إن الغلو في الدين آفة فكرية وسلوكية خطيرة تقوض أمن المجتمعات وتصطدم بمبدأ السماحة في الشريعة الإسلامية التي بنيت على اليسر والاعتدال؛ مما يتطلب دراسة تفصيلية شاملة لتفكيك هذه الظاهرة ومعالجة جذورها بالنصوص الشرعية والأدلة المعتبرة.
إن الغلو في الدين آفة فكرية وسلوكية خطيرة تقوض أمن المجتمعات وتصطدم بمبدأ السماحة في الشريعة الإسلامية التي بنيت على اليسر والاعتدال؛ مما يتطلب دراسة تفصيلية شاملة لتفكيك هذه الظاهرة ومعالجة جذورها بالنصوص الشرعية والأدلة المعتبرة.
يدور معنى الغلو في لسان العرب حول مجاوزة الحد والزيادة في الشيء عن مقداره الطبيعي، ويقال غلا السعر إذا ارتفع وزاد.
قال ابن سيده: "الغلو لغةً: مأخوذ من غلا في الأمر غلوًا أي: تجاوز حده" [انظر: المحكم والمحيط الأعظم، (ج ٦، ص: ٥٧)، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، ط/ دار الكتب العلمية بيروت ٢٠٠٠م، الطبعة: الأولى، تحقيق: عبد الحميد هنداوي].
ومن تشدد في الدين وجاوز الحد وأفرط فهو غال. [انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص: ٦٦٠، ط/ دار الدعوة].
وعرفه ابن فارس بقوله: "غلا الرَّجلُ في الأمر غُلُوًّا، إذا جاوَزَ حدَّه. وغَلاَ بسَهْمِه غَلْوًّا، إذا رَمَى به سَهْمًا أقصى غايتِه" [انظر: معجم مقاييس اللغة ج ٤، ص: ٣٨٨، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط/ دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م].
وتعريف الغلو بأنه مجاوزة الحد أعم وأشمل؛ لأنه يندرج تحته المجاوزة للحد بالتكلف والتشدد والمبالغة في كل أمر، وأيضًا في الإفراط والتفريط.
أما الغلو اصطلاحًا فله تعريفات كثيرة ذكرها أهل التفسير والأصول، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: "الغلو: هو المبالغة في الأمر ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف" [الاعتصام، الإمام الشاطبي، ج ١، ص: ٣٩٢، ط/ دار ابن عفان، السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م].
ويقول العلامة الطاهر بن عاشور: "والغلو: تجاوز الحد المألوف، مشتق من غلوة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشروع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال، والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين" [التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، (ج ٦، ص: ٥٠، دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - ١٩٩٧ م].
وخلاصة ما سبق أن الغلو هو الزيادة على المطلوب في الاعتقاد والقول والعمل، والتشدد في التزام الأحكام وتجاوز حدود ما شرعه الله عز وجل.
وقد جاء النهي عنه صريحًا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ﴾ [النساء: ١٧١].
لأن في الغلو الإفراط والزيادة التي لم يأذن بها الشارع الحكيم، وصاحبها يخرج بذلك عن مسلك النبي- صلى الله عليه وسلم- في الأخذ بالأيسر في الأمور ما لم يكن إثمًا.
للغلو مظاهر كثيرة أهمها:
يمثل التسرع في إطلاق أحكام التكفير والردة على الأفراد والمجتمعات والحكام دون ضوابط شرعية قاطعة المظهر الأكثر خطورة لظاهرة الغلو، حيث يتجاوز الغلاة القواعد الفقهية المستقرة ليرتبوا على هذا التكفير استباحة الأنفس والممتلكات، وهو انحراف صارخ عن منهج الإسلام الوسطي وسماحته.
ولقد حذر النبي- صلى الله عليه وسلم- من هذا المسلك الخطير الذي يبدأ بتكفير للناس للوصول إلى استحلال دمائهم، فقال: «لا تَرجِعوا بَعدي كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ» [رواه البخاري، كتاب: العلم، باب: الإنصات للعلماء، رقم: (١٢١، ج ١، ص: ١٣٥].
أي: "لَا يُكَفِّر بَعْضكُمْ بَعْضًا فَتَسْتَحِلُّوا قِتَال بَعْضكُمْ بَعْضًا" [حاشية السندي على سنن النسائي (مطبوع السنن) الإمام: جلال الدين السيوطي، (ج ٧، ص: ١٢٦)، ط/ مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ – ١٩٨٦م]؛ فالبداية تكون بتكفير الناس ثم ينتهي الأمر بسفك دمائهم.
