Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإعجاز المعاصر: (الدكتور محمد عبد الله دراز)

الكاتب

أ. د/ محمد رجب البيومي

الإعجاز المعاصر: (الدكتور محمد عبد الله دراز)

كتاب "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز يعالج موضوع إعجاز القرآن بأسلوب يجمع بين العمق العلمي والرقي الأدبي، ويركز الكتاب على الخصائص الفريدة للقرآن الكريم التي تعكس إعجازه في الجانب الأسلوبي والمعنوي، ويبين كيف أن القرآن يظل كتابًا متجددًا يلهم الأجيال ويثري العقول عبر الزمن.

التعريف بكتاب النبأ العظيم

ألّف الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز كتاب "النبأ العظيم" ليثبت إعجاز القرآن بما لا يدع مجالًا للريب، والكتاب في القمة من الأدب العالي (وقد طبع عدة مرات، ويجب أن يكون في مكتبة كل مسلم) لما تضمن من حقائق جديدة، أكثرها من بنات فكره الخاص مع تمتعه بأسلوب نادر يجذب القارئ حتى ليخاله شعرًا. (وهو أقرب إلى نفوس كثير من القراء من كتاب الرافعي رحمه الله؛ لأنّ الرافعي يتعمق في التصوير والتعبير حتى يحوج القارئ إلى التثبت، أما النهر المتسلسل الدفاق فهو ما انهمر من يراع الدكتور دراز، وكأنه غيث نزل من السماء فأحيا به الله الأرض).

البيان والإجمال

لقد رَصًدً المؤلف الخصائص القرآنية للأسلوب البياني في كتاب الله فحدّدها في أربعة أمور هي سر الإعجاز، وأول هذه الخصائص هو (البيان والإجمال معًا) [النبأ العظيم تأليف الدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٢٨].

فهما خارقة عجيبة من خوارق التعبير؛ لأن الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع إلى تأويل، وإذا أجملوها ذهبوا بها إلى الإبهام أو الإلباس، ولا يكادُ يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد، ولكنك تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف والملاسة والإحكام، والخلو من كل غريب عن الغرض، ما يتسابق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر، أو استعارة حديث كأنك لا تسمعُ كلامًا ولغاتٍ؛ بل ترى صورًا وحقائق ماثلة، ثم يخيّل إليك أنك أحطت به خبرًا، ووقفت على معناه محدودًا، ولكن لو رجعت إليه كرةً أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إليه فهمك أول مرة، حتى ترى للجملة الواحدة، أو الكلمة الواحدة وجُوهًا عدّة كلها صحيحة، أو محتملة الصحة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة، بهرتك بألوان من الطيف، لا تدري ماذا تأخذ منها وما تدع.

ولعلّك لو وكلت النظر فيها لغيرك لرأى فيها أكثر مما رأيت، وهكذا نجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ منه كل فرد ما تيسّر له؛ بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال، ألم تر كيف وسع الفرق الإسلامية على اختلاف وسائلها في القديم والحديث، وهو على لينه للعقول والأفهام صلبٌ متين، لا يتناقض ولا يتبدل، يحتج به كل فريق لرأيه، ويدّعيه لنفسه، وهو في سمّوه فوق الجميع يطلّ على معاركهم حوله، وكأنّ لسان حاله يقول: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء:٨٤].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة

وثانية هذه الخصائص هي (إقناع العقل وإمتاع العاطفة) [النبأ العظيم ص ١٢٤]: والحديث عن اجتماع العقل والعاطفة في أسلوب واحد لا يقنعُ به إلا دارسٌ مكين تغلغل في خواني علم النفس، فاهتدى إلى أسرارٍ صارت مصباحًا في يده يضيء الطريق، فقد عرفنا كلامَ الحكماء والعلماء، وعرفنا كلامَ الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء وهؤلاء إلا غلوًا في جانب وقصورًا في جانب، فأما الحكماء فإنهم يؤدون إليك ثمار عقولهم، غذاء لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك، واختلاب عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم، لا يأبهون لما فيها من جفاف وعرى، ونُبُوّ عن الطباع.

أما الشعراء فيسعوْن إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، ولا يبالون بما صَوّروه لك أن يكون غيًّا أو رشادًا، وأن يكون حقيقة أو تمثيلًا، فتراهُم جادين وهم هَازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطربون وإن كانوا لا يَطربون، وكل امرئ حين يفكر إنما هو فيلسوف صغير، وكل امرئ حين يحس إنما هو شاعر صغير، فهل رأيتم أحدًا تتكافأ فيه قوة التفكير، وقوة الوجدان، وسائر القوى النفسية على حد سواء، وإذا كانت الإجابة بالنفي، فكيف تطمعُ من إنسان أن يهبَ لك الدربتين معًا، وهو لم يجمعهما في نفسه على حد سواء، وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من تلك الأحوال.

