ثم عقد السيوطي - رحمه الله - فصلًا في مخاطبات
القرآن بالعام بين عام باق على عمومه، وعام مراد به الخصوص، وعام مخصوص، فقال -
رحمه الله: "العام على ثلاثة أقسام:
الأول: الباقي على عمومه: قال القاضي جلال البلقيني: ومثاله عزيز؛
إذ ما من عام إلا ويدخل فيه التخصيص، فقوله:
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} [النساء: ١] قد يخص منه غير المكلف، وهو: {حُرِّمَتۡ
عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ} [المائدة: ٣]، خص منها حالة الاضطرار، وميتة السمك والجراد، وحرم الربا خص منه العرايا [هي بيع الرطب على النخل بخرصها تمرا على الأرض ممن يتقن
الخرص، والتقدير بحسب الإمكان: أرخص فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعذر
كما في حديث الصحيحين وغيرهم. انظر: بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني وشرحه سبل
السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ج ٣ من ص ٥٨ إلى ص٦٠] وذكر الزركشي في البرهان أنه كثير في القرآن، وأورد منه: {وَأَنَّ
ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: ٩٧]، {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ
ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا} [يونس: ٤٤]، {وَلَا
يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا} [الكهف: ٤٩]،
{وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن
نُّطۡفَةٖ} [فاطر: ١١]، {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا} [غافر: ٦٤].
قلت: هذه الآيات كلها في غير الأحكام الفرعية،
فالظاهر أن مراد البلقيني أنه عزيز في الأحكام الفرعية، وقد استخرجت من القرآن بعد
الفكر آية فيها، وهي قوله تعالى: {حُرِّمَتۡ
عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ} [النساء: ٢٣]،
الآية، فإنه لا خصوص فيها".
الثاني: العام المراد به الخصوص:
الثالث: العام المخصوص، وللناس بينهما فروق، أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من
جهة تناول اللفظ، ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها. والثاني
أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم.
ومنها أن الأول مجاز قطعًا لنقل اللفظ عن موضعه
الأصلي بخلاف الثاني فإن فيه مذاهب أصحها: أنه حقيقة، وعليه أكثر الشافعية وكثير
من الحنفية وجميع الحنابلة، ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء. وقال الشيخ أبو
حامد: إنه مذهب الشافعي وأصحابه. وصححه السبكي؛ لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد
التخصيص كتناوله له بلا تخصيص. وذلك التناول حقيقي اتفاقًا، فليكن هذا التناول
حقيقيًا -أيضًا-.
ومنها أن قرينة الأول عقلية والثاني لفظية.
ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه، وقرينة
الثاني قد تنفك عنه.
ومنها أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقًا،
وفي الثاني خلاف.
ومن أمثلة المراد به الخصوص قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ} [آل عمران: ١٧٣]. والقائل واحد (هو) نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزاعة، كما أخرجه
ابن مردويه من حديث أبي رافع؛ لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان
قال الفارسي، ومما يقوي أن المراد به واحد قوله:
{إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ} [آل عمران: ١٧٥]،
فوقعت الإشارة بقوله: (ذلكم) إلى واحد بعينه، ولو كان
المعنى جمعا لقال: (إنما أولئكم الشيطان)، فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ.
ومنها قوله تعالى: {أَمۡ
يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ} [النساء: ٥٤]؛ أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجمعه ما في الناس من الخصال
الحميدة، ومنها قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ
مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} [البقرة: ١٩٩]،
أخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله:
{مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}، قال: إبراهيم - عليه
السلام - ومن الغريب قراءة سعيد بن جبير (من حيث أفاض الناسي) قال في (المحتسب)
يعني آدم؛ لقوله: {فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ
عَزۡمٗا} [طه: ١١٥]، ومنه قوله تعالى: {فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ
وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ} [آل عمران: ٣٩]؛ أي: جبريل كما في قراءة ابن مسعود" أ. هـ.
وأقول: ذكر السيوطي - كما ترى - للعام المراد
به الخصوص أربعة أمثلة لا ننازعه منها إلا في ثالثها، وإن كان في بعضها كلام،
وأعني بهذا الثالث ما عزا فيه إلى الطبري الرواية عن الضحاك عن ابن عباس: من أن
الناس في ثانية آيتي الإفاضة يراد بهم إبراهيم، فإن النسخ المطبوعة بطبعات مختلفة
من تفسير الطبري في تفسير هذه الآية من سورة البقرة ليس فيها الرواية عن الضحاك
موصولة إلى ابن عباس، بل الرواية فيها جميعًا هي عن الضحاك موقوفة عليه، وهكذا
رواها عن الطبري الحافظ ابن كثير[انظر تفسيره، ج ١، ص ٢٤٢]، وكذا رواها الحفاظ من
أمثال الحافظ ابن حجر في الفتح عن ابن أبي حاتم وغيره، فهذه واحدة.
