمة هذا الكتاب تعرفت أوروبا ولأول مرة على هذا العلم الجديد الكيمياء.
وظلت الكيمياء علمًا جديدًا وغريبًا في أوروبا لمدة قرن آخر من الزمان حتى عام ١٢٦٧م؛ حيث كتب روجر بيكون خطابًا إلى البابا يشرح له فيه أهمية تدريس العلوم في الجامعة وارتباط العلوم الحديثة ببعضها البعض ووجود علم جديد عند العرب يسمى الكيمياء النظرية لا يعلم الغرب عنه شيئًا.
شهدت الكيمياء تطورًا كبيرًا من خلال مراحل تاريخية بدأت بالحرف التجريبية في مصر القديمة، ثم بالنظريات الفلسفية عند اليونان مثل نظرية العناصر الأربعة لأرسطو، التي أثرت على التفكير الكيميائي لقرون، ومع بزوغ الحضارة الإسلامية، تحولت الكيمياء إلى علم تجريبي بفضل جهود علماء مثل جابر بن حيان، والرازي، حيث طوروا الأجهزة المعملية، وأسسوا منهج البحث العلمي، وابتكروا عمليات كيميائية دقيقة، كما ربطوا الكيمياء بالطب والصيدلة، وأسهمت هذه الإنجازات في وضع اللبنات الأولى للكيمياء الحديثة، وانتقلت عبر الترجمة إلى أوروبا، فمهدت لنهضتها العلمية، مما جعل الكيمياء الإسلامية حلقة وصل حاسمة في تطور هذا العلم عالميًا.
هو أحد فروع العلوم الطبيعية الذي يعني بدراسة الكائنات الحية.
هو مادة تستخدم لعلاج المرض أو تشخصيه أو الوقاية منه.
لقد أسهمت الحضارة الإسلامية إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم الطبية والصيدلية.