وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن قضية التكفير لم تكن يومًا مجرد ترفٍ فكري أو خلافٍ نظري في أروقة المتكلمين، بل هي أم الفتن التي أُريقت بسببها الدماء، وتزلزلت لأجلها أركان الحضارة الإسلامية، إن الانحراف في فهم حقيقة الإيمان وموجبات الكفر هو المنطلق الذي يتخذه ذوو الأهواء والجهلة لإصدار أحكامٍ إقصائية تتجاوز حدود النص لتصطدم بمقاصد الشريعة العليا، وعندما نستحضر أسلوب الاستقصاء والتحليل، نجد أن التكفير المعاصر هو بعثٌ لروح الخوارج الأولى في قوالب جديدة، فرضتها ظروف سياسية واجتماعية ضاغطة، غاب فيها الفقيه وحضر فيها المندفع بصغر سنه وقصور علمه.
بعد ظهور جماعات الفكر التكفيري وانتشار آرائها الشاذة، لقيت معارضة شديدة حتى من رفاقهم في المنهج لشدة غلوها، ومع ذلك، تناسلت جماعات أخرى تنتهج ذات النهج مع اختلاف يسير في الدرجة متبنية فكرة جاهلية الحاكمية، الملاحظة الجوهرية هنا أن هذه الجماعات، وإن لم تنتسب صراحةً للخوارج، إلا أنها تتبنى ذات المصفوفة العقدية للخوارج الأوائل؛ وهي ربط الإيمان بالعمل الصالح ربطًا شرطيًّا يُخرج مرتكب المعصية (أو من يختلف معهم سياسيًّا) من الملة، إنهم يتفقون في الأصول التي عرف بها الخوارج، مما يجعلهم امتدادًا فكريًّا وعقديًّا لا يقبل الشك لأولئك الذين مرقوا من الدين في فجر الإسلام.
عند الكشف عن صلة التكفير المعاصر بالماضي، لابد من تحرير معنى (الخروج)، فالخروج الذي ندرسه هو الخروج الفرقي المذموم لا مطلق الخروج السياسي، إن النصوص النبوية، وفي مقدمتها أحاديث المارقة، حددت العلل التي استحق بها الخوارج هذا الوصف.
العلة الأولى هي (الأمر بالمنكر باعتباره معروفًا)، وتجسدت في (ذوي الخويصرة) الذي اعترض على قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا بجهل: "اتق الله واعدل!"، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اعْدِلْ. قَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ! أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون الْقُرْآنَ. لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يمرق السهم من الرمية».
لقد ظلت هذه العلة (الفهم السقيم للنص) ملازمة للخوارج؛ فهم يلبسون أهواءهم لباس النص الشرعي، فكما جعل الخوارجُ الأوائلُ التحكيم كفرًا مخرجًا من الملة بشعار لا حكم إلا لله، جعل المعاصرون الحاكمية (بمفهومهم الضيق) سببًا لتكفير الحكام والشعوب، وهي كلمة حق أريد بها باطل كما قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه؛ إذ إن (التحكيم) و(الحاكمية) من شعائر الدين، لكن توظيفهما لإراقة الدماء هو المنكر العظيم.
ثمة تطابق مذهل بين الظاهرة قديمًا وحديثًا في جانبين:
تتشابه طرق الاستنباط لدى الغلاة إلى حد التطابق المنهجي، وهو ما يمكن إيجازه في نقاط رصينة:
يثبت استقراء التاريخ أن التكفير وباء منهجي يقتات على الجهل بعلوم الوحي وبتر النصوص عن سياقاتها، ولن تفكك هذه الأفكار الشاذة إلا بالعودة الصادقة إلى المرجعية العلمية الراسخة والمنهج الأزهري الوسطي؛ الذي يعلي من شأن فقه الواقع والموازنات، ويحمي الأمة برفض تكفير أهل القبلة بذنب، فالإسلام جاء رحمة للعالمين ليعمر البنيان لا ليكون سيفًا على الرقاب.
الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين
يعد ضبط أحكام التكفير من أوجب الواجبات العلمية لحماية جناب الدين وعصمة دماء المسلمين