زيد بن حارثة هو صحابي جليل وقائد عسكري مسلم بارز، وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم، عُرف زيد بشجاعته وإخلاصه للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت سيرته مثالًا للولاء والتفاني في سبيل الإسلام.
زيد بن حارثة هو صحابي جليل وقائد عسكري مسلم بارز، وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم، عُرف زيد بشجاعته وإخلاصه للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت سيرته مثالًا للولاء والتفاني في سبيل الإسلام.
{وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤ ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ} [الأحزاب: ٤-٥].
هكذا كان يسمى منسوبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل القرآن ببطلان عادة التبني بشأن زيد وغيره.
فماذا عن زيد، وعن مكانه في بيت النبوة؟ وكيف جاء إليه؟
كان فتى صغيرًا يُعرف في قبيلته بزيد بن حارثة نسبة إلى أبيه حارثة بن شرحبيل الكعبي، وكانت أمه سعدى بنت ثعلبة من بني معن بن طيء، وأثناء زيارتها لقومها وزيد معها أغارت خيل لبني القَيْن بن جسر على أبيات بني معن فاحتملوا زيدًا وهو غلام يافع وأتوا به إلى سوق عكاظ يعرضونه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له.
وطبيعي أن يكون لفقده في أسرته وعند أمه وأبيه خاصة أثر من الحزن عميق يعيشونه ويعانونه مطلع كل شمس ومغربها، ومع كل حركة أو صوت يظنون أنها لزيد وأنه عاد.. أو يعود..
وفي غمرة الأحزان على فقدان زيد أنشد أبوه قصيدته التي قال فيها :
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلَ أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ دُونَهُ الأَجَلُ
فَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ سَائِلًا أَغَالَكَ سَهْلُ الأَرْضِ أَمْ غَالَكَ الجَبَلُ
تُذَكِّرِينَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتُعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا قَارَبَ الطِّفْلُ
وَإِنْ هَبَّتِ الأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَاهُ فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا أَجَلُ
سَأَعْمَلُ نَصَّ العَيْنِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الإِبِلُ
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَى مَنِيَّتِي وَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَجَلُ
[الطبقات الكبرى، الجزء الثالث، صـ ١٧، في باب ذكر زيد بن حارثة ونسبه]
وقدم إلى مكة في موسم الحج ناس من حيهم، فرأوا زيدًا وعرفوه وعرفهم فطلب إليهم إبلاغ أهله عن مكانه في شعر يقول فيه:
أَحِنُّ إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيـًا فَإِنِّي قَطِينُ البَيْتِ عِنْدَ المَشَاعِرِ
فَلَفْظُوا عَنِ الوَجْدِ الَّذِي قَدْ شَجَاكُمُـو وَلَا تَعْمَلُوا فِي الأَرْضِ نَصَّ الأَبَاعِرِ
[ابن سعد، الطبقات الكبرى، جـ ٣، صـ ١٧]
وعاد الحجيج مسرعين إلى أهله فأبلغوا رسالة زيد إليهم ووصفوا لهم المكان الذي يجدونه فيه عند البيت.
وخرج أبوه وأخوه وبعض ذويه مسرعين إلى مكة يحملون معهم الفداء الذي جرت العادة بأن يكون ثمن الخلاص واستعادة (المخطوف).
وسألوا عن النبي صلى الله وعليه وسلم فقالوا هو في البيت الحرام، فمضوا إليه وقال له حارثة (أبو زيد): يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله تفكون العاني (الأسير) جئناك في ولدنا عبدك فأحسن إلينا في فدائه فإنا سندفع لك.
فقال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة.
قال: أو أعرض عليكم نحو ذلك؟
قالوا: وما هو؟
قال: أدعوه لكم فخيروه؛ فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء، قالوا: أحسنت وأنصفت.
دعوا زيدًا فقال له: أو تعرف هؤلاء؟ قال زيد: نعم، هذا أبي وهذا عمي، فقال صلوات الله وسلامه عليه: أما أنا فمن قد علمت، ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما.
فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا أنت مني بمنزلة الأب والعم.
فقال عمه وأبوه: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك، فقال زيد: إني قد رأيت من هذا الرجل - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا.
فلما رأى رسول الله له ذلك أخرجه إلى (الحجر) وقال: اشهدوا أن زيدًا هذا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى أبوه وعمه ذلك انصرفا وقد طابت نفساهما وأصبح زيد يدعى (زيد بن محمد) وسماه الرسول بعد ذلك زيد المحبة. [ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، جـ ٢، صـ ٥٠٣]
وتقول السيدة عائشة رضوان الله عليها: «ما بعَث رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم سَريَّةً قطُّ فيهِم زيدُ بنُ حارِثَةَ إلّا أمَّرَه عليهِم، ولو بقي لاستخلفه» [النسائي في السنن الكبرى، (٨١٢٦)]. وقد استشهد رضي الله عنه في غزوة مؤتة وهو ابن خمس وخمسين.
عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد روى ابنه أسامة: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عليهِ وآله وسلَّمَ لزيدِ بن حارثَةَ: «يا زيدُ أنتَ مولايَ ومنِّي وإليَّ وأحبُّ النّاسِ إليَّ». [أخرجه أحمد (٢١٧٧٧)، والحاكم (٣/٢٣٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/٦٢) باختلاف يسير مطولًا]
ولهذا يقول عنه صاحب الوافي بالوفيات تحت عنوان: حِبُّ رسول الله: "هو زيد بن حارثة أبو أسامة، مولى رسول الله وحبه، وقد استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة المريسيع، وأمره على سبع سرايا، وكان مقدم الأمراء في غزوة مؤتة، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة عند الهجرة، وزوجه حاضنته (أم أيمن) فولدت له أسامة بن زيد، ثم زوجه بنت عمته زينب بنت جحش، وكان أحد اثنين يعطيهما الرسول سلاحه إذا لم يخرج للغزو هما: علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة رضي الله عنهما، وكان قد ولى ابنه أسامة إمارة على قوم فطعن الناس فيها وعن زيد يقول: لقد طعنتم في إمارته كما طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان - يعني زيد بن حارثة - الخليق بالإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي". [الوافي بالوفيات ج١٥ ص١٩٨٢]
شوق المحب لحبيبه:
استشهد زيد في غزوة مؤتة طعنًا بالرمح، فلما جاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت زيد يواسيهم، فجهشت ابنته بالبكاء فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتحب، فقال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا شوق المحب لحبيبه [أخرجه أبو داود في المراسيل ص ٢٩٧، والطبقات الكبرى، لابن سعد (٣/٤٦)].
٥ـ الزواج وإبطال التبني
لم تستقم الحياة الزوجية بين زيد وبين زينب بنت جحش التي هي ابنة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي زوجها لزيد، ولم تستقم الحياة الزوجية بينهما فطلقها زيد.
ولأمر إلهي يراد، ولحكمة تشريعية في أن يتم إعلان وإبطال عادة التبني من بيت النبوة الذي ينزل فيه القرآن وتعلم منه أحكام التشريع.
لهذا الأمر ولهذه الحكمة التشريعية فقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بزينب بعد ما طلقها زيد.
وتلقف أعداء الإسلام وأعداء الرسول صلى الله عليه وسلم في زمانه هذا الحدث ليجعلوا منه مادة لتشويه الصورة النبوية، وصورة الإسلام كله.
لكن رد القرآن كان أوقع وأروع: فقد نزل القرآن في سورة الأحزاب ليعلن حكم الله في أمر التبني في صدر السورة فيقول: {وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤ ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ} [الأحزاب: ٤-٥] ولو كان الأمر وقفًا على ما تحدث به المنافقون والمشركون لاكتفى القرآن بإعلان الحكم دون حديث عن زواج الرسول بمطلقة من كان متبنيه.
لكن عظمة وقوة ووضوح التشريع الإسلامي تابعت إعلان حكم التبني بإعلان أمر زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بزينب، وأكثر من ذلك أن يشتمل حديث القرآن على الإشارة إلى محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم إثناء زيد عن تطليق زينب.
وأكثر وأكثر أن يكشف القرآن عن مشاعر الرسول تجاه زينب وميله إلى الزواج بها لو طلقها زيد.
ثم بعد هذا عتابه للرسول على أنه لم يعلن عن رغبته تلك مخافة مقولات الناس، وهذا حيث تقول الآيات: {وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨ ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا} [الأحزاب: ٣٧-٣٩]، ثم يكون ختام هذه الجملة من الآيات عودة إلى ما سبق ذكره في صدر سورة الأحزاب إعلانًا لإبطال عادة التبني، عودة تخصيص وإنزال الحكم على الرسول صلى الله عليه وسلم لغيره، وتأكيدًا لهذه الحقيقة، بل كانت آية الختام هذه تقول: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا} [الأحزاب: ٤٠].
وقبل أن أطوي هذه الصفحة أقول للمبطلين وللمنافقين: لو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من البداية يريد الزواج من ابنة عمته (زينب) فما الذي كان يحول بينه وبينها منذ البداية؟ بل ولماذا كان هو الذي زوجها لزيد؟ ثم: ألا يعرف المبطلون والمنافقون كيف يقرأون النصوص ويفهمون ما تدل عليه؟
ألا يرون النص الصريح يقول: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا} [الأحزاب: ٣٧].
هو إذًا زواج أرادته السماء، وما كان أمرًا مدبرًا من الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ألا يرون في الآية التي بعدها مباشرة والتي تعلن رفع الحرج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتؤكد أن كل ما جرى قد فرضه الله وأراده؛ حيث تقول الآية: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا} [الأحزاب: ٣٨].
مرة أخرى ألا يعرف المبطلون والمنافقون كيف يقرأون القرآن؟ الآية الأولى تقول عن الموضوع {وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا} والثانية بعدها تقول: {وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا}.
ومهما يكن من أمر فخير ما نختم به أن نقول: صَلَّى الله على سيدنا محمد، ورضي الله عن زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول القادة الشهداء في غزوة مؤتة.
زيد بن حارثة رضي الله عنه كان من أشجع الصحابة وأحد أشهر القادة العسكريين، اتصف بالإخلاص والولاء للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أول من أسلم من الموالي، تميزت سيرته بالوفاء والبطولة، وكان حبه للنبي صلى الله عليه وسلم وقيادته لبعض المعارك دلالة على مكانته الرفيعة في الإسلام.
الهجرة في الإسلام تعني الانتقال من أرض إلى أخرى.
لقد أظهرت الهجرة النبوية الكريمة دورًا بارزًا للمرأة في دعم الرسالة الإسلامية، وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها نموذجًا مشرقًا لهذا الدور.
في لحظةٍ من لحظات الشوق، جلس الحسن بن علي - رضي الله عنه - يتأمل ماضيه القريب