يتجلى الغلو سلوكيًّا في تحريم المباحات والتعسير على الناس في العبادات والمعاملات، حيث يتبنى الغلاة آراء فقهية متطرفة وشاذة ويسعون لفرضها على الكافة كأنها قطعية الثبوت والدلالة، متجاهلين التوجيهات النبوية التي تحث على الرفق والتيسير ومراعاة أحوال العوام والتنوع الفقهي المعتبر.
وفي التحذير من هذا النهج يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- لأحد الصحابة في حجة الوداع عن رمي الجمرات موجها إياه إلى الاعتدال وعدم التكلف أو التنطع عند أداء العبادات: عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «قال لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ غداةَ العقبةِ وَهوَ على راحلتِه: هاتِ القُطْ لي فلقطتُ لَهُ حصياتٍ هنَّ حصى الحَذَفِ، فلمَّا وضعتُهنَّ في يدِه، قال: بأمثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أَهلَكَ من كان قبلَكمُ الغلوُّ في الدِّينِ» [رواه ابن ماجه، كتاب: المناسك، باب: قدر حصى الرمي، رقم: (٣٠٢٩)، ج ٢، ص: ١٠٠٨، دار الفكر – بيروت تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي].
وحكى الصحابة كيف كان نهج النبي- صلى الله عليه وسلم- في التعاطي مع الأحكام فقد أخبر الصحابة رضوان تعالى عليهم فقالوا: «ما خُيِّرَ رَسولُ اللهِ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بينَ أمرَينِ إلَّا أخَذَ أيسَرَهما، ما لَم يَكُنْ إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعَدَ النَّاسِ منه» [رواه البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي- صلى الله عليه وسلم، رقم: (٣٥٦٠)، ج ٤، ص: ١٨٩].
وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؛ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا؛ وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ؛ وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؛ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه البخاري، كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، رقم: (٤٧٧٦)، ج ٥، ص: ١٩٤٩، ط/ دار ابن كثير، اليمامة – بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ – ١٩٨٧م].
وعن سيدنا أنس - رضي الله عنه – قَالَ: «دَخَلَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المَسْجِدَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الحَبْلُ؟ قالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: حُلُّوهُ، لِيُصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ» [متفق عليه].
وعن أَبي عبد الله جابر بن سمرة رضي الله عنهما، قَالَ: «كُنْتُ أصَلِّي مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلَوَاتِ، فَكَانتْ صَلاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» [رواه مسلم، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم: (٢٠٤٠)، ج ٣، ص: ١١، دار الجيل بيروت، دار الأفاق الجديدة ـ بيروت].
ومعنى قوله: «قَصْدًا» أي بين الطولِ والقِصر والإفراط والتفريط.
وهكذا كان هدى النبي- صلى الله عليه وسلم- في كل أموره، فينبغي للمسلم أن يأخذ من العبادات ما يطيق ولا يكلف نفسه فوق طاقتها، لأن الدين يسر، والله سبحانه وتعالى رفع عن عباده الضيق والحرج.
يتخذ الغلو شكلًا اجتماعيًّا بائسًا يبدأ باعتزال المجتمع شعوريًّا أو مكانيًّا بدعوى فساده أو جاهليته، ويصاحب هذا الانعزال هجوم حاد وضارٍ على العلماء الراسخين والمؤسسات الدينية الرسمية، حيث يتم اتهامهم بالمداهنة والتقصير لإسقاط مرجعيتهم، مما يترك الشباب بلا حياض فكرية تحميهم، أو مورد صاف ينهلون منه ويصدرون عنه.
تظهر النزعة العاطفية المنفلتة لدى الغلاة من خلال الولاء والبراء الضيق المرتكز على طاعة عمياء لرموز غير مؤهلة أو قيادات تنظيمية منغلقة، فيصبح معيار الحق والباطل لديهم هو الانتماء للجماعة أو تبني رأي رمز من رموزهم المزيفة، مما يغيب العقل والوعي ويجعلهما تابعين لرؤى قاصرة، وأفكار منحرفة.
ينشأ الغلو نتيجة تضافر عوامل عدة أبرزها:
يأتي الجهل بقواعد الاستنباط ومقاصد الشريعة الكلية في مقدمة أسباب الغلو، حيث يعمد المتشددون إلى قراءة النصوص الشرعية قراءة حرفية مجتزأة ومعزولة عن سياقها وأسباب نزولها، فتنشأ الشبهات من انتزاع الآيات من سياقها، مما يؤدي إلى غياب فقه الموازنات والوقوع في شَرَكِ التكفير والتشدد.