هذا مقياسٌ تستطيع أن تتبيّن به كل إنسان، وحُكمُ أي القوَتين كان خاضعًا لها حين قال وكيّف، فإذا رأيتَه يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية، أو وصف طريقة عملية، قلت: هذه ثمرة الفكرة، وإن رأيته يعتمد إلى تحريض النفس، أو تغييرها وقبضها وبسطها، واستثارة كوامن لذاتها وآلامها، قلت: هذه ثمرة العاطفة، فإذا رأيته انتقل من أحد هذين الضّربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطرًا من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عَرفتَ ذلك من تعاقب الشعور والتفكير على نفسه، فأما أن أسلوبًا واحدًا يتجه اتجاهًا واحدًا، ويجمعُ بين يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أزهارًا وأثمارًا وأوراقًا معًا، وكما يَسري الروح في الجسد، والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا نظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية، فمن لك بهذا الكلام الذي يحيي من الحقيقة البرهانية الصارمة بحيث يُرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، وبين المتعة الوجدانية بحيث يرضي هؤلاء الشعراء المرحين؛ ذلك الله رب العالمين، فهذا الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان واحد، وأن يخرج الحق والجمال معًا يلتقيان فلا يبغيان. 

هذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت؛ ألا تراه في نسجه قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟ ألا تراهُ وهو في معمعة براهينه وأحكامه، لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، يبث الله ذلك في مطالع آياته، ومقاطعها وتضاعيفها.

خطاب العامة والخاصة

وثالثة هذه الخصائص القرآنية لدى الدكتور دراز هي ما حصره الباحث في (خطاب العامة والخاصة). [النبأ العظيم ص١٢٣].

إذ هذان الخطابان يمثلان غايتين أخريين متباعدتين عن الناس، فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه في الخطاب لأنفسهم، ولو أنك خاطبت العامة باللمح والإشارة لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك إذا أردت أن تُعطي كلتا الطائفتين حظها من كمال بيانك أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى، فأما أن جملة واحدة تُلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقدرة على قياس عقله، وعلى وفق حاجته، فذلك ما لا تجده إلا في كتاب الله.

القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى

أما الخاصية الرابعة، فهي (القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى)، فقد جلاها الدكتور أحسن تجلية واستشهد لها بآيات كريمة أحسن تحليلها وإيضاح مراميها، ولا يحسن تلخيصُ ما جاء به هنا، لأنّه يُطفئ من نور الكتاب إذا أوجز واختصر، فليرجع القارئ إليه.

ولا بدّ من كلمة حق تقال، هي أن الدكتور -رحمه الله- مبتكر مبدع في أكثر ما انتحاه من التحليل، وبذلك أضاف كتابه ثروة طريفة للدراسات القرآنية الجادة، ثم هو بذلك يعطي المثل لمن يريد أن يبحث وجوهًا من الإعجاز القرآني، إذ لا يقتصر على الترديد، بل يحاول أن يأتي بالجديد. 

الخلاصة

كتاب النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز يُعدّ من أبرز الكتب في بيان إعجاز القرآن بأسلوب أدبي رفيع، وقد حدد الدكتور دراز أربع خصائص للأسلوب القرآني تمثل سر إعجازه: البيان والإجمال معًا (وضوح المعنى مع إمكانية تأويلات متعددة)، وإقناع العقل وإمتاع العاطفة (جمع بين المنطق والتأثير الوجداني)، وخطاب العامة والخاصة (كلام واحد يفهمه الجميع بمستويات مختلفة)، والقصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى (إيجاز بليغ دون إخلال بالمعنى).

موضوعات ذات صلة

يعد الأستاذ عبد الله عفيفي من أبرز الشخصيات الفكرية والأدبية في عصره، إذ أثرى المكتبة العربية بمجموعة من المحاضرات القيمة التي ألقاها على طلابه

محمد فريد وجدي علمٌ من أعلام الفكر الإسلامي فسر سرّ الإعجاز القرآني بأنه روحٌ من عند الله

لم يكن إعجاز القرآن الكريم في عجز البشر على الإتيان بمثله لما تحداهم الله بذلك بل تخطى حد الإعجاز ليشمل الإعجاز البياني والإعجاز العلمي والإعجاز الغيبي

موضوعات مختارة