الأقسام الممكنة في مسألة حمل المطلق
على المقيد أو عدمه تأتي من النظر إلى الحكم والسبب في المطلق والمقيد، وهما:
المطلق والمقيد إمَّا أن يتفقا في الحكم والسبب، وإمَّا أن يختلفا فيهما، وإمَّا
أن يتفقا في الحكم ويختلفا في السبب أو العكس، فالأقسام أربعة، وكل قسم منها إمَّا
أن يكون المطلق والمقيد مثبتين وإمَّا منفيين، وإمَّا أحدهما مثبتًا والآخر منفيًّا.
فمجموع الأقسام: اثنا عشر قسمًا من ضرب أربعة في ثلاثة، فما اختلفا فيه في الحكم
والسبب فلا يحمل المطلق على المقيد فيه باتفاق، وبهذا ذهبت أقسام ثلاثة وبقيت
تسعة، يظهر الحكم فيها من كلام ابن السبكي وشارحه المحلي، مع ملاحظة حمل ما لم
يذكر من هذ الفصل على ما ذكر.
قالا - رحمهما الله: (مسألة المطلق
والمقيد كالعام والخاص) فما جاز تخصيص العام به يجوز تقييد المطلق به، وما لا فلا،
فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب وبالسنة، والسنة بالكتاب والسنة، وتقييدهما بالقياس
والمفهومين وفعل النبي - عليه الصلاة والسلام – وتقريره بخلاف مذهب الراوي، وذكر
بعض جزئيات المطلق على الأصح في الجميع.
(و) يزيد المطلق والمقيد (أنهما إن
اتحد حكمهما وموجِبهما) بكسر الجيم؛ أي سببهما (وكانا مثبتين) كأن يقال في كفارة
الظهار: أعتق رقبة مؤمنة (وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو)؛ أي المقيد (ناسخ)
للمطلق بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد (وإلا) بأن تأخر عن وقت الخطاب بالمطلق دون
العمل أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقًا أو تقارن أو جهل تاريخهم حمل المطلق عليه؛ أي:
على المقيد جمعًا بين الدليلين (وقيل: المقيد ناسخ) للمطلق (إن تأخر) عن وقت
الخطاب به كما لو تأخر عن وقت العمل به بجامع التأخر، (وقيل: يحمل المقيد على
المطلق) بأن يلغي القيد؛ لأن ذكر المقيد ذكر الجزئي من المطلق فلا يقيده، كما أن
ذكر فرد من العام لا يخصصه.
قلنا: الفرق بينهما أن مفهوم القيد حجة
بخلاف مفهوم اللقب الذي ذكر فرد من العام منه، كما تقدم.
(وإن كانا منفيين) يعني: غير مثبتين
(منفيين أو منهيين) نحو: لا يجزي عتق مكاتب. لا يجزي عتق مكاتب كافر، لا تعتق
مكاتبًا، لا تعتق مكاتبًا كافرًا (فقائل المفهوم) أي القائل بحجية مفهوم المخالفة،
وهو الراجح يقيده به؛ أي يقيد المطلق بالمقيد في ذلك، (وهي)؛ أي المسألة حينئذ (خاص
وعام) لعموم المطلق في سياق النفي، ونافي المفهوم يلغي القيد ويجري المطلق على
إطلاقه (وإن كان أحدهما أمرًا والآخر نهيًا)، نحو: أعتق رقبة، لا تعتق رقبة كافرة،
أعتق رقبة مؤمنة، لا تعتق رقبة (فالمطلق مقيد بضد الصفة) في المقيد ليجتمعا،
فالمطلق في المثال الأول مقيد بالإيمان، وفي الثاني مقيد بالكفر.
