(الموصول لفظًا المفصول معنىً)، هو نوع دقيق من التراكيب القرآنية؛ لذا أفرده السيوطي لما فيه من دقائق بلاغية تُظهر إعجاز البيان القرآني وتدفع الإشكالات التفسيرية.
(الموصول لفظًا المفصول معنىً)، هو نوع دقيق من التراكيب القرآنية؛ لذا أفرده السيوطي لما فيه من دقائق بلاغية تُظهر إعجاز البيان القرآني وتدفع الإشكالات التفسيرية.
أفرد السيوطي نوعًا وذكر أنه جدير بالإفراد بالتصنيف، وبه تحصل فوائد وحل إشكالات، وحاصل هذا النوع في أمرين:
أحدهما: أن يتبادر معنى لا يصلح أن يكون مرادًا ويندفع الإشكال بحمله على آخر.
ثانيهما: أن يتوهم أن صاحب الكلام واحدٌ، فيندفع هذا التوهم ببيان قائله.
والمعنى الجامع لهما هو: قطع آخر الكلام عن أوله لحكمة.
ومن مثل الأمر الأول التي صدّر بها السيوطي بحثه قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ} [سورة الأعراف:١٨٩] حتى قوله: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} [سورة الأعراف:١٩٠].
فالحديث في قصة آدم كما جاء التصريح بذلك، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس بسند صحيح، وعند أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا.
ولكن آخر الآية مشكل لما فيه من نسبة الإشراك لآدم، وهناك من حمل الآية على غير آدم، وعلّل الحديث- أي جعله معلولًا- وحكم بنكارته، وحاصل ما دَفع به السيوطي الإشكال مستندًا إلى قولي: السدي وأبي مالك أن قوله تعالى: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} [سورة الأعراف:١٩٠]، مفصولٌ عما قبله وهو مختص بمشركي العرب.
ثم نقل السيوطي ثلاث روايات عند ابن أبي حاتم بهذا المعنى فاتضحت المعضلة.
ويوضح ذلك تحول الضمير من التثنية العائد لآدم وحواء في قوله تعالى: {ءَاتَىٰهُمَا} إلى الجمع في قوله تعالى: {يُشۡرِكُونَ}.
وأرى أن الإشكال ما زال قائمًا؛ لقوله تعالى: {جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ} [سورة الأعراف:١٩٠].
ومن خير ما وقفت عليه في تفسير هذه الآية ما قاله جمال الدين القاسمي في تفسيرها حيث ذكر تنبيها: بأن هذه الآية سيقت لتوبيخ المشركين في جنايتهم بالشرك، وذلك أن الله أنعم عليهم بالخلق، وجعل الزوج للسكينة، فتتدرج في الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة، ثم أخذ المواثيق عليهم إن آتاهم ما يطلبون أن يشكروه ولا يكفروا.
ونقل عن المفسرين أحاديث وآثار تشير إلى أن المراد من القصة آدم وحواء، وحكم على هذه الروايات بأنها واهية معللة، ونقل ذلك عن الحافظ ابن كثير، وقال: إنها من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب.
ثم بين ما ارتضاه في تفسير الآية الذي قاله غير واحد، منهم الحسن وهو: أن المَعْنِيَّ به: ذرية آدم ومن أشرك بعدهم، ونقل تحسين ابن كثير لهذه الروايات عن الحسن، ونقل عن القفال أن القصة على جهة ضرب المثل، ونقل عن الناصر في الانتصاف متعقبًا على الزمخشري: "الأسلم أن يكون المراد جنس الذكر والأنثى، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم موحدون من باب "بنو فلان قتلوا قتيلًا" فالنسبة للبعض". [محاسن التأويل: ج ٣ ص ٦٧٨: ٦٨٠].
والحاصل: أنه إن أريد بالنفس الواحدة الأب وزوجها الأم بما يشمل كل أم وأب فلا إشكال، وإن أريد آدم وحواء فالوجه أن في الكلام استخدام. [انظر: التحرير والتنوير (ج ٩ ص ٢١٠) فما بعدها]. ـ وهو محسن بديعي- بأن يعود الضمير في يسكن على آدم، وفي إليها إلى حواء، ثم يعود في أول الضميرين في يغشاها للذكر وثانيهما للأنثى، فينحل الإشكال بالكلية.
ثم إن السيوطي نقل مثلًا لمثل ما قاله، ولكنه لا يسلم في سورة يوسف في قول امرأة العزيز: {ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} [سورة يوسف:٥١].
والصحيح الذي نذهب إليه: أن الجميع كلام امرأة العزيز، وإن كان الأكثرون على أن كلامها انتهى عند قوله: {وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ} فليس في الكلام وصل وفصل في آية يوسف. [انظر: هذا النوع في الإتقان ج ١ ص ٣٠٩: ٣١٢].
ـ مراجع الاستزادة
١ـ الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي.
٢ـ التبيان في أقسام القرآن، لشمس الدين ابن القيم، ط دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
٣ـ التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور.
٤ـ تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير.
٥ـ الجامع الصحيح، للبخاري.
يلخص السيوطي مفهوم (الموصول لفظًا المفصول معنىً) في البلاغة القرآنية، حيث يكون الكلام متصلًا ظاهريًّا لكن معناه مقطوع عن سابقه لحكمة، ويهدف هذا النوع إلى دفع توهمات غير مقصودة، مثل نسبة الإشراك لآدم في سورة الأعراف، أو توضيح قائل الكلام كما في قصة امرأة العزيز في سورة يوسف، مما يحل إشكالات تفسيرية.
يُعدّ الإعجاز البياني في القرآن الكريم من أبرز وجوه إعجازه؛ إذ بهر العرب بفصاحته وأسلوبه الفريد
لقد تكفَّل الله عز وجل بحفظ كتابه الكريم من أي تغيير أو تحريف منذ نزوله على النبي -صلى الله عليه وسلم
كانت الكتابة محدودة الانتشار بين العرب في صدر الإسلام، مما أثر على كيفية تدوين القرآن الكريم واختلاف رسم كلمات