Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قصص القرآن

الكاتب

أ. د/ إبراهيم عبد الرحمن خليفه

قصص القرآن

في أعماق نصوص القرآن الكريم تنكشفُ لنا أروع القصص التي لا تَسْرِد فقط أحداثًا من الماضي، بل تحمل بين طياتها حِكمًا وأسرارًا للحاضر والمستقبل، هذه القصص ليست مجرد حكايات بلاغية، بل هي رسائل سامية تسير بهدوء في أعماق النفس البشرية، وتضع لنا خارطة طريق للفضيلة والتفكر.

مفهوم القصص القرآني

القصص: مصدر كالقص أو اسم مصدر منه، وقص فلان الشيء - من باب قتل - إذا تتبع أثره، وفي التنزيل: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [سوره القصص١١]، وخرج فلان في إثر فلان قصصًا ومنه: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [سورة الكهف ٦٤]، وقصَّ الخبر: حدث به على وجهه، والقِصة - بالكسر - الشأن والأمر، ولم يأت في القرآن لفظ القصة ولكن أتى لفظ (القصص): {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [سورة آل عمران ٦٢]، وسواء كان هذا اللفظ مصدرًا أو اسم مصدر فهو بمعنى المفعول؛ أي: الخبر المقصوص المحَدَّث به على وجهه.

أهم ميزات القصص القرآني

وقد أخطأ بعض الباحثين عندما يطلبون في القصص القرآني أن يستكمل أركان القصة بالمعنى المُحدَث التي هي مستمدة من الخيال ومبنية على قواعد فنون الكتابة [انظر: تاج العروس واللسان والمصباح المنير والمعجم الوسيط في هذه المادة]؛ وذلك لأنهم لم يفرقوا بين القصة بمعنى الحكاية والقصة بمعنى الخبر المحدث به على وجهه، والثاني هو المراد في القصص القرآني؛ لأن الأشخاص والزمان والمكان ليست بالضرورة أركانًا للخبر المحدث به.

فقد يبهم المكان والزمان، كما في قوله تعالى: {وَجَاۤءُوۤ أَبَاهُمۡ عِشَاۤءࣰ یَبۡكُونَ} [سورة يوسف ١٦].

وقد يبهم الزمان، كما في قوله تعالى: {ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ} [سورة يوسف ٩٩].

وقد يبهم الشخص أو الأشخاص، كما في قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ} [سورة القلم ١٧].

فالذي يجب وجوده في القصص القرآني هو الحدث والعبرة، أما بقية عناصر القصة المُحدثَة فإنما توجد بحسب الحاجة إليها وأهميتها في القصة (الخبر)، فلو كان للشخصية مدخل كبير في الحدث فإنها تُذكر كمريم - عليها السلام - في قصتها، والهدهد في قصة سبأ، وكثيرًا ما تأتي الشخصية بصورة التنكير كما في قصة النملة، لأن الحدث مبناه منطق النملة وسماع سليمان عليه السلام لها.

 وقد يهتم بإبراز الزمان كما في قصة أهل الكهف في قوله تعالى: {وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعࣰا} [سورة الكهف ٢٥] وكذلك في قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ} [سورة البقرة ٢٥٩] فالزمان المذكور إنما يُذْكَر بمقدار ما يحتاجه الحدث، وكذلك المكان كمصر والأحقاف والكهف وهذه تعدُ الميزة الأولى في القصص القرآني التي تميزه عن سائر القصص.

أما الميزة الثانية للقصص القرآني فهي الواقعية الصادقة الحقة، فليس فيه شيء من نسج الخيال والأساطير، أو ما يكذبه الواقع أو التاريخ، وسواء في هذا الصدق ما جاء لضرب المثل أو لم يكن كذلك، وإن جَوَز بعض علمائنا التقدير في الأول في المثل مع احتمال التحقيق، منهم: العلامة أبو السعود العمادي في قصة القرية الآمنة في سورة النحل [انظر: تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم أول آيات هذه القصة (جـ٥ صـ ١٤٤)]، وفي قصة الرجلين [السابق نفسه في أولى آيات هذه القصة (ص ٢٢١)]، ولكن هذا لا يصح فإن مجرد القراءة بدون تأمل تكشف زيف احتمال التقدير في القصتين؛ ولكن العلامة أبا السعود لم يكن يعلم أن خبث الطوية سيدفع بعضهم إلى ادعاء تبني الإسلام للأساطير متبعين في ذلك خطوات أعداء الإسلام.

