تُعدّ قضية مدة خلق الكون من المسائل التي تتداخل فيها النصوص المقدسة مع الحقائق العلمية الكونية، مما يستدعي التفسير والتوفيق.
تُعدّ قضية مدة خلق الكون من المسائل التي تتداخل فيها النصوص المقدسة مع الحقائق العلمية الكونية، مما يستدعي التفسير والتوفيق.
تُثير النصوص القرآنية التي تُحدد مدة خلق السماوات والأرض بـ ستة أيام تساؤلين رئيسين:
الأول: ينص القرآن في عدة مواضع على أن الخلق تم في ستة أيام، وهذا يتعارض بشكل صريح مع ما أثبته علم الكونيات الحديث من أن تكوين الكون والأرض قد استغرق بلايين السنين، مما يفتح الباب للتساؤل حول دقة الوصف القرآني.
الثاني: أنه في التعبير القرآني نفسه كانت مدة الخلق ثمانية أيام بدلًا من ستة كما في سورة فصلت: ﴿قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَادࣰاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ * وَجَعَلَ فِیهَا رَوَٰسِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَٰتَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤئِلِینَ * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئِعِینَ﴾ [فصلت: ٩-١١]
فيُفهم من آيات سورة فُصِّلت أن مدة الخلق قد تكون أطول من ستة أيام:
فكيف يمكن التوفيق بين هذه الآيات؟
يكمن الرد في فهم مصطلح "اليوم" في السياق القرآني، حيث لا يُقصد به اليوم الفلكي المتعارف عليه (٢٤ ساعة)، بل هو حقبة زمنية أو مرحلة كونية طويلة جدًا غير محددة بزمن بشري، تتفق مع بلايين السنين التي أثبتها العلم.
أما بالنسبة لحساب الستة أيام في سورة فصلت، فالتفسير الراجح هو أن مدة تقدير الأقوات (٤ أيام) هي فترة تتضمن الأيام التي خُلقت فيها الأرض (يومين)، ليكون المجموع النهائي (٤ أيام للأرض وما فيها) + (٢ يوم للسماوات) = ستة أيام إجمالًا، وبذلك لا يوجد تضارب بين الآيات.
في كثير من السور القرآنية تتحدث آيات كثيرة عن خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض وتقدير ما فيهما في ستة أيام.. ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ﴾ [هود: ٧].
وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ﴾ [الفرقان: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ﴾ [الحديد: ٤].
وليس هناك تعارض بين تحديد زمن الخلق للسموات والأرض في ستة أيام، وبين ما يراه العلم من استغراق ذلك الخلق بلايين السنين، ذلك أن المدى الزمنى " لليوم " عند الله، سبحانه وتعالى ليس هو المدى الزمنى لليوم في العرف والتقويم الذي تعارف عليه الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وفي القرآن الكريم آيات شاهدة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ یَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمࣰاۚ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
فبعض اليوم، في حساب الإنسان بلغ مائة عام.. أي قرابة (٣٧٠٠٠) يومًا! وكذلك الحال في قصة أهل الكهف.. فما حسبوه يومًا أو بعض يوم قد بلغ ثلاثمائة عام بالتقويم الشمسي وثلاثمائة وتسعة أعوام بالتقويم القمري: ﴿قَالَ قَاۤئِلࣱ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُوا۟ لَبِثۡنَا یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۚ﴾ [الكهف: ١٩].
﴿وَلَبِثُوا۟ فِی كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةࣲ سِنِینَ وَٱزۡدَادُوا۟ تِسۡعࣰا * قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ۖ لَهُۥ غَیۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِیࣲّ وَلَا یُشۡرِكُ فِی حُكۡمِهِۦۤ أَحَدࣰا﴾ [الكهف: ٢٥-٢٦]، وكذلك الحال يوم ينفخ في الصور -يوم البعث- يحسب بعض المجرمين أن مكثهم في الدنيا لم يتجاوز عشر ليال.. بينما يحسب آخرون منهم أن مكثهم لم يتعد اليوم الواحد: ﴿یَوۡمَ یُنفَخُ فِی ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِینَ یَوۡمَئِذࣲ زُرۡقࣰا * یَتَخَٰفَتُونَ بَیۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرࣰا * نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا یَقُولُونَ إِذۡ یَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِیقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا یَوۡمࣰا﴾ [طه: ١٠٢ – ١٠٤].
أما عند الله، سبحانه وتعالى فإن لمصطلح "اليوم" مدى لا يعلم حقيقة طوله وأمده إلا هو: ﴿وَیَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
والآية لا تحدده بألف سنة مما نعد نحن في تقويمنا.. وإنما تستخدم أداة التشبيه -الكاف- في قوله ﴿كَأَلۡفِ﴾ ليظل المدى غير معلوم لنا في هذه الحياة.. وغير ممكن التحديد بوحداتنا نحن في القياس الزمنى.
فيوم الدين - الجزاء -.. وأيام الله.. والأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض.. مداها - بمقاييس أيامنا نحن - لا يعلمها إلا الله، سبحانه وتعالى.
