أولًا: التفريق بين الحقيقة والمجاز في "يُغاث"
و"يعصرون" يزيل الإشكال
إن
كلمة "الغوث" في اللغة تأتي على الحقيقة بمعنى نزول ماء من السماء،
وتأتي على المجاز بمعنى الإغاثة والنجدة، وكذلك كلمة "العصر" تأتي حقيقة
لعصر العنب، ومجازًا للنجاة من الشدة، وقد نبه المفسرون إلى هذا ففي تفسير الطبري:
"يعني بقوله: (فيه يغاث الناس)، بالمطر والغيث" ثم ساق عن ابن عباس:
"(فيه يغاث الناس) بالمطر" [جامع البيان، جـ١٢، صـ٢٠٥]. ثم ذكر قولاً
آخر: "وقد قيل: إن معنى ذلك: فيه يغاث الناس بالرزق والنبات". [ينظر:
جامع البيان، جـ١٢، صـ٢٠٦]
وكذلك
في "يعصرون": قال الطبري: "واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:
(وفيه يعصرون)، فقال بعضهم: يعصرون العنب والزيتون والسمسم. وقال بعضهم: يعصرون
اللبن. وقال بعضهم: يعصرون أي ينجون من العصرة وهي الشدة" [جامع البيان،
جـ١٢، صـ٢٠٧-٢٠٨]، وهذا الاختلاف يدل على أن المجاز معتبر في اللغة.
فإذا
حملنا الآية على المجاز (الإغاثة بالرزق والنجاة من الشدة)، زالت الشبهة بالكلية،
وهذا المعنى المجازي معروف في النصوص التوراتية التي أوردها المعترض نفسه، كقوله: "لأعرف
أن أغيث المعيى" [إشعياء ٥٠: ٤]، فالإغاثة هنا نجدة وعون لا مطر. وقوله: "فألقاه
إلى معصرة غضب" [رؤيا ١٤: ١٩]، فالعصر هنا مجاز عن شدة العذاب لا عن
العنب.
ثانيًا: الحمل على الحقيقة جائز لأن الأمر خارج على المألوف (عام
استثنائي)
إذا
أصر المعترض على حمل الكلمتين على الحقيقة (المطر وعصر العنب)، فإن الأمر هنا خارج
عن المألوف، لأن المدة الكلية خمس عشرة سنة: سبع سنين مخصبات، ثم سبع سنين عجاف
شديدة، ثم عام خصب بعدهما يأتي فيه الخير قليلاً، فالمناسب لقلة الخير في ذلك
العام أن ينزل المطر، وقلة المياه تكفي لري العنب والفواكه في أماكن زراعته، وتكفي
لإنبات قمح يكون بذره بذرًا للسنوات الآتية.
قال ابن كثير: "ثم بشرهم بعد الجدب في
العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك (عام فيه يغاث الناس) أي: يأتيهم الغيث وهو
المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون من زيت ونحوه" [ينظر تفسير
ابن كثير ]. فجعل ابن كثير الحمل على الحقيقة (المطر) ممكنًا في هذا السياق
الاستثنائي.
ثالثًا: النصوص التوراتية نفسها تثبت نزول المطر في مصر ووجود
مصادر مياه غير النيل
أورد
كتاب المعترض المقدس نفسه نصوصًا توراتية تثبت أن أرض مصر تعرف المطر، قال:
"فامتنع الغيث ولم يكن مطر" [إرمياء ٣: ٣]، فهذا نص صريح أن المطر ينزل
في مصر أحيانًا ويمتنع أحيانًا، فكيف ينكر المعترض ما اعترف به كتابه؟
كما
أورد كتاب المعترض نصوصًا من سفر التكوين تصف وجود سنابل رقيقة نابتة في أرض مصر
في زمن سيدنا يوسف عليه السلام، قال: "وهو ذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد
سمينة وحسنة، ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها"
[تكوين ٤١: ٥-٦]، وكرر: "نابتة وراءها" [تكوين ٤١: ٢٣]، فكيف
تكون هذه السنابل نابتة وليس لماء النيل من سواقي؟ لابد من وجود مصدر آخر للمياه،
إما آبار وعيون أو مطر، وهذا ما لا ينفيه العقل ولا النقل، بل يثبته منطق الآية
نفسها.
رابعًا: عصر العنب دليل على وجود ماء، ومصدره قد يكون الآبار أو
المطر
ذكر
كتاب المعترض أن العصر على الحقيقة موجود في النص التوراتي: "فأخذت العنب
وعصرته في كأس فرعون، وأعطيت الكأس في يد فرعون" [تكوين ٤٠: ١١]، وهذا
العصر يحتاج إلى عنب، والعنب يحتاج إلى ماء، فإذا كان ماء النيل منقطعًا أو ناقصًا
في السنين العجاف، فلا بد أن يكون هناك ماء من مصدر آخر، إما آبار أو مطر، وقد
أشار ابن كثير إلى أن العام الذي بعده كان عام خصب عميم، قال: "ويعصر الناس
ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه
حلب اللبن أيضا" [تفسير القرآن العظيم، جـ٤، صـ٣٨٨]، وهذه إشارة إلى كثرة
الخير والنماء، ولا يستحيل أن يكون بعضه بمطر أو آبار.