وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يعتبر "الخوارج" هم الحزب الديني المعارض لـ "الشيعة"
أما "معاوية " وأنصاره فإنهم ليسوا " حزبًا دينيًا " وإنما هم “حزب سياسي“ بحت.
أما كيفية نشأة "الخوارج" فإنه لما صار "عليّ " و "معاوية" إلى "صفين " حين انكسرت سيوف الفريقين، ونصلت رماحهم، وذهبت قواهم، وجئوا على الركب، فوهم بعضهم على بعض، قال "معاوية " " لعمرو بن العاص ":
يا "عمرو ": ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت؟ قال: بلی! قال: فما المخرج مما نزل؟ قال له "عمرو بن العاص ":
فلي عليك ألا تخرج " مصر " من يدي ما بقيت، قال: لك ذلك، ولك به عهد الله وميثاقه، قال: فأمره بالمصاحف فترفع، ثم يقول أهل "الشام" لأهل " العراق": يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم، البقية البقية، فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه، وإن خالفك خالفه أصحابه.
وكان: عمرو بن العاص، في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقیق [مقالات الإسلاميين، ص: ٦١].
فأمر "معاوية" أصحابه برفع المصاحف، وبما أشار عليه "عمرو بن العاص"، ففعلوا ذلك، فاضطرب أهل "العراق " على "عليّ "- رضوان الله عليه- ، وأبوا عليه إلا التحكيم، وأن يبعث "عليّ" حكمًا، ويبعث "معاوية" حكمًا، فأجابهم "عليّ" إلى ذلك، بعد امتناع أهل "العراق" عليه ألا يجيبهم إليه.
فلما أجاب "عليّ" إلى ذلك، وبعث "معاوية" وأهلُ "الشام " "عمرو بن العاص " حكمًا، وبعث "عليّ"، وأهل "العراق" "أبا موسى"، حكمًا وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق؛ اختلف أصحاب "عليّ"، عليه وقالوا:
قال الله تعالى: ﴿فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِی تَبۡغِی حَتَّىٰ تَفِیۤءَ إِلَىٰۤ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الحجرات: ٩]، ولم يقل حاكموهم، وهم البغاة، فإن عدت إلى قتالهم، وأقررت على نفسك بالكفر- إذ أجبتهم إلى التحكيم- وإلا نابذناك، وقاتلناك، فقال " عليّ" - رضوان الله عليه :-
قد أبيت عليكم في أول الأمر، فأبيتم إلا إجابتهم إلى ما سألوا، أجبناهم وأعطيناهم العهود والمواثيق، وليس يسوغ لنا الغدر.
فأبوا إلا خلعه وإكفاره "بالتحكيم"، وخرجوا عليه، فسموا "خوارج " لأنهم خرجوا على عليّ بن أبي طالب- رضوان الله عليه- [مقالات الإسلاميين. لأبي الحسن الأشعري، ص: ٦٤ ط النهضة].
و “للخوارج“ ألقاب عدة؛ منها: الوصف لهم بأنهم “خوارج “؛ ومنها: “الحرورية “، و “الشُراة “، و “المارقة “، و “المُحكِّمة “.
وهم يرضون بهذه الألقاب كلها، إلا “المارقة “، فإنهم ينكرون أن يكونوا “مارقين“ من الدين، كما يمرق السهم من الرمية [مقالات الإسلاميين - ص: ۹۱].
والسبب الذي سموا له: "خوارج ": خروجهم على "عليّ بن أبي طالب ".
والذي له سموا: "مُحكِّمة" إنكارهم "الحكمين"، وقولهم: "لا حكم إلا الله".
والذي له سموا: “حَرورية “: نزولهم بـ “حرارة “في أول أمرهم.
والذي له سموا: “شُراة“: قولهم: "شرينا أنفسنا في طاعة الله"، أي بعناها وبالجنة [مقالات الإسلاميين - ص: ۱۹۱].
وقد اختلفوا فيما يجمع "الخوارج" على افتراق مذاهبهم: فذكر "الكعبي" في مقالاته [المقالات ، ص ١١٧]: أن الذي يجمع “الخوارج" على افتراق مذاهبها: إكفار "عليّ "و "عثمان " و "الحكمين" و "أصحاب الجمل"، وكل من رضي بتحكيم الحكمين، والإكفار، بارتكاب الذنوب، ووجوب الخروج على الإمام الجائر.
ويرى "أبو الحسن الأشعري" أن الخوارج “بأسرهم يثبتون إمامة "أبي بكر" و "عمر "، وينكرون إمامة "عثمان"، رضوان الله عليهم، في وقت الأحداث التي نُقم عليه من أجلها، ويقولون بإمامة "على" قبل أن يحكم، وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم، ويكفرون "معاوية" و "عمرو بن العاص"، و "أبا موسى الأشعري"، ويرون أن الإمامة في قريش، وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقًا لذلك، ولا يرون إمامة الجائر [مقالات الإسلاميين، ص۱۸۹، ط النهضة المصرية].
ولم يرض "الأشعري" ما حكاه " الكعبي"، من إجماعهم على تكفير مرتكب الذنوب.
والحق أن "النّجَدات" من "الخوارج" لا يكفرون مرتكبي الذنوب من موافقيهم، ولقد قالوا: إن صاحب الكبيرة من موافقيها كافر نعمة، وليس بكافر دين [الفرق بين الفرق، ص ٥٦].
النقاش بينهم وبين الإمام عليّ: - ولم يبدأ الإمام "عليّ" في حربهم إلا بعد أن أرسل "ابن العباس"، لمناقشتهم، وبعد أن ناقشهم هو نفسه.
