Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رَيُّ مصر بالغيث شبهة ورد

الكاتب

هيئة التحرير

رَيُّ مصر بالغيث شبهة ورد

من رحمة الله أن جعل في كتابه آيات بينات، ومن حكمته أن أقام الحجة على عباده بما يبطل كل شبهة، وإن مما أثار بعض المشككين حول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، زاعمين أن الآية تنسب خصب مصر إلى المطر مع أن أرض مصر تروى بالنيل.

عرض الشبهة

يدعي المعترض أن أرض مصر لا تعرف الري إلا بنهر النيل، فكيف يصفها القرآن بأن عامًا منها "يُغاث فيه الناس" أي يمطرون، وأنهم "يعصرون" أي يعصرون العنب، وهذا كله يحتاج إلى ماء المطر، فيتساءل: كيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر؟

الرد المجمل

هذه الشبهة تندفع من وجهين متكاملين: الأول: أن كلمتي "يُغاث" و"يعصرون" لهما استعمال حقيقي واستعمال مجازي في اللغة العربية كما في العبرانية، فحملها على المجاز يزيل الإشكال.

 الثاني: أن الحمل على الحقيقة جائز عقلاً ونقلاً، لأن الأمر خارج على المألوف في عام استثنائي، وقد اعترفت النصوص التوراتية نفسها بنزول المطر في أرض مصر وبوجود مصادر مياه غير النيل، كما أشار إلى كلا المعنيين بعض المفسرين.

الرد المفصل

أولًا: التفريق بين الحقيقة والمجاز في "يُغاث" و"يعصرون" يزيل الإشكال

إن كلمة "الغوث" في اللغة تأتي على الحقيقة بمعنى نزول ماء من السماء، وتأتي على المجاز بمعنى الإغاثة والنجدة، وكذلك كلمة "العصر" تأتي حقيقة لعصر العنب، ومجازًا للنجاة من الشدة، وقد نبه المفسرون إلى هذا ففي تفسير الطبري: "يعني بقوله: (فيه يغاث الناس)، بالمطر والغيث" ثم ساق عن ابن عباس: "(فيه يغاث الناس) بالمطر" [جامع البيان، جـ١٢، صـ٢٠٥]. ثم ذكر قولاً آخر: "وقد قيل: إن معنى ذلك: فيه يغاث الناس بالرزق والنبات". [ينظر: جامع البيان، جـ١٢، صـ٢٠٦]

وكذلك في "يعصرون": قال الطبري: "واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (وفيه يعصرون)، فقال بعضهم: يعصرون العنب والزيتون والسمسم. وقال بعضهم: يعصرون اللبن. وقال بعضهم: يعصرون أي ينجون من العصرة وهي الشدة" [جامع البيان، جـ١٢، صـ٢٠٧-٢٠٨]، وهذا الاختلاف يدل على أن المجاز معتبر في اللغة.

فإذا حملنا الآية على المجاز (الإغاثة بالرزق والنجاة من الشدة)، زالت الشبهة بالكلية، وهذا المعنى المجازي معروف في النصوص التوراتية التي أوردها المعترض نفسه، كقوله: "لأعرف أن أغيث المعيى" [إشعياء ٥٠: ٤]، فالإغاثة هنا نجدة وعون لا مطر. وقوله: "فألقاه إلى معصرة غضب" [رؤيا ١٤: ١٩]، فالعصر هنا مجاز عن شدة العذاب لا عن العنب.

ثانيًا: الحمل على الحقيقة جائز لأن الأمر خارج على المألوف (عام استثنائي)

إذا أصر المعترض على حمل الكلمتين على الحقيقة (المطر وعصر العنب)، فإن الأمر هنا خارج عن المألوف، لأن المدة الكلية خمس عشرة سنة: سبع سنين مخصبات، ثم سبع سنين عجاف شديدة، ثم عام خصب بعدهما يأتي فيه الخير قليلاً، فالمناسب لقلة الخير في ذلك العام أن ينزل المطر، وقلة المياه تكفي لري العنب والفواكه في أماكن زراعته، وتكفي لإنبات قمح يكون بذره بذرًا للسنوات الآتية.

