هذا، وللنون الساكنة والتنوين بالنسبة لما يأتي بعدهما
من حروف الهجاء أربعة أحكام، هي: الإظهار، والإدغام، والإقلاب، والإخفاء، وإليكَ بيان
هذه الأحكام فيما يلي:
الأول: الإظهار، وحروفه:
الإظهار في اللغة معناه: الكشف والوضوح
والبيان.
وفي الاصطلاح: إخراج كل حرف من مخرجه
من غير غنة في الحرف المُظهَر، وقال بعضهم: هو فصل الحرف الأول من الثاني من غير سكت
عليه، وقيل غير ذلك.
وحروف الإظهار ستة، هي: الهمزة، والهاء،
والعين، والحاء، والغين، والخاء، وهي المُسَمَّاةُ بحروف الحلق، ولذا سُمِّيَ إظهارًا
سواء كان معها في كلمة أم كان منفصلًا عنها بأن كانت النون آخر الكلمة، وحرف الحلق
أول الثانية، أو بعد التنوين- ولا يكون إلا من كلمتين- وجب الإظهار.
ومن أمثلة النون في كلمة ومن كلمتين مع الهمزة: {يَنْأَوْنَ}
[الأنعام: ٢٦]، {مَنْ آمَنَ} [البقرة: ٦٢]، ومع الهاء: "منهم"، "من
هاجر"، ومع العين: {أَنْعَمْتَ} [الفاتحة: ٧]، {مَنْ عَمِلَ} [النحل: ٩٧]، ومع
الحاء: {يَنْحِتُونَ} [الحجر: ٨٢]، {فَإِنْ حَاجُّوكَ} [آل عمران: ٢٠]، ومع الغين: {فَسَيُنْغِضُونَ} [الإسراء:
٥١]، {مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: ٤٣]، ومع الخاء: {وَالْمُنْخَنِقَةُ} [المائدة: ٣]، {وَمِنْ خِزْيِ}
[هود: ٦٦].
ومن أمثلة التنوين مع
الهمزة: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا}
[النبأ: ١٦]، ومع الهاء: {جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة:
١٠٩]، ومع العين: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: ٢٠٠]، ومع الحاء: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
[النساء: ٢٦]، ومع الغين: {عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: ٢٨]، ومع الخاء: {لَطِيفًا خَبِيرًا}
[الأحزاب: ٣٤].
والعلة في إظهار النون
والتنوين عند هذه الأحرف: بُعْدُ المخرج، أي: بُعْدُ مخرج النون والتنوين
عن مخرج حروف الحلق، فالنون والتنوين يخرجان من طرف اللسان، والحروف الستة تخرج من
الحلق، وأعلى مراتب الإظهار عند الهمز والهاء، وأوسطه عند العين والحاء، وأدناه عند
الغين والخاء.
وَسُمِّيَ إظهارًا؛ لظهور النون الساكنة
والتنوين عند ملاقاتهما بحرف من هذه الأحرف، وَسُمِّيَ حلقيًّا؛ لخروج حروفه
من الحلق.
الثاني: الإدغام، وأقسامه:
والإدغام في اللغة معناه: إدخال الشيء في
الشيء.
وفي الاصطلاح: التقاء حرف ساكن
بمتحرك بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشدَّدًا يرتفع عنه اللسان ارتفاعة واحدة.
ومعنى ذلك: أن الإدغام:
هو إدخال الحرف الأول في الحرف الثاني بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشدَّدًا.
وحروف الإدغام ستة مجموعة في كلمة: (يرملون)
وهي الياء والراء والميم واللام والواو والنون، فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الستة بعد
النون الساكنة بشرط أن تكون النون آخر الكلمة، وأحد هذه الحروف الستة أول الكلمة الثانية،
أو بعد التنوين - ولا يكون إلا من كلمتين - وجب إدغامه.
وينقسم الإدغام إلى قسمين:
الأول: إدغام بغنة، وله أربعة حروف
مجموعة في لفظ (ينمو) وهي الياء والنون والميم والواو، فإذا وقع حرف من هذه
الأحرف الأربعة بعد النون الساكنة، والتنوين بشرط أن ذلك يكون من كلمتين،
بأن تكون النون في كلمة، وأحد الحروف في كلمة أخرى، أو بعد التنوين - ولا يكون إلا
من كلمتين - وجب الإدغام، ويُسَمَّى: :إدغامًا ناقصًا"؛ لذهاب الحرف وهو
النون، أو التنوين وبقاء الصفة، وهي الغنة.
