كيف تحولت الأيدلوجيا المنحرفة إلى خنجر في خاصرة الاستقرار العالمي؟
عبر "جناية الغلو" وتهافت التأويل الذي انتزع النصوص من سياقها؛ فالمواجهة الحقيقية تبدأ من هدم البنيان الفكري للإرهاب قبل الميادين.
كيف تحولت الأيدلوجيا المنحرفة إلى خنجر في خاصرة الاستقرار العالمي؟
عبر "جناية الغلو" وتهافت التأويل الذي انتزع النصوص من سياقها؛ فالمواجهة الحقيقية تبدأ من هدم البنيان الفكري للإرهاب قبل الميادين.
لقد شهد العالم في أعقاب الحروب الكبرى، وخلال العقدين الأخيرين على وجه الخصوص، تناميًا مخيفًا للأيدلوجيات التي تتخذ من المرجعية الدينية غطاءً لممارساتها المارقة، وهذا التنامي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاقي اختلالات فكرية عميقة وانحرافات عقائدية مهدت السبيل لنشوء كيانات استغلت العاطفة الدينية الجياشة لدى الشباب، مستغلة في ذلك ترديًّا معرفيًّا وحالة من الغبش في الرؤية، فاكتست هذه الجماعات بالطابع الديني، والدين منها براء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.
إن هذا الانحراف الفكري لم يقف خطره عند حدود سفك الدماء، بل تعداه لفتح ثغرة استراتيجية وفرصة ذهبية لأعداء الإسلام، لكي يوصم الدين الحنيف بما ليس فيه، ويدخلوا في قاموس العمل السياسي والإعلامي صيغًا جائرة تربط بين الإسلام والإرهاب، فظهرت مصطلحات الإرهاب الأصولي والسلفي والإسلامي، وهي مصطلحات تفتقر للموضوعية وتجافي الحقيقة، وللأسف الشديد، فإن بعض المسلمين قد أسهموا – بوعي أو بغير وعي – في تنامي هذه الظاهرة من خلال تبني مفاهيم خاطئة، نمت في تربة خصبة من الجهل بفقه الخلاف وآدابه، فعمدوا إلى إحلال لغة الرصاص بدل لغة الحوار، وابتدعوا (فقهًا موازيًا) يحاولون تعضيده بانتزاع آيات من سياقها وأحاديث من سباقها، تحريفًا للكلم عن مواضعه [محمد علي عبد المولى: المحاور الاستراتيجية لمواجهة ظاهرة الإرهاب، مجلة الدراسات الاستراتيجية، مركز البحرين للدراسات والبحوث، المجلد الثاني، العدد الثالث، مايو ٢٠٠٦م، ص ٢٥ وما بعدها].
إن هذا (الفقه المبتدع) يقوم على منهجية فاسدة تستند إلى (الجزئيات) وتهمل (الكليات)، وتتمسك بـ(الظواهر) وتغفل (المقاصد)، وتنتقي من النصوص ما يوافق هواها، وتغض الطرف عما يعارضها من قواعد راسخة، وأصول محكمة، ثم تروج لهذا المسلك الوعر في أوساط الشباب وأنصاف المتعلمين، مستغلة في ذلك اندفاعهم العاطفي وغيرتهم الدينية غير المنضبطة بضوابط العلم الشرعي الرصين.
إن الفهم الخاطئ للدين ومبادئه وأحكامه يمثل الثغرة الكبرى التي ينفذ منها الشيطان إلى عقول الشباب، ولا سيما حين يقترن هذا الفهم بحالة من الإحباط النفسي والاجتماعي، ناتجة عن افتقار الشباب إلى المثل العليا الحية التي يرجون رؤيتها في سلوك المجتمع أو في سياسة الحكم، وهذا الفراغ الروحي والقدوة المفقودة يعطي الفرصة الذهبية للجماعات المتطرفة لكي تملأ هذا الفراغ بأفكارها المسمومة التي تروج لها بأساليب دعائية براقة، وفي ظل غياب حوار مفتوح وشجاع من قبل علماء الدين لتفكيك هذه الأفكار ومناقشة جذورها، يترسخ الفكر المتطرف، ويتحول إلى عقيدة صلبة يصعب زحزحتها [د/ محمد علي حسن الهواري: مفهوم الإرهاب وأسبابه وسبل علاجه، مجلة الأفق والحياة، ص ٣٩].
إن هذا الفهم السقيم يفضي بالضرورة إلى (الغلو)، وهو مجاوزة الحد الذي حذر منه الإسلام تحذيرًا شديدًا حتى لو كان في العبادة، فما بالنا إذا كان في الدماء والأعراض؟ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أنبيائهم» [صحيح مسلم: ١٣٣٧]، إن الغلو هو المسكن الأول للإرهاب، وهو الحالة النفسية والفكرية التي تسبق الفعل الإجرامي [د. صالح غانم السدلان: أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، بحث منشور بموقع المنبر الإسلامي].
ويعاني العالم الإسلامي اليوم من انقسامات فكرية حادة، تتنازعها تيارات متضادة؛ منها تيار علماني يدعو لسلخ الحياة عن أصولها الشرعية بدعوى التقدم، وهو تيار يولد ردة فعل متطرفة في الجهة المقابلة؛ حيث يظهر تيار ديني متشدد يعادي كل مظاهر الحضارة والمدنية، ويرى فيها فسادًا مطلقًا وانحلالًا أخلاقيًّا، مما يجعل الفرد يعيش حالة من الصدام الدائم مع واقعه، ويتحول المجتمع إلى ساحة للصراع بين تغريب مفرط وتشدد منفر [د. أسماء بنت عبد العزيز الحسين: أسباب الإرهاب والعنف والتطرف، بحث منشور بموقع المنبر الإسلامي].
