Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانتحار العرقي

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

الانتحار العرقي

يستعرض المقال مفاهيم الإبادة الجماعية والعرقية، وتطورها التاريخي والقانوني منذ ظهورها في منتصف القرن العشرين، كما يسلط الضوء على ظاهرة "الانتحار العرقي" الناتجة عن الجهل والتبعية، محذرًا من حالة "الانضباع" التي تقود المجتمعات نحو حتفها بإرادتها.

التطور المفاهيمي والتاريخي للإبادة الجماعية

تحية إلى الكاتب القدير أشرف عبد المنعم على مقاله في عدد الجمعة ١٩ أغسطس ۲۰۰٥م من جريدة الأهرام تحت عنوان (الذين يبيدون أنفسهم عرقيًا وهم لا يشعرون) والذي تكلم فيه عن الإبادة الجماعية Genocide  والإبادة العرقية Ethnocide وينعى فيه على من يبيدون أنفسهم بأيديهم ويقول: (فلم يثبت علميًا أو تاريخيًا أن تبنت جماعة من البشر نسفًا منظمًا لإبادة نفسها على هذا النحو الذي نمارسه نحن ..)، ويقول: (فإذا كان الجهل بأنفسنا وبما حولنا قد تسيَّد هكذا علينا إلى الحد الذي جعلنا نروج للشيء ومنتهى نقيضه في وعاء واحد ننادي بالفضيلة ونروج للرذيلة..)، وهذا المقال أثار عندي شجون حول المصطلح وحول المفهوم أردتُ أن أتكلم حوله.

فمصطلح "الإبادة الجماعية" والذي يعني حالات القتل المخطط والمتعمد لجماعة بشرية جزئيًا أو كليًا ظهر عام ١٩٤٤م لدى الأستاذ الجامعي البولندي اليهودي الديانة رفائيل لمكن Lemkin Raphael لوصف أفعال النازي والتي لم تقتصر على اليهود بحسب كلامه، بل امتدت إلى إبادة بعض مجتمعات أوروبا الشرقية، ثم شاع المصطلح بعد ذلك، والتفت الناس إلى هذا المصطلح، وتكلموا عنه، ووصفوا به مجموعة من أحداث التاريخ، ولقد نعى القرآن الكريم على فعل فرعون في محاولته لإبادة بني إسرائيل واعتبرها جريمة شنعاء قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤئِفَةࣰ مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [القصص: ٤]، وهناك تدمير وليام النورماندي للشعب الإنجليزي من ۱۰٦٦م حتى ۱۰۷۲م، وما فعله التتار من فظائع، وما فعله الأمريكان مع الهنود الحمر والمستعمرون الإنجليز مع سكان أستراليا الأصليين وسكان تسمانيا، والألمان في جنوب غرب إفريقيا سنة ١٩٠٤م حتى ۱۹۰۷ م وما فعله الصرب في البوسنة والهرسك.

الإطار القانوني الدولي، ومعايير تجريم الإبادة

ولقد نجحت جهود "لمكن" طوال خمس سنوات بتجميعه توقيعات من دول مختلفة إلى نقل هذا الأمر إلى الساحة الدولية وبالتحديد عندما قامت الأمم المتحدة إلى إعلان قانون يحرم فعل الإبادة الجماعية باعتباره جريمة دولية، وتم طرح القانون في ۲۱ يناير من عام ١٩٥١م إلا أنه لم يقابل بحماس كبير من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن حيث لم يوافق عليه فقط سوى فرنسا والصين، ثم انضمت إليهما روسيا (الاتحاد السوفيتي) في عام ١٩٥٤م ثم تبعتها بريطانيا العظمى عام ۱۹۷۰م، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية عام ۱۹۸۸م، والتي ربما تكون مقتنعة بالإبادة الجماعية والعنصرية، وتلويث البيئة حيث نراها دائما معارضة لهذا، وهو الأمر الذي أدى إلى تأخر تطبيق هذا القانون إلى التسعينيات من القرن العشرين عندما بدأ بالفعل في الدخول إلى حيز الوجود بعدما ظل مجرد حبر على ورق لمدة تصل إلى أربعة عقود كاملة، قد تضمنت مادة القانون خمسة أفعال تم وصفهم بهذا المصطلح ومن ثم تجريمهم باعتبارهم جريمة دولية وهم كالآتي:

  1. قتل أعضاء أي جماعة بشرية.
  2. التسبب بأضرار جسدية خطيرة أو عقلية لأي عضو من أعضاء هذه الجماعة.
  3. الإضرار المتعمد بالظروف الحياتية لأي جماعة بشرية والذي يؤدي بالضرورة إلى فنائها.
  4. فرض قوانين وقياسات صارمة على أي جماعة بشرية يمنعها من التناسل والتكاثر.
  5. نقل أطفال أي جماعة إلى جماعات أخرى.

الإبادة العرقية (Ethnocide) وتدمير الهوية الثقافية

 أما الإبادة العرقية فقد ذكرها "لمكن" في مقاله المشهور (قوات المحور تحكم أوروبا المحتلة) المنشور عام ١٩٤٤م والذي قام فيه بتركيب المصطلح من أصول إغريقية ولاتينية مثلما فعل مع مصطلح الإبادة الجماعية حيث يتألف المصطلح من الكلمة الإغريقية Ethnos والتي تعني "أمة" Nation والمقطع اللاتيني Cide والذي يعني "قتل" وقد قام "لمكن" بتقديم هذا المصطلح في هامش نفس الصفحة التي استخدم فيها مصطلح الإبادة الجماعية حيث أكد أن أفعال النازي الإجرامية من الممكن أيضًا وصفها بهذا المصطلح.