وثانية هي أطم من الأولى وأعظم، وهي أن هذا
القول أحد قولين في الآية حكاهما الطبري واختار غيره لما قال من إجماع الحجة عليه،
وأنه لولا إجماع الحجة على هذا الغير لاختاره، هذا معنى كلامه، وإنما القول
المعتمد في تفسير الآية أن يراد من الإفاضة فيها عين ما أريد منه في سابقتها، ومن
قوله: {مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} عرفات كما وقع التصريح به في سابقتها على ما روى البخاري - رحمه الله - عن
عائشة - رضي الله عنها-: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا
يسمون الخمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه - صلى
الله عليه وسلم - أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: {مِنۡ
حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}» أ. هـ.
كذا أخرجه البخاري في الحج وفي التفسير واللفظ
من التفسير في تفسير الآية من سورة البقرة. تريد - رضي الله عنها: أن المأمور
بالإفاضة في هذه الآية هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، أمروا أن تكون
إفاضتهم من حيث يفيض جمهور العرب أي من عرفة - لا من حيث كان يفيض قريش ومن دان
دينها من المزدلفة؛ أي أن يكون موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تصدر منه
الإفاضة هو عرفة لا المزدلفة على ما كانت تفعل قريش، وتوجيه (ثم) على هذا القول
المعتمد - والذي اختاره الطبري نفسه وحكى الإجماع عليه - ما قاله الحافظ ابن حجر
في شرح هذا الحديث من كتاب الحج قال -رحمه الله [فتح
الباري ج ٣ ص ٥١٧ فما بعدها]: "وأما
الإتيان في الآية بقوله: (ثم) فقيل: هي بمعنى الواو. وهذا اختيار الطحاوي، وقيل:
لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند
المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم
تفيضون".
قال الزمخشري: وموقع (ثم) هنا موقعها من قولك:
"أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير الكريم"، فتأتي (ثم) لتفاوت ما بين
الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من
عرفات بين لهم مكان الإفاضة فقال: ثم أفيضوا. لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن
إحداهما صواب والأخرى خطأ.
قال الخطابي: "تضمن قوله تعالى {ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن
بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه" أهـ.
نعم قد جاء الآخر رواية عن ابن عباس عند البخاري
- أيضًا - في تفسير الآية من كتاب التفسير والذي حاصله أن الإفاضة في هذه الآية
غيرها في سابقتها، وأنها الإفاضة من (جمع)؛ أي: المزدلفة إلى منى لرمي الجمرات،
ولكن المقصود بالناس في هذه الرواية ليس ما في رواية الضحاك، وإنما هو العموم
الشامل لجماهير الناس جميعًا أو هم قريش على أقل تقدير، ففي هذا الحديث عند
البخاري: ثم ليدفعوا من عرفات فإذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعًا الذي يتبرر فيه،
ثم ليذكروا الله كثيرًا أو أكثروا التكبير والتهليل قبل أن تصبحوا ثم أفيضوا فإن
الناس كانوا يفيضون، وقال الله تعالى: وتلا الآية ثم قال: حتى ترموا الجمرة أ.هـ.
