وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
وهذه هي الدرجة الثالثة صعودًا في صور الإيجاز بالحذف، وضابطها: أن المحذوف فيها كلمة مفردة: إسمًا أو فعلًا، ليست حرفًا من بنية الكلمة، ولا أداة لها دلالة في الجملة، ولهذه الصور ورود ملحوظ في كلام العرب، وفي القرآن الكريم، فمن وروده في كلام العرب قول ابن مطروح:
لا أنتهي، لا أنثني، لا أرعوي * * * ما دمت في قيد الحياة، ولا إذا
أي: ولا إذا مت، فحذف الفعل (مت) وهي كلمة مفردة [خزانة الأدب:٢/ ٢٨٢]، والذي دل عليها قوله قبلها في قيد الحياة أما الداعي إلى حذفها فهو استقامة الوزن الشعري.
أما في القرآن الكريم فمن أمثلة هذا النوع من الإيجاز قوله - تعالى -: {وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ} [البقرة: ٦٠]، وموطن الإيجاز في الآية هو: {ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ} لأن الفاء في {فَٱنفَجَرَتۡ} عاطفة على محذوف، والتقدير: فضرب فانفجرت [الكشاف: ١/ ٢٨٤]، وذلك لأن الله جعل ضرب الحجر بالعصى سببًا في تحقيق رغبة موسى لسقي قومه، وانفجار الماء من الحجر اثنتي عشرة عينًا دليل قاطع على حصول الضرب، لأنه لو لم يضرب الحجر بعصاه كما أمره الله، لم يحصلوا على الماء، هذا هو دليل الحذف، وهو التلازم الطبيعي بين الطرفين الضرب وانفجار الماء؛ لأنهما سبب ومسبب، أما الداعي البلاغي لحذف {ٱضۡرِب} فهو إظهار كمال النعمة على بني إسرائيل قوم موسى الذين استسقى لهم الله - عز وجل - حتى لكأن الماء تفجر بدون ضرب، ومنه في القرآن الكريم قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ} [الأعراف: ١٥٢]، ففي الآية إيجاز بحذف كلمة مفردة بين {ٱلۡعِجۡلَ} بين {سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ} والتقدير: اتخذوا العجل إلاهًا [أنوار الربيع: ٣/٧٢]، ودليل الحذف فيها أن مطلق اتخاذ العجل لا يستوجب غضب الله وإذلاله إياهم، فقد يكون اتخاذه للأكل وهذا حلال لا معصية فيه، فتعين أن يكون اتخاذهم العجل معبودًا من دون الله؛ لذلك استحقوا هذا الوعيد الشديد...، أما الداعي البلاغي الذي اقتضى هذا الحذف فهو ذو دلالة عميقة ولطيفة، حاصلها أن اتخاذ العجل إلها ينبغي ألا يكون عقيدة قوم، وألا يكون معمولًا للاتخاذ حتى في مجرد اللفظ، فحذفه من الكلام رمز لطيف على استبعاده من الوجود، ومن مواضع هذا الإيجاز في القرآن الكريم قوله - تعالى -: {وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٠٢] في الآية الكريمة موضعان للإيجاز بحذف الكلمة المفردة، يظهران من التقدير الآتي: خلطوا عملًا صالحًا بسيئ، وآخر سيئًا بصالح ودليل الحذف هنا عطف {وَءَاخَرَ سَيِّئًا} على {خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا}؛ إذ ليس المقصود أنهم خلطوا عملًا بآخر سيئ، بل المراد أن لهم عملين:
عمل صالح خلطوه بسيئ أقل منه، وعمل سيئ خلطوه بقليل من الصلاح ولو كان المراد المعنى الأول لقيل: خلطوا عملًا صالحًا بآخر سيئ، فدل العطف على المحذوف في الموضعين.
أما الداعي البلاغي للحذف في الموضعين فلتحقيق فضيلة الإيجاز، وهو استثمار أقل ما يمكن من الألفاظ، في أكثر ما يمكن من المعاني، وفي ذلك يقول ابن مالك في ألفيته:
وحذف ما يُعْلَم جائز كما * * * تقول زيد بعد من عندكما
ومن هذا النوع من الإيجاز في كتابه العزيز قوله - تعالى -: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ} [النحل: ٨١]، ففي الآية الكريمة إيجاز بحذف كلمة البرد بعد كلمة الحر، والتقدير: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر والبرد [أنوار الربيع: ٣/٧٢]، ودليل الحذف أن هذه السرابيل في الواقع تحمي الناس من الحر والبرد معًا، وإنما أوتر ذكر الحر على البرد لأن الحر أكثر إيلامًا من البرد، ولأن البرد يمكن الاحتياط منه بخلاف الحر.
والبلاغيون يسمون هذا النوع من الإيجاز بـ (الاكتفاء)، وعرفوه بقولهم: هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة [أنوار الربيع: ٣/٧١].
الإيجاز بحذف الكلمة المفردة صورة من صور الإيجاز البلاغي، وهي حذف الكلمة المفردة اسمًا، أو فعلًا من السياق مع بقاء المعنى واضحًا من القرائن، ويظهر هذا الأسلوب في القرآن الكريم والشعر العربي؛ لتحقيق دقة التعبير وتكثيف المعنى دون إخلال، ويكشف الحذف عن براعة لغوية تُغني النص وتزيد من أثره البلاغي والدلالي.
الإيجاز بحذف التراكيب يعد أرقى صور الإيجاز، حيث تُحذف جمل كاملة أو تراكيب متعددة مع بقاء المعنى مفهومًا بوضوح
الإيجاز بحذف الجملة: هو حذف التركيب الواحد من الكلام، أي حذف الجملة: اسمية كانت أو فعلية