يعد الأستاذ عبد الله عفيفي من أبرز الشخصيات الفكرية والأدبية في عصره، إذ أثرى المكتبة العربية بمجموعة من المحاضرات القيمة التي ألقاها على طلابه، وتميزت تحليلاته بعمقها ودقتها، خاصة فيما يتعلق بحديثه عن الإعجاز القرآني، في كتابه (زَهْرات منثورة).
يعد الأستاذ عبد الله عفيفي من أبرز الشخصيات الفكرية والأدبية في عصره، إذ أثرى المكتبة العربية بمجموعة من المحاضرات القيمة التي ألقاها على طلابه، وتميزت تحليلاته بعمقها ودقتها، خاصة فيما يتعلق بحديثه عن الإعجاز القرآني، في كتابه (زَهْرات منثورة).
كان الأستاذ عبد الله عفيفي من كبار أدباء عصره، وقد ألقى محاضرات على طلبة كلية الشريعة في الأدب العربي، جمعها تحت عنوان (زَهْرات منثورة)، وقد خَص القرآن الكريم والحديث النبوي بتحليل دقيق، وتعرَّض لحديث الإعجاز القرآني، فبسطه بسطًا شافيًا، ننقل خلاصته: ذكر الأستاذ أوجهًا كثيرة للإعجاز، في مقدمتها هذه القوة الروحية التي تسيطر على المشاعر، وتأخذ بالألباب، وهو مسبوقٌ في هذا الوجه بالأستاذ محمد فريد وجدي، وقد بسطنا القول فيه من قبل.
أما الوجه الثاني من الإعجاز فقد قال فيه: إن العرب لم يكونوا يحسنون من فنون النثر إلا الأسلوب الخطابي الذي يعتمد على التأثير في النفس باللفظ الفخم والقول المردد؛ ولكنهم لم يكونوا من كثير من الأسلوب المنطقي الذي ينتقل من المقدمات إلى النتائج، وينفذ من المعلوم إلى المجهول، أما الأسلوب العلمي الذي تُساق فيه الحقائق العلمية من أيسر السبل، وأقرب الموارد، فذلك لم يكونوا منه في شيء، فجاء القرآن ليواجههم بالأسلوب المنطقي والأسلوب العلمي معًا، في سلاسل مفرغة الحلقات، محكمة الصوغ، لا وَهىّ بها، ولا انقطاع لها، فوقفَهم بذلك بين شعاب متشابكة لا يستطيعون النفاذ إلى مكنونها[ زهرات منثورة في الأدب المربى ص٥٢ للأستاذ عبد الله عفيفي، ط مصطفى الحلبي، ١٩٣٢م].
وقد استشهد الأستاذ لذلك بالآيات الست الأولى من سورة الحج، وبيّن ما بها من أدلة عقلية وأفكار علمية بيانًا شافيًا، ثم قرنها بأفصح خطبة قيلت في العصر الجاهلي، وهي خطبة قس بن ساعدة الأيادي التي يقول فيها: "ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرَضوا بالمقام فأقاموا، أم تُركوا هناك فناموا"؛ ليؤكد أن الخطيب الجاهلي قد اعتمد على التأثير العاطفي وحده، أما آيات القرآن فقد جمعت العاطفة والعقل والعلم في أسلوب سهل ميّسور، وأزيد على ذلك بأنها جمعت من التصوير البياني ما لم يُعهد من قبل، ويتجلّى ذلك في قوله عز وجل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ * يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ } [الحج: ١-٢]، وبعد أن شرح الأستاذ الآيات شرحًا أدبيًا مصوِّرًا ما تتضمنه من تفوق البلاغة الرفيعة، قال: "هذا هو الأسلوب الخطابي الذي بلغ الغاية العليا بكل ما في الخطابة من تأثير، فإذا ملأت منه يدك، ورويت نفسك، فاستمع حديث المنطق والعلم في قوله جل شأنه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ} [الحج: ٥] إلى آخر الآية، فقد ساق الله دليلين لا يقبلان الشك، في الوجود بعد الهمود، والحياة بعد الممات، وفي الحالتين استحال التراب بما فيه من الحياة الكامنة، إلى خلق حي يزداد على الأيام نموًا وسموًا، فتأمل كيف كشف الله حجاب العلم في قوله تعالى: {مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ }[الحج: ٥]، فهو سبحانه وتعالى يُسقط هذه المضغ من الأرحام، ليشرح للإنسان كيف كانت أوّليتُه.