فلا تشترك هذه الرواية مع ما قال الضحاك إذن إلا
في مجرد أن الإفاضة في الآية يراد بها الإفاضة من المزدلفة، وأما أن الناس فيها
يراد بهم إبراهيم -عليه السلام- فشيء لم يعرف عن ابن عباس ولا عن غيره، وإنما هو
قصر على الضحاك وحده، وشتان ما بين الأمرين، ومع هذا فإن هذا القول عن ابن عباس -
وإن بقيت فيه (ثم) التي صدرت بها الآية على حقيقتها من إفادة الترتيب، ليس هو
القول المعتمد في تفسير الآية والذي وصفنا من قول عائشة، بل الذي نطقت به رواية
أخرى عن ابن عباس في تفسير الطبري نفسه، كما جاءت به الرواية عند الطبري عن عروة بن
الزبير وعطاء وقتادة ومجاهد والسدي والربيع وابن أبي نجيح. ومن ثم حكى الطبري
إجماع الحجة عليه كما سبق، وإنما كان الذي وصفنا من قول هؤلاء المعتمد؛ لأنه فوق
كونه قول الجمهور نص في إلغاء صنيع قريش، وإيجاب أن يكون موقف الجميع؛ قريش وغير
قريش بعرفة، بخلاف ما في هذه الرواية عن ابن عباس، فإنه وإن أفاد إيجاب الإفاضة
إلى منى لم يعرض من قليل أو كثير لم هو أهم منه بدرجات - أعني إبطال الباطل – ولا سيما
أن الإفاضة من المزدلفة إلى منى كان أمرًا معروفًا ومشتركًا متفقًا فيه من الكل؛
قريش، وغير قريش، فلم تضف الآية جديدًا.
و-أيضًا- فإن أمر منى سيأتي الحديث عنه بعد هذا بقليل في قوله تعالى: {وَٱذۡكُرُواْ
ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ} [البقرة: ٢٠٣] الآية.
وفي هذا الرد:
(أ) على ما زعم الطبري من ترجيح
أن تراد الإفاضة إلى منى لولا إجماع الحجة على الأول.
(ب) وعلى علامة مفسري العصر
الطاهر ابن عاشور فيما زعم من ذلك لولا الحديث، كما قال في تفسيره الجليل (التحرير
والتنوير) يريد حديث عائشة المتضمن للقول المعتمد.
(ج) وعلى موقف الحافظ ابن كثير
الحائر بين القولين والمتمثل في قوله بعد إيراده لروايتي عائشة وابن عباس من
البخاري (فالله أعلم) أ. هـ.
وأما ما حكى في هذا المثال من قراءة ابن جبير
بالياء يريد آدم كما فسره ابن جنى في (المحتسب)، فقد كفانا مؤونتها بعدها من
الغريب، فإنها قراءة بالغة الشذوذ خارجة أتم الخروج عن القرآنية، فلا يبال بها ولا
بما تضمنته من هذا المعنى هنا.
ثم شرع السيوطي بعد هذا في الحديث عن العام
المخصوص وبيان المخصص المتصل منه والمنفصل فقال: "وأما المخصوص فأمثلته في
القرآن كثيرة جدًّا، وهو أكثر من المنسوخ؛ إذ ما من عام إلا وقد خص، ثم المخصص له:
إما متصل وإما منفصل، فالمتصل: خمسة وقعت في القرآن:
أحدها: الاستثناء" (يريد المتصل) وذكر له
أمثلة خمسة نختار من بينها آخرها، وهو قوله تعالى: {كُلُّ شَيۡءٍ
هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ} [القصص: ٨٨]
[والمراد من الوجه الذات أو العمل الصالح الذي أريد به وجهه تعالى].
ثم قال السيوطي: "الثاني: الوصف، نحو: {وَرَبَٰٓئِبُكُمُ
ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ} [النساء: ٢٣].
الثالث: الشرط، نحو: {وَٱلَّذِينَ
يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ
عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ} [النور:
٣٣]، {كُتِبَ
عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ} [البقرة: ١٨٠].
الرابع: الغاية وذكر لها أمثلة أربعة آخرها
{وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ} [البقرة: ١٨٧] الآية.
والخامس: بدل البعض من الكل، نحو: {وَلِلَّهِ
عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ} [آل عمران: ٩٧].
ثم قال: والمنفصل آية أخرى في محل آخر أو حديث
أو إجماع أو قياس.
ومن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى: {وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ
يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ} [البقرة: ٢٢٨] خص بقوله: {إِذَا نَكَحۡتُمُ
ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [الأحزاب: ٤٩]، وبقوله: {وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ
أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ} [الطلاق: ٤].
وقوله:
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ} [المائدة: ٣]، خص من الميتة السمك بقوله: {أُحِلَّ لَكُمۡ
صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ } [المائدة: ٩٦]، ومن الدم الجامد بقوله: {أَوۡ دَمٗا
مَّسۡفُوحًا} [الأنعام: ١٤٥].
وقوله:
{وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ
شَيۡـًٔاۚ} [النساء: ٢٠] الآية، خص بقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ
عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ} [البقرة: ٢٢٩].
