كذلك مما يستنكر المانعون لأجله الاحتفال بالمولد النبوي الشريف زعمهم أن يوم ميلاده –صلى الله عليه وسلم– هو يوم وفاته، والأولى أن نحزن فيه لوفاته بدلًا من إظهار الفرح والسرور، والجواب على هذا الزعم من وجهين:
الأول: لم يثبت تاريخٌ محددٌ لوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقينًا يوافق اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (٥/٢٥٦): "وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِسْنَادًا، بَلْ هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّارِيخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
الثاني: نحن مأمورون شرعًا بإظهار الفرح والسرور بنعمة الله تعالى، وليس بإظهار الحزن، فقد حَرَّمَ أهل السنة والجماعة ما تفعله بعض الفرق من إقامة المآتم وإظهار الجزع، كبعض فرق الشيعة التي تقيم مأتمًا في ذكرى استشهاد الحسين -رضي الله عنه- بما يتخلله من منكرات كاللطم وشق الجيوب وإسالة الدماء بدعوى حبهم له.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في (لطائف المعارف) (صـ ١٦٨): "وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!".
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي -رحمه الله- في (الحاوي للفتاوى) (١ /١٩٦): "إنَّ وِلَادَتَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتُهُ أَعْظَمُ الْمُصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ، وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمُصَائِبِ.
وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يُحْسَنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ".
فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو إظهار للفرح والسرور بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية، وهو مقتضى الشكر لله تعالى، ومتضمن لمحبة الجناب النبوي وتعظيمه، وهو من السنن الحسنة التي عليها عمل المسلمين عبر القرون.