وثالثة هذه الميزات تغيي القرآن في قصصه أسمى الغايات، فلا يستهدف كغيره من القصص الترويح ولا الإيناس حتى ولو طلب بعض أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ذلك، فيردهم القرآن عن ذلك بقوله تعالى: {نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ} [سورة يوسف ٣]، وكذلك عندما قالوا له: لولا حدثتنا، فنزل قوله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَٰبࣰا مُّتَشَٰبِهࣰا} [سورة الزمر ٢٣]، ورويت روايات أخرى في سبب نزول الآية - مع التسليم بفرض صحتها - نجد أن الصحابة إنما سألوا ذلك لدفع الملال، فدلهم - سبحانه - على أحسن القصص، وكذلك لا يقصد القصص القرآني سرد الأحداث التاريخية لمجرد ذكر التاريخ أو المساهمة في دراسات العمران البشري بل يقصد ما هو أسمى، وهو وضع المعيار لما يجب أن يكون وكيف تكون عاقبة من يخالفه.

ولقد استوفى صاحب (التحرير والتنوير) المزيد مما ذكرنا من ميزات القصص القرآني فقد ذكر أن القصص القرآني لا تقف أهدافه عند العبرة والعظة مما يقع لأهل الصلاح وأهل الفساد وعاقبة كل، بل يتعدى ذلك ليأخذ من كل قصة أشرفها وأسماها ليكون منزهًا عن التفكه؛ ولذلك تأتي القصص متفرقة على غير سنن كتب التاريخ لتناسب الفوائد العظيمة في كل موضع، وهذا يجعل القصة القرآنية تكتسب صفتين هما: صفة البرهان وصفة البيان.

وذُكر من ميزات القصص القرآني نسجه على أسلوب الإيجاز يجعله شبيهًا بالتذكير أقوى، مثال ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ * بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ * قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ} [سورة القلم ٢٦-٢٨]، فجاء قوله لهم موجزًا ليناسب مقام التذكير.

ومن ميزاته أيضًا التي ذكرها: طي ما يقتضيه الكلام الوارد في قوله تعالى: {وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ} [سورة يوسف ٢٥] فقد طوى حضور سيدها وطرقه للباب وإسراعهما إليه لفتحه.

 ومن ميزاته أيضًا: أنه – أي القصص - مثبت بأسلوب بديع إذ ساقها في مظان الإيقاظ مع المحافظة على الغرض الأصلي من التشريع فتوفرت في ذلك عشر فوائد:

الأولى: كانت غاية علم أهل الكتاب نقل أخبار الأولين، فلما جاء القرآن بقصصه متحديًا ومعجزًا لهم؛ لأن هذه الأخبار كان لا يعلمها إلا الراسخون في العلم منهم، فقال تعالى: {تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ } [سورة هود٤٩] فنفى عن المسلمين صفة الأمية التي ادعتها اليهود، وصفة الجهل التي ادعتها النصارى.

الثانية: تكليل هامة التشريع الإسلامي بذكر تاريخ المتشرعين وذلك من أدب الشريعة؛ لأنه لا يتعرض لقصص السابقين إلا لذكر ثبات إيمانهم وصبرهم، كما ذكر في قصة أهل الكهف، ولا يذكر نسبهم ولا حسبهم.

الثالثة: فائدة ظهور المثل العليا في الفضيلة وزكاء النفوس كفائدة من التاريخ وترتب الأحداث والعلاقة بين التعمير والتخريب والشر والخير.

الرابعة: عظة المشركين بإعلام ما حدث لأسلافهم ليعودوا لربهم: {فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف ١٧٦]

الخامسة: استخدام القصص القرآني الأسلوب التوصيفي والمحاورة الذي لم يعتده العرب، فهم يعترفون بأنه أسلوب بديع ولكنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله.

السادسة: توسيع علم العرب الذين كانوا يتصفون بالجهل والأمية باطلاعهم على أحوال الأمم السابقة ليساعدهم ذلك في تطهير أخلاقهم وتهذيبها.

السابعة: تعويد المسلمين على سعة العالم وعظمة الأمم، والاعتراف لكل ذي حق بحقه، فإذا علمت الأمة ذلك جمعت ميزات هذه الأمم وما يلائم حياتها.

الثامنة: إنشاء همة السعي إلى سيادة العالم في نفوس المسلمين كما سعت إلى ذلك أمم سابقة.

التاسعة: معرفة أن قوة الله فوق كل قوة فيساعد ذلك المسلمين على التمسك بوسيلتي البقاء الاستعداد والاعتماد، وهما وسيلتا السلامة.

