وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن المتأمل في مسيرة الجماعات المتشددة يجد خيطًا ناظمًا يربط بين خوارج الماضي وقتلة الحاضر، وهو اختطاف (المقالات الكلامية) وتحويلها إلى خناجر تُغمد في صدر الأمة، لقد تشكلت النواة الأولى لهذا الفكر من سوء فهمٍ عميق لمقاصد الشريعة؛ حيث استبدلوا (الرحمة المهداة) بـ(النقمة المسلطة)، فصار الخروج والتكفير لديهم دينًا يُدان به، ومنهجًا يُتبع، إن هؤلاء الذين زعموا الجهاد قد وقعوا في فخ البغي، فكان المسلمون هم الضحية الأولى لسيوفهم الغادرة، مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - في وصفهم: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ» [أخرجه البخاري، رقم ٣٣٤٤]، إنها العقلية التي لا تبني حضارة بل تحصد أرواحًا، وتُفسد في الأرض باسم الإصلاح.
لقد رسم الوحي النبوي خارطةً دقيقة لصفات هؤلاء، فهم (أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام) يمتلكون طاقة تدميرية تفوق تصوراتهم العقلية الهشة، يقرؤون القرآن بألسنتهم لكنه لا يجاوز تراقيهم؛ أي إنه لم يستقر في قلوبهم رحمةً ولا في عقولهم حكمةً، إن التلازم بين (العبادة الظاهرة) و(الخروج الباطن) هو الفتنة التي حذر منها الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حين واجههم، فهم الذين وصفهم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، فَسَأَلَاهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الحَرُورِيَّةُ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ -وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ -أَوْ: حَنَاجِرَهُمْ- يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الفُوقَةِ؛ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟» [البخاري (٦٩٣١)]، إن هذه الطائفة المارقة تجعل من النص الإلهي سياطًا لجلد المخالفين، بدلًا من أن يكون هدىً للعالمين.
إن أخطر تجليات الفكر المتطرف هو (التكفير) الذي يتبعه (الاستحلال)؛ حيث ينصبون أنفسهم قضاةً على ضمائر الخلق، فيخرجون الناس من حظيرة الإسلام بأدنى شبهة، لقد غفل هؤلاء عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا﴾ [النساء: ٩٤]، إن التكفير عند الخوارج الجدد هو (بوابة القتل)، فإذا كفّروا استباحوا، وإذا استباحوا أفسدوا، وقد أجمع أئمة الأمة على أن من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا فهو مسلم، لا يُخرج منه إلا بيقينٍ كما دخل فيه بيقين، ولهذا وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «كِلَابُ النَّارِ» [الترمذي (٣٠٠٠)]؛ لأنهم بتمزيقهم لجسد الأمة ونثرهم بذور الشقاق قد ضلوا سواء السبيل، فصارت أفعالهم شاهدًا عليهم بالبغي والفسق.
إن العلاج الناجع لهذا الوباء الفكري يكمن في التمسك بـ(السواد الأعظم) للأمة، وهو المنهج الذي عليه الصحابة والتابعون والأئمة المتبوعون، إن الخوارج شذوا عن الجماعة، والشاذ للنار، كما ورد في الحديث: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» [أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٠)]، إن لزوم الجماعة ونبذ الفرقة هو السياج الذي يحمي الأوطان من التشرذم، فالحق لا يكون في (العزلة القاتلة) ولا في (التنظيمات السرية)؛ بل في النور الذي أجمعت عليه الأمة جيلًا بعد جيل، إن استعادة دور المؤسسات الدينية الراسخة هو الكفيل ببيان زيف هذه الدعاوى، وإرجاع (المارقة) إلى حياض الحق أو كف أذاهم عن العباد والبلاد.
إن خوارج العصر هم نبتة سوءٍ نبتت في غفلةٍ من الوعي، فاجتثاثهم يتطلب فكرًا يبدد ظلامهم، وفقهًا يكشف زيف تأويلهم، سيبقى الإسلام دينًا للبناء لا للهدم، وللحياة لا للموت، وستظل الأمة متمسكةً بوسطيتها مهما ادلهمَّت خطوب الإرهاب وعوى كلاب النار.
إنَّ قراءة ضلالات الخوارج ليست ترفًا تاريخيًّا، بل هي ضرورةٌ فكرية لكشف الداء الذي يستحل الدماء بدعوى التوحيد.
إن التطرفَ والإرهابَ لا ينبعانِ من سببٍ واحدٍ، بل من شبكةٍ معقّدة منَ العواملِ المتداخلةِ.