ثم إن ما اكتشفه العلم من سرعات للصوت.. وسرعات للضوء.. وزمن للضوء - سنة ضوئية - يجعل تفاوت واختلاف المفاهيم والمقاييس لمصطلح اليوم " أمرًا مقررًا ومألوفًا، هذا عن المشكلة الأولى من مشكلتي السؤال..
أما المشكلة الثانية الخاصة بحديث بعض الآيات القرآنية عن أن الخلق للسموات والأرض قد يفهم على أنه قد استغرق ثمانية أيام، وليس ستة أيام.. وهى أيام سورة فصلت: ﴿قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥۤ أَندَادࣰاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ * وَجَعَلَ فِیهَا رَوَٰسِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَٰتَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤئِلِینَ * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئِعِینَ﴾ [فصلت: ٩-١٢]
هذه "المشكلة" لا وجود لها! فليس هناك تناقض ولا تفاوت بين المدة الزمنية التي جاءت في هذه الآيات وبين الآيات الأخرى التي ورد فيها تحديد الأيام الستة..
ففي هذه الآيات يخبر الله سبحانه وتعالى بأنه: ﴿خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِی یَوۡمَیۡنِ﴾ [فصلت: ٩].
ثم ﴿وَجَعَلَ فِیهَا رَوَٰسِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَٰتَهَا﴾ في ﴿أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ﴾ [فصلت: ١٠] أي في يومين آخرين يضافان إلى اليومين اللذين خلق فيهما الأرض، فيكون المجموع أربعة أيام.. وليس واردًا أن يكون خلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق أربعة أيام..
ولعل الشبهة - التي جاءت في السؤال - قد أتت من توهم إضافة أربعة إلى اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض، فيكون المجموع ستة.. وإذا أضيف إليها اليومان اللذان خلقت فيهما السماء ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتࣲ فِی یَوۡمَیۡنِ﴾ [فصلت: ١٢] يكون المجموع ثمانية أيام، وليس ستة أيام.. لكن إزالة هذه الشبهة متحققة بإزالة هذا الوهم.. فالأرض خلقت في يومين
وخلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق ما تمم اليومين أربعة أيام.. أي استغرق هو الآخر يومين.. ثم استغرق خلق السماوات السبع يومين.. فكان المجموع ستة أيام من أيام الله، سبحانه وتعالى..
ولقد نبه المفسرون على هذه الحقيقة - المزيلة لهذ الوهم - فقال القرطبي: ﴿فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ﴾، ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما، أي في تتمة خمسة عشر يوما [الجامع لأحكام القرآن ١٥ /٣٤٣].
وقال العلامة النسفي -رحمه الله -: ﴿فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ﴾ في تتمة أربعة أيام يريد بالتتمة اليومين تقول سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في خمسة عشر أي تتمه خمسة ولا بد من هذا التقدير لأنه لو أجرى على الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال خَلَقَ الأرض ﴿فِی یَوۡمَیۡنِ﴾ ثم قال وقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [مدارك التنزيل وحقائق التأويل لأبي البركات النسفي (٣ / ٢٢٧)]
فهذه الآيات -من سورة فصلت- تؤكد أن خلق السماوات والأرض إنما تم في ستة أيام.. ومن ثم فلا تناقض بين آيات القرآن ولا تفاوت في مدة الخلق الإلهي للسموات والأرض.. وحاشا أن يكون شيء من ذلك في الذكر الحكيم.
يكمن الحل في فهم مصطلح اليوم القرآني في سياق خلق الكون، فلا يُشير اليوم هنا إلى المدة الفلكية (أربع وعشرون ساعة)، بل هو تعبير عن حقبة زمنية كونية طويلة جدًا أو مرحلة تطور، يتوافق معناها مع ما توصل إليه العلم الحديث من أن الخلق استغرق بلايين السنين (كما في قوله: وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون)، وهذا الفهم يزيل التعارض بين النص القرآني والحقائق العلمية.
أما التضارب الداخلي المتمثل في العدد (ستة أو ثمانية أيام)، فالتوفيق يتم بحساب إجمالي المراحل. الفترة التي ذكرها القرآن لخلق الأرض وما قُدِّر فيها هي أربعة أيام (وهذه الأربعة تتضمن اليومين الأوليين لخلق الأرض)، وعند إضافة اليومين الخاصين بخلق السماوات، يصبح المجموع ستة أيام، وبهذا، تتفق الآيات مع بعضها البعض، ولا يوجد تضارب في العدد النهائي لمراحل الخلق الكبرى.
تتجلى دقة النظم القرآني في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] حيث اشتملت على تراكيب نحوية وبلاغية محكمة، تُظهر براعة الإيجاز وفصاحة الحذف والتقدير، مما يدحض مزاعم الاضطراب اللغوي في الآيات ويثبت جريانها على سنن العرب.
يكشف هذا الطرح تهافت الزعم بوجود خطأ نحوي في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ مبينًا الأوجه البلاغية والإعرابية الدقيقة التي تؤكد فصاحة النظم القرآني وإعجازه.
توضيح شامل للجمع بين الآيات التي تتحدث عن مادة خلق الإنسان، وبيان أن تعدد الألفاظ يمثل مراحل تكاملية دقيقة، وليست تناقضًا، مما يثبت الإعجاز العلمي في النص القرآني.