Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فقه الوجود وجناية التكفير

الكاتب

هيئة التحرير

فقه الوجود وجناية التكفير

  هل جعل الإسلامُ الكفرَ ذريعةً لاستباحة الدماء وهدم الأوطان؟

كلا؛ فالأصل في علاقة المسلم بغيره هو السلم، المقال يفكك أوهام التكفير، ويُبين أن حرمة الدماء من أقدس المقاصد الشرعية.

السلمُ هو الأصلُ وعصمةُ الدماءِ غايةٌ شرعية

لقد تسللت إلى عقولِ (النابتة) من أهلِ التطرف فكرة مظلمة تزعم أن الأصل في علاقة المسلم بغيرِهِ هو الصدام، وأنَّ وجودَ الآخر في حدِّ ذاتِهِ يمثلُ اعتداءً على مرادِ اللهِ في خلقه، والحقيقةُ الراسخةُ التي سطّرها علماءُ الأمةِ سلفًا وخلفًا -كالإمامِ ابنِ الصلاحِ والشيخِ محمود شلتوت- تؤكدُ أنَّ اللهَ - تعالى - لم يخلقِ الخلقَ ليفنيَهم، بل ليعرفوهُ ويعمّروا أرضَه، فالإنسانُ بنيانُ اللهِ ملعونٌ من هدمَه، إنَّ الأصلَ في الشرعِ هو (إبقاءُ الناسِ وتقريرُهم) على حياتِهم وأموالِهم، فدارُ الدنيا ليست دارَ جزاءٍ بل دارُ اختبار، والجزاءُ موعدُهُ الآخرةُ عند مَن يعلمُ السرَّ وأخفى، ومن هنا فإنَّ السلم هو الحالة الفطرية والشرعية التي تهيئُ للتعاونِ الإنسانيِّ والتعارفِ البشري، مصداقًا لقولِهِ تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، إنَّ دعاوى القتالِ لمجردِ (الكفر) هي استحلالٌ للدماءِ بالكذبِ على اللهِ ورسولِهِ، وتناقضُ ما أجمعت عليهِ الأمةُ من احترامِ آدميةِ الإنسانِ وصيانةِ مهجتِهِ مهما كان دينُه.

تفكيكُ وَهْمِ الجاهليةِ وعصمةُ الأمةِ من الشرك

لقد حمل الغلاة لواء القولِ بـجاهلية المجتمعات الإسلامية في مخالفةٍ صارخةٍ لتصريحِ المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي أمن أمته من الشرك الأكبرِ في أواخرِ عهدِهِ بها؛ إذ يقولُ كما في الصحيحين: «إِنِّي لَسْتُ أخْشَى عَلَيْكمْ أَن تُشْرِكوا بَعْدِي ولكنْ أخْشَى علَيْكمُ الدُّنيا أَن تَنافَسُوا فِيها» [رواه البخاري ومسلم]، إنَّ هؤلاء النوابت عكسوا خبر الصادقِ المصدوق، وادعوا أنَّ الأمةَ ارتدت وأشركت، وأنَّ مشركي زماننا أغلظُ شركًا من الجاهليةِ الأولى، وهي ضلالةٌ بدأت بتكفيرِ العلماءِ وانتهت بتجهيلِ الشعوبِ كافة، إنَّ هذا المسلكَ الذي تبناهُ سيد قطب وأضرابهُ يهدفُ لقطعِ صلةِ الأمةِ بتاريخِها، وتصويرِ بلادِ الإسلامِ كـمحيطٍ للشرك، وهو خبطٌ فكريٌّ يجعلُ من القرآنِ خصمًا للأمةِ لا هاديًا لها، إنَّ كنانةَ اللهِ في أرضِهِ (مصر) وغيرها من الحواضرِ الإسلامية، هي معاقلُ التوحيدِ وأنوارُ الهداية، والقولُ بجاهليتِها هو المدخلُ الشيطانيُّ لاستباحةِ الديارِ وتفجيرِ المقدراتِ بدعوى كاذبة هي إعادةُ الإسلام، بينما الحقيقةُ أنهم يعيدونَ إنتاجَ فكرِ الخوارجِ الأوائل.