لقد ساهم عدم توافق التقاليد الاجتماعية مع تسارع حركة التطور الحديث في خلق فجوة عميقة وانفصام بين شرائح المجتمع، سادت معها حالة من النفور والخصام، وسرعان ما تحولت هذه الحالة النفسية إلى ممارسات عنيفة وأعمال إرهابية، ويزداد الأمر سوءًا عندما يرفض بعض المتدينين مظاهر الحياة الحديثة وتقنياتها دون فهم متعمق لجوهرها، فيعمدون إلى تأليب الشباب ضدها، واستعداء كل من يخالفهم الرأي وصولًا إلى رميهم بالكفر والفسوق، وهذا كله نتاج قصور حاد في الخطاب الديني المعاصر الذي فشل في شرح سماحة الدين وترسيخ فكر ديني سليم يستوعب المتغيرات دون إخلال بالثوابت [سعد حسين عبد الله آل سلمان: رؤية حول أسباب الإرهاب الدولي، ص ٩٣].
إن تعدد مصادر الثقافة وانتشار الثقافات المتضادة أحدث حالة من (التلوث الفكري) لدى المتلقي، ولا سيما الشباب الذين لا يملكون مكنة التمييز بين الغث والسمين، مما أدى إلى التشكيك في ثوابت الأمة وزعزعة استقرارها، وعندما يلتبس الحق بالباطل، ينحرف الشاب نحو التطرف، معتقدًا واهمًا أن فرض رأيه بالقوة والتفجير والتخريب هو الأسلوب الشرعي الصحيح لإصلاح الأمة، وما هو في الحقيقة إلا هدم لأركانها [د. معجب بن معدي الحويقل: التلوث الفكري والإرهاب، مجلة الأمن، العدد ٦٠، ١٤٢٥هـ، ص ٤٧].
إن التيارات الفكرية الحادة تلغي وجود الآخر، وتعتبر المخالف عدوًا يجب استئصاله، وهذا هو مكمن الخطر، فالحوار بالعقل والمنطق هو السبيل الوحيد للتعايش، أما فرض الرأي بالقوة فهو شذوذ عن الفطرة الإنسانية السوية [عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه: الإرهاب - التشخيص والحلول، ص ٤٤].
إن ظاهرة التطرف ليست بدعًا من القول في تاريخ البشرية، ولا يكاد يخلو دين سماوي أو أرضي من فئات منشقة تتخذ من التعصب وسيلة لفرض ذاتها، فالتاريخ يحدثنا عن الانقسامات الحادة في اليهودية والنصرانية، والصراعات الدامية بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا، وما عانته ديار الإسلام من ويلات الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، وصولًا إلى تعصب الصهاينة في احتلال فلسطين، فالتطرف لا دين له ولا وطن، بل هو داء يصيب العقول حين تغيب الحكمة [سعد حسين عبد الله آل سلمان: رؤية حول أسباب الإرهاب الدولي، ص ٩٤، ٩٥].
لذا، ونظرًا لأن الدافع الفكري المشوه هو الحجر الأساس في بنيان الإرهاب، فإن الضرورة تقتضي هدم هذا البنيان من أساسه عبر مواجهة الفكر بالفكر، والبيان بالبيان، ويقع العبء الأكبر هنا على المراكز الدينية والعلماء الربانيين والدعاة المستنيرين؛ لبيان الصراط المستقيم، كما يجب على الأسرة والمدرسة متابعة الشباب، وحمايتهم من مروجي الفكر الملوث، فالمواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، ما لم تسندها حصانة فكرية واعية تنبت في عقول الأجيال حب الوطن، وعمارة الكون، وتؤكد أن المسلم الحقيقي هو من سلم الناس من لسانه ويده، وأن عظمة الإسلام تكمن في رحمته للعالمين، لا في ترويعه للآمنين.
إن الإرهاب نتاج تأويل منحرف وفهم سقيم يستوجب استنفار كافة القوى العلمية والتربوية لتفكيكه، فالحرب اليوم هي حرب على العقول قبل أن تكون حربًا في الميادين، والواجب يحتم تقديم خطاب ديني يجمع بين جلال الأصالة وجمال المعاصرة، ويقطع الطريق على سدنة الغلو، فالدين جاء لعمارة الأرض لا لخرابها، ولصون النفوس لا لإزهاقها، وكل فكر يدعو لسفك الدماء هو خيانة لمقاصد الوحي الكبرى ومروق عن هدي النبوة الشريف.
حراسة العقيدة لا تكونُ بالجمودِ الذي يُعطل العقول، ولا بالشططِ الذي يَهدمُ الأصول، بل بنظرٍ ثاقبٍ يجمعُ بين نور الوحي ومقتضيات العقل.
إنَّ قراءة ضلالات الخوارج ليست ترفًا تاريخيًّا، بل هي ضرورةٌ فكرية لكشف الداء الذي يستحل الدماء بدعوى التوحيد.
إنَّ مذهب الخوارج ليس مجرد طائفة عابرة، بل هو مأزق فكري ونفسي يختزل الشريعة في حد السيف.