وفيما يلي نمط مختصر مما كان يدور إذ ذاك، فقد وقف الإمام "عليّ"، وقال: يا قوم ماذا نقمتم عَليّ: حتى فارقتموني لأجله؟ قالوا: قاتلنا بين يديك يوم الجمل، حتى هزمنا أصحاب الجمل: فأبحت لنا أموالهم، ولم تبح لنا نساءهم وذراريهم! وكيف تحل مال قوم وتحرم نساءهم وذراريهم؟ وقد كان ينبغي لك أن تحرم علينا الأمرين معًا، أو تبيحهما لنا معًا!
فقال "عليّ"، رضوان الله عليه: أما أموالهم فقد أبحتها لكم بدلًا مما أغاروا عليه من “بيت المال“ الذي كان بالبصرة قبل أن أصل إليهم، ولم يكن لنسائهم وذراريهم ذنب، فإنهم لم يقاتلونا، وكان حُكمهم حُكم المسلمين، ومن لم يُحكم له بالكفر من النساء والولدان؛ لم يجز سبيه، ولا استرقاقه، وبعد، لو أبحت لكم نساءهم فمن كان منكم يأخذ عائشة: زوج النبي ﷺ في قسمه؟
فلما سمعوا هذا الكلام خجلوا وقالوا: قد نقمنا عليك سببًا آخر وهو: إنك يوم “التحكيم“ كتبت اسمك في كتاب الصلح: إن أمير المؤمنين "عليّ بن أبي طالب" و "معاوية" حكَّا فلانًا، فنازعك "معاوية" وقال: لو كنا نعلم أنك أمير المؤمنين ما خالفناك. فمحوت اسمك، فإن كانت إمامتك حقًا فلم رضيت به؟
فقال أمير المؤمنين: إنما فعلت كما فعل النبي ﷺ حين صالَح "سهيل بن عمرو"، وكتب في كتاب الصلح: هذا ما صالح عليه "محمد" رسول الله "سهيل بن عمرو".
فقال "سهيل": لو علمنا أنك رسول الله ما خالفناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر النبي ﷺ
بذلك حتى كتب: هذا ما صالح عليه "محمد بن عبد الله" "سهيل بن عمرو".
فقال لي رسول الله ﷺ إنك "ستبتلى بمثله يومًا ما".
فالذي فعلته كان بإذنه، واقتداء به ﷺ.
قالت الخوارج: لم قلت للحكمين: إن كنت أهلًا للخلافة فأثبتاني، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك
بالشك فيك أولى!
فقال "عليّ" رضوان الله عليه: إنما أردت أن أنصف الخصم، وأسكن الثائرة، ولو قلت للحكمين: احكما لي؛ لم يرض بذلك "معاوية"، وهكذا فعل النبي الله صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران حين دعاهم إلى المباهلة فقال: ﴿تَعَالَوۡا۟ نَدۡعُ أَبۡنَاۤءَنَا وَأَبۡنَاۤءَكُمۡ وَنِسَاۤءَنَا وَنِسَاۤءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِینَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وهذا إنما قاله على سبيل الإنصاف، لا على سبيل التشكك، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّاۤ أَوۡ إِیَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ [سبأ: ٢٤].
ولهذا حكَّم النبي ﷺ "سعد بن معاذ" في "بني قريظة "، والحق في الحقيقة كان لرسول الله ﷺ ثم إن حُكم النبي ﷺ له حكم بالعدل، وحكمي الذي حكَّمته خُدع، فكان من الأمر ما كان [التبصير، للإسفراييني، ص: ۲۷ - ۲۸ - والفرق بين الفرق للبغدادي ص: ٥٨ – ٦٠].
ولكن السبب الرئيس في خروجهم، هو ما ذكرناه، عندما تحدثنا عن نشأتهم.
وليس من همنا هنا أن نستفيض في بيان فرقهم المتعددة، وما بينها من فروق واختلافات، من وجهة النظر الفلسفي البحت لا قيمة له، إذ أن "الخوارج" باعتبارهم "خوارج" لا رأى لهم - خاصًا بهم- في مسائل الدين الأساسية من إيمان بالله، ومن بحث في صفاته، ومن دراسة في البعث، إلخ.
وقد كفانا الإمام "عليّ" مئونة الرد عليهم في موقفهم منه.
ورأيهم في مرتكب الكبيرة يتفقون جميعًا عليه، ويكفينا في هذا المقام أن نعيد ثانية قول الله تعالى: ﴿قُلۡ یَٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: ٥٣].
تتلخص قضية الخوارج في تحول المعارضة السياسية إلى صدام عقدي، حيث أرسوا مبادئ الخروج على الحاكم الجائر وتكفير مرتكب الذنب، ورغم تشرذمهم، ظل يجمعهم شعار "لا حكم إلا لله"، ليكونوا أول من فتح باب الجدل الفلسفي حول شرعية السلطة وجوهر الإيمان.
تمثل فتنة الخوارج واحدةً من أخطر الفتن التي واجهت الأمة في تاريخها المبكر؛ لما حملته من انحراف في الفهم، وتوظيف للنصوص
إن من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم إخباره بالمغيبات وما هو كائن بعده
باب مدينة العلم والعلوم، وراية المهتدين، ونور المطيعين، وولي المتقين، وإمام العادلين
إنَّ قراءة فكر الخوارج ليست مجرد استدعاء للتاريخ، بل هي كشفٌ لمكامن الداء الذي يهدد جسد الأمة
ظاهرة التكفير في العصر الحديث وصِدَامها بالثوابت الشرعية، لها أثرها التاريخي الممتد من عهد الصحابة - رضي الله عنهم