(وإن اختلف السبب مع اتحاد الحكم) كما في
قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحۡرِيرُ
رَقَبَةٖ} [المجادلة: ٣]، وفي كفارة القتل: {فَتَحۡرِيرُ
رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ} [النساء: ٩٢]، فقال أبو حنيفة: "لا يحمل المطلق
على المقيد في ذلك لاختلاف السبب، فيبقى المطلق على إطلاقه"، وقيل: يحمل عليه
(لفظا)؛ أي بمجرد ورود اللفظ المقيد من غير حاجة إلى جامع. وقال الشافعي - رضي
الله عنه - يحمل عليه قياسًا فلا بد من جامع بينهما، وهو في المثال المذكور حرمة
سببهما؛ أي: الظهار والقتل.
(وإن اتحد الموجب) فيهما واختلف حكمهما
كما في قوله تعالى في التيمم: {فَٱمۡسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ} [النساء: ٤٣]، وفي الوضوء {فَٱغۡسِلُواْ
وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ} [المائدة: ٦] والموجب لهما الحدث واختلاف الحكم من
مسح المطلق وغسل المقيد بالمرافق واضح (فعلى الخلاف) من أنه لا يحمل المطلق على
المقيد، أو يحمل عليه لفظًا أو قياسًا وهو الراجح، والجامع بينهما في المثال
المذكور اشتراكهما في سبب حكمهما.
والمقيد في موضعين (بمتنافيين) وقد
أطلق في موضع، كما في قوله تعالى في قضاء أيام رمضان
{فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ} [البقرة: ١٨٤]، وفي كفارة الظهار {فَصِيَامُ
شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ} [المجادلة: ٤]، وفي صوم التمتع {فَصِيَامُ
ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ } [البقرة: ١٩٦]، (يستغنى) فيما أطلق فيه عنهما إن لم يكن
أولى بأحدهما من الآخر قياسًا) كما في المثال المذكور بأن يبقى على إطلاقه لامتناع
تقييده بهما لتنافيهما، وبواحد منهما لانتفاء مرجحه فلا يجب في قضاء رمضان تتابع
ولا تفريق، أما إذا كان أولى بالتقييد بأحدهما من الآخر من حيث القياس كأن وجد
الجامع بينه وبين مقيده دون الآخر قيد به بناء على الراجح من أن الحمل قياس، فإن
قيل: لفظي، فلا.
وقول ابن السبكي - رحمه الله - في شأن ما اتحد
فيه السبب والحكم واختلف المطلق والمقيد نفيًا وإثباتًا: (فالمطلق مقيد بضد الصفة)
علق عليه العلامة الشربيني فقال: "ظاهره أنه لا نسخ هنا، وإن تأخر المقيد عن
وقت العمل، والظاهر خلافه، فلعل معناه: أنه مقيد بضد الصفة، ثم إن تأخر عن العمل
كان نسخًا وإلا كان تقييدًا" أهـ.
ثم لا يخفى بعد هذا على فطانة القارئ الكريم أن
شأن ما اختلف فيه السبب دون الحكم أو الحكم دون السبب شأن ما اتحدا فيه من حيث
تفصيل الإثبات والنفي لكن مع بعض فروق طفيفة تطلب من مراجعة تقريرات العلامة الشربيني
في هذ المقام. [انظر: المصدر نفسه، (ص ٤٨، ص ٥٢)]
بقي أن يقف القارئ الكريم على ثاني التنبيهين
اللذين ختم بهما السيوطي حديثه الموجز عن هذ النوع من علوم القرآن قال - رحمه
الله: (ما تقدم - يعني من حمل المطلق على المقيد وعدمه - محله، إذا كان الحكمان
بمعنى واحد، وإنما اختلفا في الإطلاق والتقييد؛ فأما إذا حكم في شيء بأمور ثم في
آخر ببعضها، وسكت فيه عن بعضها، فلا يقتضى الإلحاق، كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة في
الوضوء وذكر في التيمم عضوين، فلا يقال بالحمل، ومسح الرأس والرجلين بالتراب فيه –
أيضًا - وكذلك ذكر العتق والصوم والإطعام في كفارة الظهار، واقتصر في كفارة القتل
على الأولين، ولم يذكر الإطعام، فلا يقال بالحمل وإبدال الصيام بالطعام.[الإتقان في علوم القرآن(ج٣ ص ١٠٣)]