ومن أمثلة النون الساكنة مع الياء: {مَنْ يَقُولُ} [البقرة:
٨]، ومع النون: {مِنْ نَذِيرٍ} [القصص:
٤٦]، ومع الميم: {مِنْ مَسَدٍ} [المسد: ٥]، ومع الواو: {مِنْ وَلِيٍّ} [البقرة:
١٠٧].
ومن أمثلة التنوين مع
الياء: {وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ} [البقرة: ١٩]، ومع النون: {يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} [القيامة: ٢٢]، ومع الميم: {عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: ٣٧]،
ومع الواو: {يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة: ١٦].
أما إذا وقع حرف من هذه
الأحرف الأربعة السابقة بعد النون الساكنة في كلمة واحدة وجب الإظهار مطلقًا؛ لعدم
تقييده بحلق أو شفة، ولم يقع في القرآن بعد النون من كلمة إلا الياء والواو، فالياء
في كلمتي "الدنيا"، و"بنيان"، والواو في كلمتي: "صنوان"،
وقنوان".
ووجب الإظهار في هذه الكلمات الأربع؛ لئلا يشتبه بالمضاعف- وهو
ما تكرر أحد أصوله "كصنوان" "ودنيا"، فلو أدغمت النون في الياء
أو في الواو، وقيل الدُّيَّا وصُوَّان، فيلتبس الأمر بين ما أصله النون فأدغمت نونه،
وبين ما أصله التضعيف، فلهذا أظهرت النون خوف الالتباس.
الثاني: إدغام بغير غنة، وله حرفان: اللام
والراء، فإذا وقعت اللام أو الراء بعد النون الساكنة أو التنوين وجب الإدغام، ويسمى
إدغامًا بغير غنة.
ووجه حذف الغنة مع اللام والراء: المبالغة في التخفيف،
ويُسَمَّى هذا القسم من الإدغام إدغامًا كاملًا؛ لذهاب الحرف والصفة معًا.
ومن أمثلة اللام بعد النون
الساكنة: {وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}
[البقرة: ١٣]، ومثال الراء بعد النون الساكنة: {مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: ٢٦]، ومثال
اللام بعد التنوين: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢]، ومثال الراء بعد التنوين:
{رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
[التوبة: ١١٧].
الثالث: الإقلاب:
والإقلاب في اللغة معناه: تحويل الشيء عن
وجهه.
وفي الاصطلاح: جعل حرف وهو الميم،
مكان حرف آخر، وهو النون الساكنة أو التنوين، مع مراعاة الغنة والإخفاء، ويصح أن يقال
في تعريفه: هو قلب النون الساكنة أو التنوين ميمًا عند الباء، مع مراعاة الغنة والإخفاء.
وله حرف واحد هو الباء، فإذا وقعت الباء بعد النون الساكنة من
كلمة أو من كلمتين، أو بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين وجب الإقلاب، أي: قلب هذه
النون أو التنوين ميمًا عند الباء مع الإخفاء بغنة.
ومن أمثلة النون الساكنة
مع الباء {أنْبِئْهُمْ} [البقرة: ٣٣]، {أَنْ بُورِكَ} [النمل: ٨]، ومثال التنوين مع
الباء: {سُمَيْعٌ بَصِيرٌ} [الحج: ٧٥].
ووجه الإقلاب هنا هو: عُسْرُ الإتيان
بالغنة في النون الساكنة، والتنوين مع الإظهار، ثم إطباق الشفتين لأجل الباء، وعُسْرُ
الإدغام كذلك لاختلاف المخرج، وقلة التناسب، وحينئذ يتعين الإخفاء، ثم تُوصل إليه بالقلب
ميمًا؛ لمشاركتها للباء مخرجًا، وللنون غنة.
الرابع: الإخفاء:
والإخفاء في اللغة معناه: الستر، تقول:
أخفيت الشيءَ أي: سترته.
وفي الاصطلاح: هو عبارة عن النطق
بحرف ساكن عارٍ من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول،
وهو هنا النون الساكنة والتنوين.
وحروف الإخفاء: خمسة عشر حرفًا،
وهي التي جمعها الجمزوري في "تحفته" في أوائل كلمات البيت التالي:
صف
ذا ثنا كم جاد شخص قد سما
دم طيباً زد في تقى ضع ظالماً
وهي: الصاد، والذال، والثاء، والكاف، والجيم، والشين، والقاف،
والسين، والدال، والطاء، والزاي، والفاء، والتاء، والضاد، والظاء.