وقوله: {ٱلزَّانِيَةُ
وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا
مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ } [النور: ٢] خص بقوله: {فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى
ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ} [النساء:
٢٥]،[ والمقصود الإماء المتزوجات إن أتين بفاحشة الزنا
فعليهن نصف ما على الحرائر الأبكار من العذاب، أي خمسون جلدة نصف حد الحرة البكر
كما هو مقرر في محله من كتب الفقه والتفسير. وخص أيضا عموم الآية المحصن بالسنة
فحده الرجم، وسيأتي فيه تخصيص آخر بالقياس].
وقوله: {فَٱنكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: ٣] خص بقوله: {حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ
أُمَّهَٰتُكُمۡ} [النساء: ٢٣] الآية.
ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى: {وَأَحَلَّ
ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ} [البقرة: ٢٧٥] خص منه البيوع الفاسدة - وهي كثيرة بالسنة – {وَحَرَّمَ
ٱلرِّبَوٰاْۚ} [البقرة: ٢٧٥] خص منه العرايا [قال في اللسان في
حديث أنه رحم في العربة والمرايا، قال أبو عبيد: المرايا واحدتها عربية، وهي
المخلة يعريها صاحبها رجلًا محتاج والإعراء أن يجعل له ثمر عامها، والمقصود : أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - رخص لهم في بيع الرطب على النخل بالتمر على الأرض، حرصًا
وتقديرًا حسب الإمكان، كما في حديث الصحيحين وغيرهما، وانظر: بلوغ المرام للحافظ
ابن حجر وشرحه سبل السلام للصنعاني ج٣ من ٥٨ إلى ٦٠] بالسنة.
وآيات المواريث خص فيها القاتل والمخالف في
الدين بالسنة.
وآية تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة وآية {ثَلَٰثَةَ
قُرُوٓءٖۚ} [البقرة: ٢٢٨] خص منها الأمة بالسنة [أي
فعدتها قرآن].
وقوله:
{مَآءٗ طَهُورٗا} [الفرقان: ٤٨] خص منه المتغير بالسنة.
وقوله:
{وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ} [المائدة: ٣٨] خص منه من سرق دون ربع دينار بالسنة.
ومن أمثلة ما خص بالإجماع: آية المواريث خص منها
الرقيق فلا يرث بالإجماع، ذكره مكي.
ومن أمثلة ما خص بالقياس، آية الزنا {فَٱجۡلِدُواْ
كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ } [النور:
٢]، خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله: {فَعَلَيۡهِنَّ
نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ} [النساء: ٢٥] المخصص لعموم الآية، ذكره مكي -أيضا-".
ثم قال السيوطي: "فصل من خاص القرآن: ما
كان مخصصًا لعموم السنة وهو عزيز؛ ومن أمثلته قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُعۡطُواْ
ٱلۡجِزۡيَةَ} [التوبة: ٢٩] خص عموم قوله -صلى الله عليه وسلم: « أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ
حتّى يقولوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ».
وقوله:
{حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ} [البقرة: ٢٣٨]، خص عموم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراج
الفرائض.
وقوله: {وَمِنۡ
أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا} [النحل: ٨٠] الآية خص عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: « ما أُبينَ من حَيٍّ، فهو مَيْت».
وقوله: {وَٱلۡعَٰمِلِينَ
عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ} [التوبة: ٦٠]، خص عموم قوله - صلى الله عليه وسلم: « لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغَنيٍّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ».
وقوله: {فَقَٰتِلُواْ
ٱلَّتِي تَبۡغِي} [الحجرات: ٩]، خص عموم قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بالسيف، فالقاتِلُ والمقتولُ في النّارِ».
ثم قال السيوطي: فروع منثورة تتعلق بالعموم
والخصوص:
الأول: إذا سيق العام للمدح أو الذم، فهل هو باق على عمومه؟ فيه مذاهب:
أحدها: (نعم) إذ لا صارف عنه، ولا تنافي بين العموم وبين المدح أو الذم.
والثاني: لا؛ لأنه لم يسق للتعميم بل للمدح أو الذم.
والثالث: وهو الأصح: التفصيل، فهو إن لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن
عارضه ذلك، جمعا بينهما.
مثاله - ولا معارض - قوله
تعالى: {إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ *
وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ} [الانفطار: ١٣-١٤].
ومع المعارض قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ
هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ
أَيۡمَٰنُهُمۡ} [المؤمنون: ٥-٦]؛ فإنه سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعًا، وعارضه في ذلك: {وَأَن
تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ} [النساء: ٢٣]، فإنه شامل لجمعهم بملك اليمين، ولم يسق للمدح فحمل الأول على غير ذلك بأنه
لم يرد تناوله له.
