هذا هو الإطلاق اللغوي الرابع، وهو الإطلاق
الوحيد في عرف التخاطب الأممي العام، وعلى هذا التعريف اللغوي يمكننا أن نعرف
ترجمة القرآن بأنها: نقل القرآن من لغته العربية إلى لغة أخرى، أو هي: التعبير عن
معاني ألفاظه العربية ومقاصدها، بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعاني
والمقاصد.
وإن
لوحظ فيها ترتيب ألفاظ القرآن فهي الترجمة الحرفية أو اللفظية أو المساوية، وإن لم
يلاحظ فيها هذا الترتيب فتلك ترجمة القرآن التفسيرية أو المعنوية، وهذا النوع لا
يجوز، فهو مستحيل عادةً وشرعًا.
أما
كونها مستحيلة عادة؛ فلأنه لا بد وأن يتحقق منها الوفاء بجميع معاني القرآن
الأولية والثانوية، وبجميع مقاصده وهذا مستحيل عادة، ولأن الترجمة بهذا المعنى مِثْلٌ
للقرآن، ومثله مستحيل كما نعلم من آيات التحدي.
وأما
كونها مستحيلة شرعًا؛ فلأن طلب المستحيل العادي حرمه الإسلام؛ لأنه ضرب من العبث
وتضييع للوقت والمجهود في غير طائل، ولأن محاولة هذه الترجمة فيها ادعاء عمل
لإمكان وجود مثل للقرآن وهو تكذيب شنيع لصريح الآية: {قُل
لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ
لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا}. [الإسراء:
٨٨]، [انظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ۱۰۹/۱ المكتبة الثقافية بيروت ۱۹۷۳ -
البرهان في علوم القرآن للزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٤٦٤/١ عيسى الحلبي
الطبعة الأولى ١٣٧٦هـ / ١٩٥٧م - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢٣٦:٢٣٢/١ فيصل
عيسى الحلبي – كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٦٧/١. دار الكتاب العربي الطبعة الأولى
١٤١١هـ / ١٩٩١م - المحلى لابن حزم الظاهري ٢٥٤/٣ - المجموع للنووي ۳۷۹/۲. المدونة
برواية سحنون ٦٢/١ - المغني لابن قدامة ٠٥٢٦/١]
وإن
طلب محاولة هذا النوع فيه تشجيع للناس على انصرافهم عن القرآن والتماس بدل أو
أبدال يزعمونها ترجمات له، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر شرعية واجتماعية ولغوية.
هذه هي المعاني الأربعة التي يدور حولها معنى
لفظ الترجمة لغة أو عرفًا.
أما
لو نظرنا إلى تقسيم الترجمة إلى حرفية وتفسيرية أو معنوية، فنرى أن الترجمة
الحرفية مستحيلة عادة وشرعًا؛ لأن زاعمها يكون آتيًا ببدل أو مثل للقرآن وهو
مستحيل لا يجوز بحال.
وأما الترجمة التفسيرية أو المعنوية، وهي
التي يقوم فيها المترجم بترجمة تفسير معين للقرآن الكريم مع ملاحظة شروط الترجمة
وشروط التفسير فهي جائزة عادة وشرعًا، وعلى ذلك فهي لا تسمى ترجمة للقرآن بل تسمى
ترجمة تفسير القرآن أو ترجمة معاني تفسير القرآن الكريم.
تتمة: لو نظرنا إلى
معاني القرآن الكريم بنوعيها: المعنى الأصلي الأولي، والمعنى الثانوي التابع،
لوجدنا أن ترجمة القرآن بمعنييه هذين -معًا- مستحيلة -أيضًا- لأن المعاني الثانوية
والتابعة هي مظهر إعجاز القرآن، وهي المتحدى بها، ولا يحيط بها لسان عربي فضلًا عن
لسان أجنبي.
أما
ترجمة المعنى الأصلي والأولي فقط فهذا جائز وميسور في أغلب الأحيان، خلافًا للمعنى
الثانوي فهو غير مستطاع بحال من الأحوال.