فالإيجاز
عند البلاغيين أحد أقسام الكلام الثلاثة، وهي:
الإطناب
بأنواعه، والمساواة، ثم الإيجاز، ولكل قسم من
هذه الأقسام الثلاثة مقام يقتضيه، وحال تستدعيه، وإيقاع كل قسم في مقامه هو
البلاغة، وليس من البلاغة الإيجاز في مقام الإطناب، ولا الإطناب في مقام الإيجاز،
ولا هما في مقام المساواة، ولا المساواة في مقام أحدهما.
ولذلك
قال أبو هلال العسكري: إن الإيجاز والإطناب
يُحتاج إليهما في جميع الكلام، ولكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضعه، فالحاجة إلى
الإيجاز في موضعه، كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، فمن أزال التدبير في ذلك عن
وجهته واسْتُعمل الإطناب في موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز في موضع الإطناب أخطأ". [الصناعتين
١٩٠].
وسمَّاه الرماني فقال:
"الإيجاز هو العبارة عن الغرض بأقل ما يُمكن من الحروف". [النكت في إعجاز القرآن ٧٠]، وتابعه
ابن رشيق ولم يزد عليه. [العمدة
١/٢٥٠]
وسمَّاه
ابن سِنان الخفاجي بـ "الإشارة"، وعرَّفه
بقوله: "هو أن يكون المعنى زائدًا على اللفظ" [سر الفصاحة ٢٤٣].
وقال الرازي: "الإيجاز:
العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من غير إخلال". [نهاية الإيجاز ١٤٥]
وقال الزّمْلَكاني: "هو إثبات المعاني المتكثرة باللفظ القليل".
[التبيان ١١٠].
أما الخطيب القزويني فقد عرَّف
الإيجاز بقوله: "تأدية المعنى الكثير في لفظ قليل". [التلخيص ١٠٦]
هذه
التعريفات كلها، وغيرها كثير، لم تخرج عمَّا أجملناه من قبل من أن الإيجاز في الكلام:
هو الدلالة على المعاني الكثيرة بألفاظ أقل منها، بشرط عدم الإخلال في تأدية المعنى
المراد.
والإيجاز لِمَا يحمل من دقائق وأسرار كثُر وروده
في القرآن الكريم، كثرة مستفيضة، ولم تخلُ منه آية، أو سورة من آيات القرآن الكريم،
حتى في المواضع التي اصطلح على وَسْمها بالإطناب أو المساواة تشتم فيها رائحة الإيجاز؛
لذلك نرى بعض الدارسين المحدَثين يذهب إلى أن القرآن كُله إيجاز، يستوي في ذلك
مواضع إطنابه، ومواضع مساواته، وأن كل معنى مصوَّر على سبيل القصد، غير مائل فيه
إلى الإسراف. [هو الدكتور محمد عبد الله دراز في النبأ العظيم
١١١]