يمثل العزوف عن العلماء الراسخين والمؤسسات الدينية الوسطية ثغرة خطيرة تتسلل منها الأفكار المنحرفة، إذ يلجأ الشباب قليلو الخبرة إلى أخذ الفتاوى من جهات غير مؤهلة أو شخصيات مجهولة تتسم بالتشدد، وتعمل هذه الجهات على إذكاء النزعات المتشددة، وتشويه الرموز العلمية والفكرية المعتدلة، لتخلو الساحة لهؤلاء الجهلة ومن ثم يضيع العلم كما أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا» [رواه البخاري، كتاب: العلم، باب: كيف يقبض العلم؟، رقم: (١٠٠)، ج ١ ، ص: ٣١].
يتأثر تشكل الفكر المتشدد بالعديد من الضغوط النفسية والاجتماعية، كالحماس العاطفي المندفع وغير المنضبط بضوابط العلم، والتجارب الشخصية القاسية الناتجة عن التفكك الأسري أو الإحباط، ويستغل قادة الفكر المنحرف هذه الأزمات النفسية لتقديم خطاباتهم كبديل يوهم هؤلاء الشباب بامتلاك الحقيقة المطلقة والفهم الصحيح للدين الذي- في ظنهم- يمنحهم التفوق النفسي والاجتماعي على مجتمعاتهم.
حيث تحول الفضاء الرقمي إلى البيئة الحاضنة والأكثر خطورة لتفريخ الغلو، حيث تتيح منصات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة المغلقة للجماعات المتطرفة بث سمومها بدقة وتوجيه رسائلها نحو الفئات الأكثر هشاشة وجهلًا، ومن ثم تعمل هذه المنصات على عزل الشباب داخل فقاعات فكرية منغلقة، مما يقطع صلتهم بالواقع ويعجل من وتيرة استقطابهم الفكري.
تتطلب مواجهة الغلو استراتيجية شاملة ترتكز على نشر الفكر الوسطي المستنير تفعيلًا للتوجيه النبوي «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا» [رواه البخاري، كتاب: العلم، باب: ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتخولهم بالموعظة، رقم: (٦٩)، ج ١، ص: ٢٥].
وتبرز أهمية رعاية عقول الشباب وتفكيك المفاهيم المغلوطة لديهم من خلال فتح قنوات الحوار المباشر، ومعرفة أبرز الشبهات لديهم وكيفية الإجابة عليها بإجابات شافية، وكذلك ربط الشباب بالعلماء الموثوق بهم.
س: ما الفرق بين الغلو في الدين والالتزام الشرعي الصحيح؟
ج: الالتزام الصحيح هو اتباع الأحكام الشرعية دون زيادة أو نقصان مع مراعاة التيسير، أما الغلو فهو مجاوزة الحد بالتشدد وإلزام النفس والغير بما لم يوجبه الشرع.
س: كيف يسهم الفهم الفقهي الصحيح في حماية المجتمع من الغلو؟
ج: يسهم من خلال إرساء الفهم المقاصدي للنصوص والاعتماد على تراث العلماء الراسخين، ومنهجيتهم في التعامل مع نصوص الوحيين، وكيفية استنباط الأحكام الشرعية منها بقواعد منضبطة مما يمنع الشباب من الانزلاق وراء التفسيرات المنحرفة والشاذة لبعض المنحرفين فكريًّا.
تثبت القراءة الفاحصة لظاهرة الغلو في الدين أنها انحراف فكري وسلوكي يتجاوز حدود الفطرة السوية ويهدد استقرار الأوطان عبر تبني مناهج منحرفة تخالف يسر الإسلام وسماحته، وتتأكد المسؤولية المجتمعية والمؤسسية هنا في تضافر الجهود لترسيخ الفهم المقاصدي الصحيح، وتفكيك البواعث النفسية والفكرية للتشدد، صونًا لسلامة العقول وحماية للأمن الفكري من مخاطر التطرف والإرهاب.
يولد الإرهاب من رحم المظالم الكبرى وازدواجية المعايير الدولية التي تهدر الكرامة
إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف
الأمن من أعظم نعم الله على الأفراد والمجتمعات
خطبة لا تغلُوا في دينِكُم وما كان الرفقُ في شيءٍ إلا زانه
الغلو الديني آفة فكرية تتجاوز حدود المشروع، وتُفضي إلى انحراف السلوك وتشويه صورة الدين