مأزقُ التكفيرِ وهدمُ المرجعياتِ العلمية

من أشدِّ آفاتِ التطرف استهانةُ هؤلاء بتكفير المسلمينَ عبرَ ما يُسمى بـالمتواليات التكفيرية التي تهدم القاعدةَ الأصوليةَ القائلةَ بأنَّ (لازمَ المذهبِ ليسَ بمذهب)، لقد اجترأ هؤلاءِ على قمم العلم الشامخة؛ فرموا الإمامَ (خالد بن عبد الله بن أبي بكر الجرجاوي الأزهري) و(الشهابَ الرملي) بالجهلِ بالتوحيد، وتطاولوا على (الفخرِ الرازيِّ والتقيِّ السبكي)، وكأنَّ الأمةَ ظلت في عمياءَ حتى جاء هؤلاءِ بـدينٍ جديد، وفي مقابلِ هذا الهراء، نجدُ قانونَ التكفير عندَ الراسخينَ كالإمامِ الغزاليِّ يُحذر أشدَّ التحذيرِ من هذا المسلك؛ فالخطأُ في تركِ ألفِ كافرٍ في الحياةِ أهونُ من الخطأِ في سفكِ محجمةٍ من دمِ مسلمٍ واحد، إنَّ المنهجَ الوسطي الأزهريَّ يرى أنَّ مَن نطقَ بالشهادتينِ فقد عصمَ دمَهُ ومالَهُ، وأنَّ التكفيرَ حكمٌ قضائيٌّ جليلٌ لا يجوزُ أن يلوكَه أنصافُ المتعلمينَ أو الغوغاء، فالتكفيرُ هو بريدُ القتل، ومن استسهلَ الرميَ بالردةِ فقد فتحَ بابَ الفوضى التي لا تُبقي ولا تذر.

الجهادُ النبيلُ بينَ ضوابطِ الفقهِ وإرجافِ الخوارج

إنَّ ما يروجُ له خوارجُ العصرِ ليس جهادًا، بل هو (إرجافٌ) يُثيرُ الفتنَ والقلاقلَ تحتَ ستارِ الدين، والجهادُ في الإسلامِ مصطلحٌ نبيلٌ له شروطُهُ التي لا يصحُّ إلا بها، وعلى رأسِها (إذنُ الإمام) ووجودُ (الرايةِ الواضحة)، وكما قررَ أئمةُ السنةِ كالقرافيِّ والجوينيِّ وابنِ قدامة، فإنَّ قرارَ الحربِ والسلمِ هو من صميمِ صلاحياتِ (وليِّ الأمر) الذي يوازنُ بينَ المصالحِ والمفاسدِ بميزانِ الحكمةِ لا بعاطفةِ الغوغاء، إنَّ (إعدادَ القوة) الرادعةِ كما نصَّ القرآنُ: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠]، هو جهادٌ حضاريٌّ يهدفُ لحقنِ الدماءِ وصيانةِ الثغور، وليس بالعملياتِ الهوجاء التي تُهلكُ المسلمينَ وتُشوهُ جمالَ شريعتِهم، إنَّ الانضباطَ بضوابطِ الفقهاءِ في قضايا الجهادِ هو الحصنُ من الفتنِ التي تمزقُ نسيجَ الأوطان، فمن أعلنَ قتالًا دونَ سلطان، واستحلَّ دماءَ الأبرياءِ بالتأويلِ الفاسد، فقد فارقَ هديَ المصطفى - صلى الله عليه وعلى وآله وسلم - وباءَ بإثمِ الإفسادِ في الأرض.

الخلاصة

إن رسالة الإسلام قامت على صيانة الوجود وحفظ الأوطان، والتطرف هو العدو الأول لجمال هذا الدين، إن المنهج الوسطي يظل الحارس للأمة من لوثة التكفير وظلمة التجهيل، وبالعلم الصادق والرحمة النبوية، نرد كيد المرجفين، ونبني حضارة الإنسان، ونعمر الأرض بسلامٍ وعدلٍ يجمع القلوب ولا يفرقها، بعيدًا عن أهواء الخوارج.

موضوعات ذات صلة

 إن الشريعة الإسلامية ليست فضاءً مستباحًا للأهواء؛ بل هي نظامٌ إلهي مُحكم قوامه (الشروط).

إن اختلاف أئمة الهدى في موازين القبول والرد ليس تضادًّا يورث الشتات، بل هو (ثراءٌ منهجي) يقطع الطريق على كل غالٍ.

إن التطرف ليس تدينًا زائدًا، بل هو (خروجٌ عن التدين)؛ إذ ينقل المرء من سعة الوحي الذي جاء ليُحيي الإنسان.

موضوعات مختارة