فإذا وقع حرف من هذه الأحرف
بعد النون الساكنة سواء كان متصلًا بها في كلمتها أم منفصلًا عنها، أو بعد التنوين
ولا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر وجب إخفاؤهما، ويسمى إخفاءً حقيقيًّا؛ لأنه متحقق
في النون الساكنة والتنوين أكثر من غيرهما.
ومن أمثلة إخفاء النون
الساكنة مع هذه الحروف من كلمة، ومن كلمتين: {مَنْصُورًا}
[الإسراء: ٣٣]، {أَنْ صَدُّوكُمْ} [المائدة: ٢]، {مُنْذِرٌ} [الرعد: ٧]، {مِنْ ذَكَرٍ}
[آل عمران: ١٩٥]، {مَنْثُورًا} [الفرقان:
٢٣]، {مِنْ ثَمَرَةٍ} [البقرة: ٢٥]، {يَنْكُثُونَ} [الزخرف: ٥٠]، {مِنْ كُلٍّ} [هود:
٤٠]، {أَنْجَيْنَاكُمْ}
[الأعراف: ١٤١]، {أَنْ جَاءَكُمْ} [الأعراف: ٦٣]، {الْمُنْشِئُونَ} [الواقعة: ٧٢]، {لِمَنْ شَاءَ} [المدثر: ٣٧]، {أَنْدَادًا} [البقرة: ٢٢]، {مِنْ دَابَّةٍ} [الأنعام: ٣٨]، {يَنْقُضُونَ} [البقرة:
٢٧]، {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ} [البقرة: ١٩١]، {مِنْسَأَتَهُ} [سبأ: ١٤]، {مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: ٢٧١]، {يَنْطِقُونَ} [المرسلات:
٣٦]، {مِنْ طَيِّبَاتِ} [البقرة: ٥٧]، {فَأَنْزَلْنَا} [البقرة: ٥٩]، {فَإِنْ زَلَلْتُمْ}
[البقرة: ٢٠٩]، {انْفِرُوا} [التوبة: ٤١]، {وَإِنْ فَاتَكُمْ} [الممتحنة: ١١]، {مُنْتَهُونَ}
[المائدة: ٩١]، {مِنْ تَحْتِهَا} [البقرة: ٢٥]، {مَنْضُودٍ} [هود: ٨٢]، {مَنْ ضَلَّ}
[المائدة: ١٠٥]، {انْظُرُوا} [الأنعام:
٩٩]، {مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: ٢٢].
ومن أمثلة التنوين مع هذه الحروف: {رِيحًا صَرْصَرًا}
[فصلت: ١٦]، {سِرَاعًا ذَلِكَ} [ق: ٤٤]، {أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة: ٧]، {عَادًا كَفَرُوا}
[هود: ٦٠]، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: ١٨]، {بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: ٥]، {ثَمَنًا
قَلِيلًا} [البقرة: ٤١]، {وَرَجُلًا سَلَمًا}
[الزمر: ٢٩]، {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} [الأنعام: ٩٩]، {شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: ٢١]، {مُبَارَكَةٍ
زَيْتُونَةٍ} [النور: ٣٥]، {خَالِدًا فِيهَا} [النساء: ١٤]، {جَنَّاتٌ تَجْرِي}
[آل عمران: ١٥]، {قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون: ١٠٦]، {ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: ٥٧].
ووجه إخفاء النون الساكنة
والتنوين عند هذه الأحرف هو: أن النون الساكنة والتنوين لم يقربا من
هذه الأحرف الخمسة عشر مثل قربهما من حروف الإدغام حتى يدغما، ولم تبعد النون الساكنة
والتنوين من هذه الأحرف مثل بعدهما عن حروف الإظهار، فيظهرا، فهما لم يأخذا القرب الموجب
للإدغام، ولم يأخذا صفة البعد الموجب للإظهار، ومن هنا فقد أعطيت النون الساكنة، والتنوين
عند الأحرف الخمسة عشر السابقة حكماً متوسطًا بين الإظهار والإدغام، هذ الحكم المتوسط،
هو الإخفاء كما اتضح لنا معناه.
وللإخفاء مراتب ثلاثة: أعلى عند الطاء
والدال والتاء، وأدنى عند القاف والكاف، وأوسط عند باقي الحروف الخمسة عشر.