ومثاله في الذم: {وَٱلَّذِينَ
يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ} [التوبة:
٣٤]، الآية فإنه سيق للذم وظاهره يعم الحلي المباح. وعارضه في ذلك حديث جابر: «ليسَ في الحليِّ زكاةٌ». فحمل الأول على
غير ذلك.
الثاني: اختلف في الخطاب الخاص به - صلى الله عليه وسلم، نحو:
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}،
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} هل يشمل الأمة: فقيل: نعم
لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا، والأصح في الأصول المنع لاختصاص الصيغة به.
الثالث: اختلف في الخطاب بــ {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ}، هل يشمل الرسول - صلى الله عليه وسلم؟ على
مذاهب، أصحها وعليه الأكثرون: نعم لعموم الصيغة له؛ أخرج ابن أبي حاتم عن الزهري
قال: إذا قال الله: "يأيها الذين آمنوا افعلوا" فالنبي - صلى الله عليه
وسلم - منهم.
والثاني: لا؛ لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره، ولما له من الخصائص.
والثالث: إن اقترن بـ(قل) لم يشمله لظهوره في التبليغ، وذلك قرينة عدم شموله؛ وإلا
فيشمله.
الرابع: الأصح في الأصول أن الخطاب بـ (أيها الناس) يشمل الكافر والعبد لعموم
اللفظ، وقيل: لا يعم الكافر بناءً على عدم تكليفه بالفروع. ولا العبد؛ لصرف منافعه
إلى سيده شرعًا.
الخامس: اختلف في (مَنْ) هل تتناول الأنثى؟ فالأصح نعم، خلافًا للحنفية. لنا قوله
تعالى: {وَمَن يَعۡمَلۡ
مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ} [النساء: ١٢٤]، فالتفسير بهما دال على تناول من لهما. وقوله. {وَمَن
يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ} [الأحزاب: ٣١].
واختلف في جمع المذكر السالم هل يتناولهما؟
فالأصح لا، وإنما يدخلن فيه بقرينة.
أما المكسور فلا خلاف في دخولهن فيه.
السادس: اختلف في الخطاب بـ {يَٰٓأَهۡلَ
ٱلۡكِتَٰبِ} [آل عمران: ٦٤]، هل يشمل المؤمنين؟ فالأصح لا؛ لأن اللفظ قاصر على من ذكر. وقيل: إن شاركوهم
في المعنى شملهم وإلا فلا.
واختلف في الخطاب بـ {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، هل يشمل أهل
الكتاب؟ فقيل: لا، بناءً على أنهم غير مخاطبين بالفروع، وقيل: نعم، واختاره ابن
السمعاني قال: وقوله: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} خطاب تشريف لا تخصيص [الإتقان
في علوم القرآن، للسيوطي: ج ٣ من ص ٤٨ إلى ص ٥٨.] أ. هـ.
وقوله في سادس هذه الفروع بما قال من اختيار ابن
السمعاني في نحو {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ} قد فصل الزركشي - رحمه الله - القول في هذه
القضية، وكشف فيه عن شبهة
ابن السمعاني، وأجاب عنها فقال
في كتابه البحر المحيط: "الخامسة [يعنى من مسائل اشتمال العموم على بعض ما
يشكل تناوله]: الخطاب بـ (يأيها المؤمنون) حكى ابن السمعاني في (الاصطلام) عن بعض
الحنفية أنه لا يشمل غيرهم من الكفار لأنه صريح، ثم اختار التعميم لهم ولغيرهم
لعموم التكليف بهذه الأمور، وأن المؤمنين إنما خصوا بالذكر من باب خطاب التشريف لا
خطاب التخصيص بدليل قوله تعالى، {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ} [البقرة: ٢٧٨]، وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الكلام في التناول بالصيغة
لا بأمر خارج. وقال بعضهم: لا يتناولهم لفظًا، وإن قلنا: إنهم مخاطبون إلا بدليل
منفصل أو من عدم الفرق بينهم وبين غيرهم، وإلا كيف يقال بعموم الشريعة لهم ولغيرهم، وأما حيث يظهر الفرق أو يمكن
معنى غير شامل لهم، فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم: لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل
والتعلق قدر زائد على الوجوب فلا يثبت في حقهم بغير دليل ولا معنى [البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي: (ج٣ ص
١٨٣)] أ. هـ. والله أعلم.