 قال ابن كثير: "ثم بشرهم بعد الجدب في العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك (عام فيه يغاث الناس) أي: يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون من زيت ونحوه" [ينظر تفسير ابن كثير ]. فجعل ابن كثير الحمل على الحقيقة (المطر) ممكنًا في هذا السياق الاستثنائي.

ثالثًا: النصوص التوراتية نفسها تثبت نزول المطر في مصر ووجود مصادر مياه غير النيل

أورد كتاب المعترض المقدس نفسه نصوصًا توراتية تثبت أن أرض مصر تعرف المطر، قال: "فامتنع الغيث ولم يكن مطر" [إرمياء ٣: ٣]، فهذا نص صريح أن المطر ينزل في مصر أحيانًا ويمتنع أحيانًا، فكيف ينكر المعترض ما اعترف به كتابه؟

كما أورد كتاب المعترض نصوصًا من سفر التكوين تصف وجود سنابل رقيقة نابتة في أرض مصر في زمن سيدنا يوسف عليه السلام، قال: "وهو ذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة، ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها" [تكوين ٤١: ٥-٦]، وكرر: "نابتة وراءها" [تكوين ٤١: ٢٣]، فكيف تكون هذه السنابل نابتة وليس لماء النيل من سواقي؟ لابد من وجود مصدر آخر للمياه، إما آبار وعيون أو مطر، وهذا ما لا ينفيه العقل ولا النقل، بل يثبته منطق الآية نفسها.

رابعًا: عصر العنب دليل على وجود ماء، ومصدره قد يكون الآبار أو المطر

ذكر كتاب المعترض أن العصر على الحقيقة موجود في النص التوراتي: "فأخذت العنب وعصرته في كأس فرعون، وأعطيت الكأس في يد فرعون" [تكوين ٤٠: ١١]، وهذا العصر يحتاج إلى عنب، والعنب يحتاج إلى ماء، فإذا كان ماء النيل منقطعًا أو ناقصًا في السنين العجاف، فلا بد أن يكون هناك ماء من مصدر آخر، إما آبار أو مطر، وقد أشار ابن كثير إلى أن العام الذي بعده كان عام خصب عميم، قال: "ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضا" [تفسير القرآن العظيم، جـ٤، صـ٣٨٨]، وهذه إشارة إلى كثرة الخير والنماء، ولا يستحيل أن يكون بعضه بمطر أو آبار.

الخلاصة

تبين أن الشبهة تندفع بالنظر إلى المجاز اللغوي الذي أقرته النصوص التوراتية، وبالنظر إلى جواز نزول المطر في مصر اعترافًا بما ورد في إرمياء، وبالنظر إلى وجود مصادر مياه غير النيل في زمن يوسف كما دلت عليه السنابل النابتة والنصوص التوراتية، فالقرآن لم يخطئ، بل أخبر عن عام استثنائي، وكتاب المعترض نفسه يشهد بصحة ذلك.

موضوعات ذات صلة

أثار بعض المشككين شبهة: أنه لا يوجد وادٍ اسمه "طوى" في سيناء

يتخذ البعض من ظواهر النصوص القرآنية ذريعة لإثارة الشكوك حول دقتها العلمية، ومن أشهر هذه المواضيع قصة ذي القرنين ووصفه لمشهد غروب الشمس في سورة الكهف.

يكشف هذا الطرح حقيقة الخلاف حول اسم والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بين "آزر" و"تارح"، مبرزًا هيمنة القرآن الكريم ودقة بيانه في تصحيح المفاهيم التاريخية وكشف الألقاب الدينية.

توضيح شامل للجمع بين الآيات التي تتحدث عن مادة خلق الإنسان، وبيان أن تعدد الألفاظ يمثل مراحل تكاملية دقيقة، وليست تناقضًا، مما يثبت الإعجاز العلمي في النص القرآني.