وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد تسللت إلى عقولِ (النابتة) من أهل التطرف فكرةٌ مظلمة تزعم أن الأصل في علاقة المسلم بغيره هو الصدام، وأن وجود (الآخر) في حد ذاته يمثل اعتداءً على مراد الله، والحقيقة التي سطّرها علماء الأمة سلفًا وخلفًا، كالإمام ابن الصلاح، تؤكد أن الله - تعالى - لم يخلق الخلق ليفنيهم، بل ليعرفوه ويعمّروا أرضه، إن الأصل هو (إبقاء الناس وتقريرهم)، فدار الدنيا ليست دار جزاء بل دار اختبار، والجزاء موعده الآخرة، إن السلم هو الحالة الفطرية والشرعية التي تسمح بالتعاون الإنساني، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣].
إنَّ التدقيق في نصوص الوحيين يكشف أن القتال لم يُشرع أبدًا لمجرد اختلاف الدين، بل شُرع لرد العدوان وصد الطغيان، وقد قرر المحققون وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (قاعدة في قتال الكفار)، أن الكفار لا يُقاتلون إلا بشرط (الحراب)، فإذا كفَّ غير المسلم يده، وجب الكف عنه وحرم دمه، والدليل القاطع قوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فجعل القتال مقيدًا بوقوع القتال من الطرف الآخر، واعتبر مجاوزة ذلك (عدوانًا) يطرد العبد من محبة الله.
تحاول تيارات الغلو تزييف الإجماع، والزعم بأن القتال غايته إجبار الناس على الإسلام، وهذا عين الكذب على الله، فالحق سبحانه يقول: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فلو كان القتل واجبًا لمجرد الكفر، لكان ذلك أعظم الإكراه، كما أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم لم يكره أحدًا قط، بل هادن وصالح، وما حارب إلا من بدأه بالنقض، ويؤكد ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما في الصحيحين: «أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»، فلو كان الكفر هو العلة لما استُثني هؤلاء.
إن الجهاد في الإسلام وسيلة لا مقصد، والمقصد الأعلى هو الهداية وعمارة الدنيا، وكما قرر الخطيب الشربيني، فإن القتال لا يُصار إليه إلا عند الضرورة التي لا ينفع معها بيان، إنَّ الشريعة تقدس الآدمية، وتعتبر المسلم وغير المسلم -ما دام في حالة سلم- إخوة في الإنسانية، كما أصل شيخ الإسلام محمود شلتوت، إنَّ العبث بالألفاظ وتجهيل الشباب بأن وجود غير المسلم غير شرعي، هو خبط فكري واستخفاف بحرمة الدماء التي هي أول ما يُقضى فيه يوم القيامة.
إن رسالة الإسلام هي صيانة الوجود البشري، والقتال ضرورةٌ تضيق وتتسع بقدر رد العدوان، إن من يظن أن الكفر وحده مبيحٌ للدماء فقد خالف صريح الكتاب وهدي السنة النبوية الشريفة، لنحذر من تزييف المفاهيم، فالدين جاء رحمةً للعالمين، وعصمة الدم هي من أقدس مقاصد الشريعة التي لا يصح التهاون فيها باسم الغيرة على الدين.
إنَّ الكلمةَ أمانةٌ ومسؤولية، وإنَّ أعظمَ الجناية على جلال الدين أن تُتخذ آيات الله ذريعة لاستباحة الإنسان.
إن اختلاف أئمة الهدى في موازين القبول والرد ليس تضادًّا يورث الشتات، بل هو (ثراءٌ منهجي) يقطع الطريق على كل غالٍ.
إنَّ الشريعةَ الغراء جاءت لتبنيَ الحضارة وتُزكي الوجدان.