وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد عانى الفكرُ المتطرفُ من تيهٍ أصوليٍّ عميق، أدى إلى اختلالِ مفهومِ البدعةِ لديهم إيجابًا وسلبًا، فبينما أدخلوا في البدعةِ المذمومةِ ما ليس منها، تلبَّسوا هم بأفعالٍ وأقوالٍ هي مَحضُ ابتداعٍ في الدينِ وكذبٍ على الشريعة، إنَّ المشكلةَ تكمنُ في عجزِهم عن التفرقةِ بين (البدعةِ اللغوية) وبين (البدعةِ الشرعيةِ المذمومة) التي تصادمُ أصلًا من أصولِ الدين، لقد عمدوا إلى تشويهِ ما اتفقَ عليهِ المسلمون، وجرى عليهِ عملُ السلفِ والخلف؛ كالتوسلِ بالجنابِ النبويِّ الشريف، وشدِّ الرحالِ لزيارةِ سيدِ الوجودِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فصيَّروا هذهِ القرباتِ بدعًا ومُنكرات، في حينِ أنهم اجترأوا على أصولٍ مخترعةٍ لم يقل بها أحدٌ من العالمين، ليُثبتوا للعالمِ أنَّ بابَ الابتداعِ لديهم هو أشدُّ الأبوابِ تخليطًا وتشويشًا، مما أفرزَ منهجًا غوغائيًّا لا يشهدُ لهُ شرعٌ ولا طبع، يضيقُ على الناسِ معايشَهم ويُجففُ منابعَ الجمالِ في تديُّنهم.
من أغربِ مظاهرِ هذا الخللِ المنهجيِّ، سعيُ هؤلاءِ المحمومُ لتبديعِ الفرحِ والاحتفاءِ بـأيامِ الله التي هي مَظانُّ الرحمةِ والسكينة، فالمولدُ النبويُّ الشريف، وليلةُ الإسراءِ والمعراج، وليلةُ القدر، هي في نظرهم فرحٌ بالباطل، في جرأةٍ غريبةٍ على نصوصِ القرآنِ التي أمرت بالذكرِ والشكر: ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ [إبراهيم: ٥]، إنَّ تبديعَ مجالسِ الذكرِ الجماعي، أو الذكرِ الكثيرِ المنظم، هو في الحقيقةِ تعطيلٌ لمقصدِ التزكيةِ النفسية، ومحاربةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِیۤ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ [البقرة: ١٥٢]، لقد حَرَموا المجتمعاتِ من أعرافِها الدينيةِ السمحة، ومنعوا المظاهرَ التي أفرزتها الحضارةُ الإسلاميةُ عبرَ القرون، كقراءةِ الفاتحةِ في العقودِ تبركًا، أو قول (صدق الله العظيم) في ختامِ التلاوة، مما عكسَ صورةً مشوهةً وجافيةً للإسلامِ في الشرقِ والغرب، تُظهرهُ وكأنَّهُ دينٌ يُعادي الجمالَ والاجتماعَ على البر.
لم يتوقفِ الأمرُ عند تبديعِ المظاهرِ الاجتماعية، بل امتدت يدُ التجهيلِ لتبديعِ المواظبةِ على الأعمالِ الصالحةِ التي استقرت عليها الأمة، فبينما كان علماءُ الأمةِ وساداتُها يستبشرونَ بقراءةِ (صحيح البخاري) في الملماتِ والأزماتِ طلبًا لفرجِ الله، جاءت هذه (النابتة) لتبدعَ هذا المسلك، بل وبدعوا تخصيصَ يومٍ في السنةِ لختمِ كتبِ السُّنةِ المطهرة، إنَّ هؤلاءِ لا يفهمونَ معنى (السنة الحسنة) التي أصلَّ لها النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: «مَنْ سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً حسنةً فلهُ أجرُها وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعدَه» [رواه مسلم]، إنَّ حصرَ العبادةِ في صورٍ ضيقةٍ وجامدة، وتبديعَ كلِّ ما لم يفعلهُ النبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - رغمَ اندراجِهِ تحتَ أصلٍ كليٍّ- هو جمودٌ فكريٌّ أدى إلى تشظي الأمةِ وتجريمِ أعظمِ مآثرِها الروحيةِ والعلمية.
لقد وصلَ التعنتُ ببعضِ متصدري هذا التيارِ إلى تبديعِ الخطيبِ الذي يقرأُ في صلاتِهِ ما يناسبُ موضوعَ خُطبتِهِ من القرآن، بدعوى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يلتزمُ بـ(سبح والغاشية)، وهذا لعمري هو قمةُ (السطحيةِ) في فقهِ الاتباع؛ فالنبيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يشرع التزامَ هذهِ السورِ ليكونَ حِجابًا عن التدبرِ في آياتِ اللهِ الأخرى التي تخدمُ غرضَ الموعظة، إنَّ الشريعةَ مبناها على التيسيرِ ومراعاةِ أحوالِ الناس، وتحويلِ صلاةِ الجمعةِ إلى جسدٍ بلا روحٍ بسببِ هذهِ القيودِ المبتدعةِ هو تعطيلٌ لمقصودِ الخطابِ والتبليغ، إنَّ منهجَ (النابتة) قائمٌ على إعناتِ الأمةِ وإحراجِها، بينما الإسلامُ جاء لرفعِ الأغلالِ والآصار، إنَّ ضبطَ مفهومِ البدعةِ وفقَ قواعدِ الأصولِ الأزهريِّ الراسخِ هو الحصنُ الوحيدُ من هذا (التضخمِ التبديعي) الذي يُمزقُ شملَ المجتمعاتِ ويستبيحُ كرامةَ المؤمنين.
إنَّ البدعةَ الحقيقيةَ هي جفاءُ القلبِ وتضييقُ رحمةِ اللهِ على خلقه، والتطرفُ في التبديعِ هو مِعولُ هدمٍ لحضارتِنا ومجتمعاتنا، وديننا الحنيف ومنهجنا الوسطي يرى في العاداتِ الحسنةِ والذكرِ المنظمِ أنوارًا تُقربُ العبدَ إلى ربهِ، وتُبقي جذوةَ الإيمانِ متقدةً في الأمة، فالدين جاء ليرتقي بالناس لا ليحبسهم في قوالب الجفاء.
إنَّ كمالَ التنزيهِ هو الحصنُ الحصينُ الذي يَقِي الوعيَ من عواصفِ الغلوِّ.
إن السنة النبوية المشرفة هي الروح التي سرت في جسد الأمة صياغةً وتزكية.
إن المعركة مع الإرهاب ليست مجرد صدامٍ عسكري؛ بل هي حربٌ مقدسة لاسترداد سماحة الإسلام.