ففي هذه الآيات بسط لأدوار التكوين الإنساني بما لا يمكن للعرب أن يأتوا بمثله؛ لأنه أتاهم بعلم ما لا يعلمون، ومن الدقة البديعة في الأسلوب العلمي تعبيره عز وجل عن تضام ذرات الأرض المتشابهة، واختمارها بعد الحرث والبذر والري، بقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ } [الحج: ٥] ثم انظر إلى ما وصل إليه المنطق من جمع الأدلة وسياق المدلول، أو تقديم الأمثلة، وتأخير الدعوى في قوله تعالى بعد أن ساق الدليلين المنطقيّين: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ} [الحج: ٦-٧]، وهذا كله وأشباهه مما لا قِبل للعرب به، ولا طوق لهم بتحديه.
هذا لباب ما قاله الأستاذ عبد الله عفيفي، وكان له صدى بعيد بين الدارسين، وطبيعي أن يَلقَى معارضة من ذوي النقد، فالآراء لا تستقر دون معارضة يتبعها التمحيص، وقد عارضه الأستاذ الكبير محمود مصطفى، أستاذ الأدب بكلية اللغة العربية، فذكر أن العرب كانت تعرف هذين اللونين من الأسلوب المنطقي والأسلوب العلمي، والدليل على ذلك أنهم لو كانوا يجهلونهما ما كان لهما وقع في نفوسهم؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا، [الأدب العرب وتاريخه جـ١/ ص٤٢ للأستاذ محمود مصطفى، طبعة عيسى الحلبي]، وقد ساق خُطبة منحولة قيلت على لسان قَبيصة بن نعيم حين وفد على كسرى.
وألفاظ الخطبة وترتيبُها يدل على إسلاميتها، وأن المعاني مما جاء به القرآن الكريم، هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى، فإن خطبة قبيصة المنحولة تخلو من الأسلوب العلمي الذي أشار إليه الأستاذ عبد الله عفيفي، فكيف يقال: إن العرب كانت تعرف هذين الأسلوبين؟
أما القول بأن العرب لو كانوا يجهلون هذا الأسلوب ما قبلوه فممّا لا يستقيم مع النظر الصحيح؛ لأن الجديد الطريف لا يُرفض بداهة عند ذوي العقول، وقد جاء عصرنا الحاضر بفنونٍ من القول لم تكن معروفة في الأدب العربي مثل الشعر التمثيلي، فلاقت الترحيب المشجع، وما زال الجديد يَفد كلّ يوم بثماره المشتهاة.
أما الوجه الثالث من وجوه الإعجاز عند الأستاذ عبد الله عفيفي فهو الإفاضة فيما كان يجهله العرب من أحداث التاريخ من قبل ومن بعد، فأخبار الأمم السابقة لم تكن معروفة لدى العرب، وقد قال الله عز وجل: {تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَا} [هود: ٤٩]، ولو كان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمون شيئًا من هذه الأنباء لصاحوا به، نحن نعلم، ولكن كان قصاراهم أن يقولوا: {أَسَاٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا} [الفرقان: ٥٠].
وندع أخبار التاريخ إلى ما استفاض به القرآن من أمور التشريع، فقد كان العرب في جاهليتهم لا ينزعون إلى شريعة مفروضة، فجاءهم القرآن من جانب التشريع بما دُهشوا به؛ كذلك لم يكونوا يعرفون شيئًا عن المعاد وأمور البعث والحساب والملائكة والجن والجنة والنار، فأتى لهم بما يجهلون.
ثم هذا التصوير الأدبي الرائع الذي أعجزهم كل الإعجاز في مثل قول الله: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ} [النور: ٣٥]، ولم يَسُق الأستاذ هذه الآيات مجردة من التحليل الأدبي الشائق، والعرض الأسلوبي البديع؛ بل بلغ من ذلك مبلغا حميدًا -رحمه الله.
عبد الله عفيفي من كبار الأدباء الذين اهتموا بتحليل الإعجاز القرآني في كتابه (زهرات منثورة)، تناول فيه بعض أوجه للإعجاز القرآني: القوة الروحية التي تسيطر على المشاعر، والأسلوب المنطقي والعلمي الذي تفوق به القرآن على أساليب العرب الخطابية، والإفاضة في التاريخ والتشريع بما لم يكن معروفًا للعرب.
كتاب "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز يعالج موضوع إعجاز القرآن بأسلوب يجمع بين العمق العلمي والرقي الأدبي
محمد فريد وجدي علمٌ من أعلام الفكر الإسلامي فسر سرّ الإعجاز القرآني بأنه روحٌ من عند الله، والروحُ لا تفقد تأثيرها
مصطفى صادق الرافعي يُعتبر واحدًا من أبرز الشخصيات؛ التي تناولت دراسة الإعجاز القرآني في العصر الحديث