وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لم يقف انحراف الخوارج عند التكفير السياسي؛ بل امتد ليشوه (جمال الشريعة) بفتاوى شاذة خرقت الإجماع المستقر؛ فالميمونية أباحت نكاح المحارم كبنات البنين وبنات البنات؛ بينما أسقطت الأزارقة حد الرجم عن الزاني المحصن، وقطعوا يد السارق في القليل بلا نصاب؛ بل ووصل التيه بالشبيبية إلى تجويز إمامة المرأة، إن هذا (التيه الفقهي) يعكس انفصالًا تامًّا عن مقاصد الوحي التي جاءت للتيسير، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
لقد تجاوزت فرق الخوارج حدود المعقول العقدي؛ فزعمت (اليزيدية) ببعث رسول من العجم ينسخ الإسلام، وكفّرت (المكرمية) تارك الصلاة بتهمة الجهل بالله؛ بل ووصل الجرم بـ(الميمونية) إلى إنكار سورة يوسف من القرآن بزعم أنها قصة عشق! إن هذا التجرؤ على الوحي هو الذي أورثهم القسوة، فاستحلوا دماء الصحابة الأبرار، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - منهم بقوله: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [رواه البخاري (٣٦١٠)].
إنَّ المخرج من غلو (التجسيم) وجفاء (التعطيل) يكمن في فهم (التأويل) كأداة بيانية؛ فأهل السنة متفقون على أن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، فقوله تعالى: ﴿بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] لا تعني الجوارح، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ﴾ [الحديد: ٤] لا تعني الحلول المادي، إن هذا الفهم هو الذي استقر عليه المحققون، حتى إن المتأخرين ممن فروا من لفظ (التأويل) وقعوا في معناه حين فسروا المعية بـــ(معية العلم والقدرة)، فالتأويل الراشد هو صيانة لجناب الذات العلية، والتزامٌ بقوله سبحانه: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
إن الخلاف بين السلف والخلف في مسائل الصفات يؤول في كثير من وجوهه إلى (خلاف لفظي)؛ فالجميع يقصد التنزيه ويعظم النص، إن التشنيع الذي يمارسه غلاة العصر على من سلك مسلك التأويل هو (تحكمٌ) يمزق وحدة الصف؛ فديننا دين الوسطية يسع (التفويض) و(التأويل) ما داما يخدمان قدسية التوحيد، إن معركتنا الحقيقية ليست مع من أوّل اليد بالقدرة؛ بل مع من استل سيف التكفير ليقطع رؤوس المؤمنين، وعلينا أن نعتصم بالجماعة وننبذ (النابتة) الذين ضيقوا واسعًا، وكفروا أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - بغير برهان.
إنَّ صيانة جناب التوحيد تبدأ من فهم لسان العرب الذي نزل به الوحي.
تتشابك أسباب التكفير بين جهل مطبق بمقاصد الشريعة وانحراف فكري يحيد بالمرء عن جادة الصواب.