أ- دحض المغالطة من التوراة نفسها
يظن المشككون أن اسم "السامرة" مشتق من مدينة بُنيت في
القرن التاسع قبل الميلاد، وغفلوا عن النص التوراتي الصريح الذي يقرر أن المدينة
سُميت نسبةً إلى شخص اسمه "شامر" كان موجودًا قبل بناء المدينة، فقد جاء
في سفر الملوك الأول: "فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلاَثِينَ لآسَا
مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً...
ثُمَّ اشْتَرَى جَبَلَ السَّامِرَةِ مِنْ شَامِرَ بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الْفِضَّةِ،
وَبَنَى عَلَى الْجَبَلِ، وَدَعَا اسْمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا بِاسْمِ
شَامِرَ صَاحِبِ الْجَبَلِ: السَّامِرَةَ" (سفر الملوك الأول ١٦: ٢٣-٢٤)،
وجاء في قاموس الكتاب المقدس: "السَّامِرَةُ: مَدِينَةٌ فِي فِلَسْطِينَ،
أَسَّسَهَا عُمْرِي مَلِكُ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ شِرَائِهِ جَبَلَ السَّامِرَةِ
مِنْ شَامِرَ، وَبَنَى عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ وَدَعَاهَا بِاسْمِهِ"[ينظر: قاموس الكتاب المقدس، ص ٤٥٩]، فإذا كان اسم
"شامر" موجودًا قبل بناء المدينة، فإن وجود شخص اسمه "سامري"
(نسبة إلى شامر) في عصر موسى ليس مستحيلًا.
ب- السامري نسبة إلى بلدة "شمرون"
القديمة
ليست كلمة "سامري" منسوبة إلى مدينة السامرة المتأخرة،
بل إلى بلدة أقدم اسمها "شمرون" (Shimron)، كانت
عامرة على عهد سيدنا موسى ويوشع عليهما السلام، وقد ورد ذكر هذه البلدة في سفر
يشوع (أي يوشع) عدة مرات، مما يدل على وجودها في العصر الذي تلا سيدنا موسى عليه
السلام مباشرة، جاء في سفر يشوع: "فَاصْطَفَّ هَؤُلاَءِ لِلِقَاءِ
إِسْرَائِيلَ... يُوبَطُ وَمَرْأَوْنَ وَشِمْرُونَ" (سفر يشوع ١١: ١)؛ "مَلِكُ
شِمْرُونَ مَلِكُ أَكْشَافَ وَاحِدٌ" (سفر يشوع ١٢: ٢٠)؛ "وَشِمْرُونَ
... كَانَتْ فِي سَبْطِ زَبُولُونَ" (سفر يشوع ١٩: ١٥)، والنسبة إلى
"شمرون" هي "شمروني"، وهي تعرب إلى "سامري"، وقد
فتح يوشع هذه البلدة وجعلها في سبط زبولون، فهذا دليل قطعي على وجود التسمية في
عصر سيدنا موسى ويوشع عليهما السلام.
ج- المعنى اللغوي لكلمة "سامري" (حارس/مضل)
كلمة "سامري" معرَّبة عن العبرية "شومير" (שומר) المشتقة
من "شمر" بمعنى: حفظ وحراسة، وقد وردت هذه اللفظة في سفر التكوين في
حوار الرب مع قابيل: "فَقَالَ الرَّبُّ لِقَابِينَ: أَيْنَ هَابِيلُ
أَخُوكَ؟ فَقَالَ: لاَ أَعْلَمُ. أَحَارِسٌ (شومير) أَنَا لأَخِي؟" (سفر
التكوين ٤: ٩)، فمعنى "سامري" إذًا: الحارس، أو الحافظ، أو المراقب، وقد
يكون المعنى "المضل" باعتبار أن الحارس إذا خان أمانته صار مضلًا، فقول
موسى للسامري: ﴿قَالَ فَمَا
خَطۡبُكَ یَٰسَٰمِرِیُّ﴾ [طه: ٩٥]،
أي: ما شأنك أيها الحارس الذي ترك حفظ الأمانة وأضلَّ الناس؟ وهذا نظير ما قاله
اليهود للمسيح عليه السلام في إنجيل يوحنا: "أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا
إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟" (يوحنا ٨: ٤٨)، ولم يقصدوا نسبة
إلى مدينة السامرة فقط، بل معنى التحقير والضلال.
د- أقوال المفسرين في هوية السامري
لم يختلف المفسرون في أن السامري كان رجلًا معاصرًا لسيدنا موسى
عليه السلام، وقد ذكر الإمام الطبري ذلك فقال: "اختلف أهل العلم في
السامري، فقال بعضهم: كان رجلًا من بني إسرائيل من أهل باجرما، وكان حب عبادة
البقر في نفسه، وقال آخرون: كان من أهل كرمان، وقال قتادة: كان من قرية اسمها
سامرا".
[ينظر: الطبري،
جامع البيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، جـ ١٦، صـ ٢١٥].
وجاء في تفسير القرطبي: "قال قتادة: كان السامري عظيمًا في
بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع
موسى". [ينظر:
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني، جـ ١١، صـ ٢٥١]، وكل هذه الأقوال تؤكد أن السامري
شخصية تاريخية معاصرة لموسى، ولم يخطر ببال أحد منهم أن الكلمة نسبة إلى مدينة
السامرة المتأخرة.
هـ - التفرد القرآني ونفي الاقتباس
من اللافت أن القرآن ينسب صناعة العجل إلى "السامري"،
بينما تنسب التوراة الفعل إلى سيدنا هارون عليه السلام مباشرة، وهذا الاختلاف
الجوهري يعد دليلًا قطعيًا على أن القرآن ليس مقتبسًا من التوراة؛ لأنه لو كان
كذلك لنسب الفعل إلى سيدنا هارون عليه السلام تبعًا للنص التوراتي، بل إن القرآن يبرئ
هارون من هذه التهمة ويؤكد أنه بريء مما نسبته إليه التوراة، فقد قال تعالى على
لسان سيدنا هارون عليه السلام: ﴿یَبۡنَؤُمَّ
لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡیَتِی وَلَا بِرَأۡسِیۤۖ إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ
بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِی﴾
[طه: ٩٤]،
وهذا النفي الصريح يدل على أن الذي أضلهم هو السامري لا سيدنا هارون عليه السلام.