العاشرة: تحصيل الفوائد التبعية مثل معرفة تاريخ التشريعات والحضارات، مما يفيد في الإلمام بفوائد المدنية، كعلمنا مثلًا بأن الشريعة القبطية كان يسترق فيها السارق من قصة يوسف في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ} [سورة يوسف ٧٦]..

من فوائد تكرار القصص القرآني

ثم أجاب عن تساؤل: لماذا لم يكتف بالقصة الواحدة في تحصيل المقصود منها؟ وما فائدة التكرار في سور كثيرة؟ فذكر أن هذا الهاجس قد يكون تطرق من المناهج الإلحادية في نظرتها للقرآن.

ولكننا نقول: إن القرآن أقرب إلى الوعظ منه إلى التأليف، فالخطيب لو قام يعظ وأعاد المعاني لم يعد الألفاظ، فالقرآن تارة تأتي فيه القصة للبرهان وتارة للتبيان، فتحقق بذلك مقاصد الخطبة والوعظ وتحقق معه مقاصد أخرى:

أحدها: الرسوخ في الأذهان.

الثاني: إظهار البلاغة بتعدد الأساليب البديعة في التعبير عن الغرض الواحد، وذلك وجه من وجوه الإعجاز.

الثالث: أن يسمع من تأخر إسلامه القصة التي نزلت في وقت سبق إسلامه؛ لأن سماعه للقصة عند نزولها أوقع في نفسه.

الرابع: لم يكن المسلمون كلهم يحفظون القرآن بأكمله؛ بل يحفظ البعض بعض السور، وعليه يكون من حفظ سورة فيها القصة لم يفت الآخر الذي حفظ سورة أخرى معرفة نفس القصة؛ لأنها مكررة في السورة التي حفظها.

الخامس: أن في كل مرة تكرر فيها القصة يذكر فيها ما لم يذكر في غيرها وذلك تجنبًا للتطويل ومناسبة للحالة المقصودة من سامعيها، فتارة تساق للمؤمنين، وتارة تساق للكافرين، وبذلك يتفاوت الأسلوب بين الإطناب والإيجاز على حسب المقام، فقصة موسى عليه السلام التي بُسطت في سورة طه والشعراء أُوجزت في سورة الفرقان في آيتين: {وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥۤ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِیرࣰا * فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَاۤ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِءَایَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِیرࣰا} [سورة الفرقان ٣٥-٢٦] انتهى تحرير الطاهر بن عاشور.

 ولا شك أن الفوائد التي ذكرها بعضها أعظم من بعض، وإن لاحظنا العموم عليها بحيث تشمل جميع القصص القرآني، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لكل قصة فائدتها الخاصة بها، ومن أراد ذلك فليطالع على سبيل المثال ما ذكره القاسمي في تفسيره لسورة يوسف في الآية الأخيرة منها.

مراجع للاستزادة

-إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم للعلامة أبي السعود العمادي، الطبعة الصادرة عن القاهرة.

-التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.

-تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، بتحقيق الشيخ محمد عوامة، منشورات دار الرشيد، سوريا حلب.

-جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري.

-الفن القصصي في القرآن للدكتور محمد خلف الله، الطبعة الصادرة عن القاهرة.

-القاموس المحيط لأحمد بن محمد الفيروز آبادي وشرحه تاج العروس لمحمد مرتضى الزبيدي.

-القصص القرآني في مفهومه ومنطوقه للأستاذ عبد الكريم الخطيب، منشورات دار المعرفة، بيروت.

-المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم وتلخيصه للحافظ الذهبي.

-محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي، منشورات مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان.

-المعجم الوسيط من وضع مجمع اللغة العربية، القاهرة.

الخلاصة

القصص في القرآن الكريم هو نقل للحقائق والأحداث الحقيقية، حيث يهدف إلى تقديم العبر والدروس الإيمانية بدلًا من التسلية، ويركز على الواقعية والصدق، ويعزز الوعي الديني والتشريعي، كما يقدم فوائد تربوية هامة، مثل تعزيز الأخلاق وفهم تاريخ الأمم السابقة والتوجيه نحو سلوكيات صحيحة.

موضوعات ذات صلة

المحاورة والجدل في القرآن الكريم يعتبران من أهم وسائل تبادل الأفكار وتوضيح الحقائق

كانت الكتابة محدودة الانتشار بين العرب في صدر الإسلام، مما أثر على كيفية تدوين القرآن الكريم واختلاف رسم كلمات

الإعراب هو بيان معاني الكلمات والجمل باستخدام القواعد النحوية، وهو ضروريٌ لفهم القرآن الكريم فهمًا دقيقًا

موضوعات مختارة