وعلى الرغم أن المصطلحين "الإبادة الجماعية" و "الإبادة العرقية" تم تقديمهما معًا في آن واحد خلال الأربعينيات من القرن العشرين لوصف الأفعال السادية للنازي ضد اليهود إلا أن مصطلح الإبادة العرقية لم ينل نفس الحظ من الشهرة مثل مصطلح الإبادة الجماعية، وفي السنوات التالية لإعلان الأمم المتحدة مشروع القانون الدولي لتجريم الإبادة الجماعية واعتبارها جريمة دولية، بدأت الغالبية العظمى من علماء الاجتماع في استخدام المصطلح كأحد الفروع الثانوية لمصطلح الإبادة الجماعية والذي يقتصر فقط على وصف فعل إبادة جماعية بشرية لأسباب خاصة بالعرق فقط.

غير أن مفهوم هذا المصطلح لم يقتصر على هذا المعنى فقط، ولكن امتد ليشمل العديد من المعاني، فهو يشير كذلك إلى أي أفعال إجرامية تجاه عرق معين حتى وإن لم تؤد إلى إبادته بصورة كاملة، فيشير إلى الأضرار طويلة المدى مثل: تقليل مواليد عرق ما، ومحاولات منع انتقال ثقافة مجتمع ما إلى أجياله القادمة، ومن ثم تفقد هذه الأجيال أي علاقة مع أجدادها، بل ويشير كذلك إلى محاولة البعض إزالة تاريخ عرق ما من صفحات التاريخ البشري كل ما يتعلق بهم من معلومات، وتؤكد المصادر أن هذا المصطلح أكثر استخدامًا من قبل الأقليات المضطهدة من مصطلح الإبادة الجماعية.

ويتشابه هذا المصطلح كذلك مع مصطلح الإبادة الثقافية Culturecide بل ويتم استبدالهما مع بعضهما البعض دون الإخلال بالمعنى المراد إلا أن كلًا منهما يقع تحت النطاق المصطلحي للإبادة الجماعية، ومن ثم يمكن استخدام الإبادة الجماعية ليحل محل أي منهما دون الإضرار بالمعنى، ولكن علماء الاجتماع يؤكدون أن أهمية هذا المصطلح تكمن في قدرته على وصف الأعمال الإجرامية من قبل بعض الحكومات والتي تكون بمعدل قليل من العنف والوضوح لا يتناسب مع مصطلح الإبادة الجماعية، وأكد بعضهم الآخر أن هذا المصطلح يعد صورة أكثر اعتدالًا من مصطلح الإبادة الجماعية والذي عادة ما يصاحبه مشاعر مخيفة وبشعة عند استخدامه.

سيكولوجية "الانضباع"، وظاهرة الانتحار العرقي الذاتي

ويمكن أن نصطلح على لفظ "الانتحار العرقي" للحالة التي تكلم عنها الأستاذ أشرف عبد المنعم والتي وصفها بأنها فريدة في التاريخ، وكنت أسمع مشايخي يتكلمون عن حالة "الانضباع"، وتلقيت منهم شفويًا أنها مشتقة من الضبع وتصرفاته، وذلك أنه إذا أراد افتراس فريسته نظر إليها وأحدث لها ما يشبه التنويم المغناطيسي ثم يسير فتسير وراءه حتى مكمنه ثم يقتلها هناك بعد أن يعلو ظهرها، ويبول عليها وفي بوله مخدر، فيوفر على نفسه مقاومتها ونقل جثتها إلى بيته، وتقال هذه الكلمة لمن يسير إلى حتفه بقدميه، وظاهر إرادته من شدة جهله بما حوله، ولقد بحثت كثيرًا عن هذا المعنى في الكتب التي تحت يدي فلم أجده لا في المعاجم ولا في كتب حياة الحيوان، وآمل ممن عنده توثيق لذلك الخبر الشفوي أن يمدني به، فهل يمكن أن نطلق على هذا "الانضباع".

المقاومة الفكرية ومفهوم القابلية للاستعمار

وقد يقال: إن "الانضباع" فيه تأثر من خارج النفس، وأتذكر ما يقوله علماء التسويق حول قوة تأثير عرض السلعة على المشتري Demonstration effect وبدون شك فإن ما يجري حولنا في العالم يفوح بهذه المهمة، ولكن يجب علينا أن نكون من طائفة المستهلك الرشيد لا من طائفة القابلين للاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي.

الخلاصة

إن مواجهة الإبادة والتحرر من حالة "الانضباع" يتطلبان وعيًا معرفيًا عميقًا بالذات وبالتحديات المحيطة، فالحفاظ على الوجود العرقي والثقافي لا يتم فقط عبر القوانين الدولية، بل عبر رفض التبعية العمياء، والتحصن بالوعي الرشيد ضد كل أشكال التدمير الذاتي.

موضوعات ذات صلة

الانتحار هو قرارٌ بالانسحاب من منظومة الحياة، ويُعد من كبائر الذنوب في الشريعة الإسلامية.

"حبوب الغلة" سم قاتل ينهي حياة الكثيرين، خاصة الشباب والنساء في البيئات الزراعية.

قضية العنف ضد الأطفال تتجاوز كونها مشكلة سلوكية لتصبح أزمة إنسانية وأخلاقية عميقة.

موضوعات مختارة