هذا مقامٌ
يقفُ فيه اليراعُ خاشعًا، ويتلعثمُ فيه البيانُ إلا أن يُمدَّ بمددٍ من صاحبِ
الذكرى صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكلامنا ليس عن سيرةٍ عابرة، بل عن (المشكاة)
التي تَنَزَّل فيها النور، وعن الطاهرة التي خُصَّتْ بحملِ الدرة اليتيمة، التي لم
يَجُدِ الزمانُ بمثلها، ولن يجود.
إنها السيدة
آمنة، فهي المختارةُ في الأزل، ابنةُ وهب، سيدةُ بني زهرة، وكريمةُ الأبطحين، التي
شاءت العنايةُ الإلهية أن تكون هي المستودعَ الأمين لسرِّ الوجود، وخاتمِ النبوة، ولقد
تقلب هذا النور المحمدي في الساجدين، وتنقل من الأصلاب الشامخة إلى الأرحام
المطهرة، لا يمسُّه دنس الجاهلية، ولا يخالطه ريبُ الشرك، حتى استقرَّ قراره
المكين في أحشاء هذه السيدة البرة، فكانت هي الوعاءَ للسرِّ الذي انتظره الكونُ
منذ دُحيت الأرضُ ورُفعت السماء.
وفي هذه الكلمات،
ننسجُ بردةً من الحروف، نتقفى فيها أثرَ هذا النسب الوضّاء، حيث تلتقي أصولُ
الطهر؛ فآمنةُ وعبدُ الله شطرانِ لنفس الدوحة القرشية الباسقة، فرعانِ زكيا الأصل،
طابا في المغرس، وسمقا في الفرع، ليكون ثمرتُهما سيدَ الخلق محمدًا صلى الله عليه
وآله وسلم، الذي أشرقت الأرضُ بنوره، وضاءت به الأفق.
هنا يجمعُ
شتاتَ الفضائل، ويسرد حقائقَ الاصطفاء، استنادًا إلى أصدقِ الأخبار، وأعذبِ
الأشعار، من قول حسانٍ الصادق، ومدحِ العباسِ العارف رضوان الله عليهما، لنقفَ معًا
على عتبةِ البيت الذي خرجت منه رحمةُ العالمين.
فأرهفِ
السمعَ - أيدك الله - بقلبٍ بصير، لتقرأ سيرةَ مَن كانت نِعمَ الأم لخيرِ مولود
صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف هيَّأ الله الأسباب، واختار خيرَ القبائل والبطون،
ليخرجَنا من الظلمات إلى النور:
هي السيّدة
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، والدة
الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، يجتمع نسبها مع السيد عبد الله زوجها والد
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكيم، حيث إنّ أحد ابنيه قصي جدّ عبد الله،
والآخر زهرة جدّ آمنة.
فاتفق الناس
كلهم على أن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آمنة بنت وهب الزهرية السيدة
الطاهرة الشريفة، وأنها قرشية زهرية، ولم يشذ أحد يعتد بقوله، وهي آمنة بنت وهب بن
عبد مناف بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة
القرشية الزهرية سليلة بيت زهرة.
قال حسان بن
ثابت رضي الله عنه يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويفخر وقد ولدته أمه
آمنة، وقد ولده الأنصار (الأوس والخزرج) من جهة أبيه ومن جهة أمه، قال:
يا بِكْر
آمنة المبارك بكرها * * * ولدته
محصنة بسعد الأسعد
ولقد ولدناه
وفينا قبره * * * وفضول نعمته بنا لم يجحد
وقالت قتيلة
القرشية أخت بني عبد الدار، يوم فتح مكة مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
أمحمد يا
خير ضنء كريمة * * * في قومها والفحل فحل معرق
وأم آمنة
بنت وهب هي: برة بنت عبد
العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي... [جمهرة أنساب أمهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ص٢٦]
فكانت
السيدة آمنة عليها السلام من بنات أعمام السيد عبد الله عليه السلام.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ
بَعَثَ جِبْرِيلَ فَقَسَمَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ: فَقَسَمَ الْعَرَبَ قَسْمًا،
وَقَسَمَ الْعَجَمَ قِسْمًا، وَكَانَتْ خِيَرَةُ اللَّهِ فِي الْعَرَبِ، ثُمَّ
قَسَمَ الْعَرَبَ قِسْمَيْنِ: فَقَسَمَ الْيَمَنَ قِسْمًا، وَقَسَمَ مُضَرَ
قِسْمًا، وَقُرَيْشًا قِسْمًا، فَكَانَتْ خِيَرَةُ اللَّهِ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ
أَخْرَجَنِي مِنْ خَيْرِ مَنْ أَنَا مِنْهُ»
وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَنْهَبٍ، قَالَ: قَالَ خُرَيْمُ
بْنُ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَحِمَهُ
اللهُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْدَحَكَ، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَاتِ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ»
فَأَنْشَأَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ:
مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي * * *
مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ
ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ * * * أَنْتَ وَلَا
مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ
بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ * * * أَلْجَمَ
نَسْرًا وَاهَلَهُ الْغَرَقُ
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِمٍ * * * إِذَا مَضَى
عَالِمٌ بَدَا طَبَقُ
حَتَّى احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ مِنْ * * * خَنْدَفَ
عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطْقُ
وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ * * * الْأَرْضُ
وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ
فَنَحْنُ فِي الضِّيَاءِ وَفِي النُّورِ * * * وَسُبْلُ
الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ
[الطبراني: ٤١٦٧، والحاكم: ٥٤١٧].