في بداية الجواب عن شُبهة هؤلاء الذين يشكّكون
في الأحاديث النبوية، نُنبّه على مستوى جهل كل الذين يثيرون مثل هذه الشبهات حول
الحديث النبوي الشريف، ذلك أنّ التدرج والتطور في التشريع الذي يمثله حديث النهي
عن زيارة القبور ثم إباحتها، هذا التدرج والتطور في التشريع لا علاقة له بالتناقض بأيّ وجه من الوجوه، أو أيّ حال من الأحوال.
ثمّ إنّ التشكيك في بعض الأحاديث النبوية،
والقول بوجود تناقضات بين بعض هذه الأحاديث، أو بينها وبين آيات قرآنية، بل
والتشكيك في مُجمل الأحاديث النبوية، والدعوة إلى إهدار السنة النبوية والاكتفاء
بالقرآن الكريم، إنّ هذه الدعوة قديمة وجديدة، بل ومتجددة، وكما حذّر رسولُ الله
ﷺ من الكذب عليه، فلقد حذّر من إنكار سنته، ومن الخروج عليها.
ونحن بإزاء هذه الشّبهة نواجه بلونين من الغلو:
أحدهما: يهدر كل
السنة النبوية، اكتفاء بالقرآن الكريم، ويرى أنّ الإسلام هو القرآن وحده.
وثانيهما: يرى في كل المرويّات المنسوبة للرسول
ﷺ سنة نبوية، يكفر
المتوقف فيها، دونما فحص وبحث وتمحيص لمستويات "الرواية" و"الدراية" في هذه المرويات، ودونما تمييز بين التّوقف إزاء الراوي وبين
إنكار ما ثبت عن رسول الله
ﷺ.
وبين هذين الغلوّين يقف علماء السنة النبوية،
الذين وضعوا علوم الضبط للرواية، وحدّدوا مستويات المروّيات، بناء على مستويات
الثقة في الرواة، ثمّ لم يكتفوا في فرز المرويات بعلم "الرواية"
والجرح والتعديل للرجال -الرواة- وإنما اشترطوا سلامة "الدراية" أيضًا
لهذه المرويات التي رواها العدول الضابطون عن أمثالهم حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أي أنّ هؤلاء العلماء بالسنة قد اشترطوا "نقد المتن والنص والمضمون"
بعد أن اشترطوا "نقد الرواية والرواة" وذلك حتى يسلم المتن والمضمون
من "الشذوذ والعلة القادحة"، فلا يكون فيه تعارض حقيقيّ مع حديث هو أقوى
منه سندًا، وألصق منه بمقاصد الشريعة وعقائد الإسلام، ومن باب أولى ألّا يكون الأثر المرويّ متناقضًا تناقضًا حقيقيًّا مع محكم
القرآن الكريم.
ولو أننا طبقنا هذا المنهاج العلمي المحكم، الذي هو خلاصة علوم السنة
النبوية ومصطلح الحديث، لما كانت هناك هذه المشكلة -القديمة، المتجددة- ولكنّ المشكلة -مشكلة الغلو، بأنواعه ودرجاته- إنما
تأتي منَ الغفلة أو التغافل عن تطبيق قواعد هذا المنهج الذي أبدعته الأمة الإسلاميّة، والذي سبقت به حضارتنا كل الحضارات في ميدان "النقد الخارجيّ والداخلي للنصوص والمرويات".
وهذه الغفلةُ إنما تتجلى في تركيز البعض على
"الرواية" مع إهمال "الدراية" أو العكس، وفي عدم تمييز البعض
بين مستويات المرويات، كأن يطلب من الأحاديث ظنّية الثبوت ما ، من اختصاص النصوص قطعية الثبوت، أو من مثل "تحكيم الهوى" أو
"العقل غير الصريح" في المرويّات الصحيحة، الخالية متونها ومضامينها من
الشذوذ والعلة القادحة.
وهناك أيضًا آفة الذين لا يميزون بين
التوقف إزاء "الرواية والرواة" -وهم بشر غير معصومين، وفيهم وفي
تعديلهم وقبول مروياتهم اختلف الفقهاء وعلماء الحديث والمحدثون -وبين التوقف إزاء
"السنة"، التي ثبتت صحة روايتها ودرايتها عن المعصوم ﷺ.. فتوقُّف العلماءِ المتخصصين -وليس الهُواة أو المتطفلين- إزاء "الرواية والرواة" شيء،
والتوقُّف إزاء "السنة" التي صحّت وسلمت من الشذوذ والعلل القادحة شيءٌ آخر، والأول حق من حقوق علماء هذا الفن، أما الثاني فهو تكذيب للمعصوم صلى الله
عليه وسلم، والعياذ بالله.
أمّا الذين
يقولون إنّنا لا حاجة لنا إلى السنّة النبوية، اكتفاء بالبلاغ القرآنيّ، الذي لم يُفرط
في شيء، فإنّنا نقول لهم ما قاله الأقدمون من أسلافنا للأقدمين من أسلافهم:
إنّ السنّة
النبويّة هي البيان النبوي للبلاغ القرآني، وهي التطبيق العملي للآيات القرآنية،
التي أشارت إلى فرائض وعبادات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات الإسلام، وهذا
التطبيق العمليّ، الذي حوّل القرآن إلى حياة معيشة، ودولة وأمة ومجتمع ونظام وحضارة،
أي الذى "أقام الدين"، قد بدأ بتطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم للبلاغ القرآني، ليس
تطوعًا ولا تزيّدًا من الرسول، وإنما كان قيامًا بفريضة إلهية نص عليها القرآن
الكريم: ﴿وَأَنزَلۡنَآ
إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فالتطبيقات النبويّة للقرآن -التي هي السنة العمليّة والبيان القوليّ الشارح والمفسّر والمفصّل -هي ضرورة قرآنية، وليست تزيّدًا على القرآن الكريم.. هي مقتضيات قرآنية، اقتضاها القرآن، ويستحيل أن نستغنيَ عنها بالقرآن..
وتأسيًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقيامًا بفريضة طاعته - التي نص عليها القرآن
الكريم: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل
عمران: ٣٢]
﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ
وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾
[النساء: ٥٩]
﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ﴾
[النساء :٨٠]
﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ
فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١ ]
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].
تأسيًا
بالرسول ﷺ، وطاعة له، كان تطبيق الأمة -في جيل الصحابة ومن بعده- لهذه العبادات والمعاملات.. فالسنة النبوية، التي بدأ تدوينها في العهد النبوي، والتي
اكتمل تدوينها وتمحيصها في عصر التابعين وتابعيهم، ليست إلا التدوين للتطبيقات التي
جسّدت البلاغ القرآني دينًا ودُنيا في العبادات والمعاملات.
فالقرآن
الكريم هو الذي تَطَلَّبَ السنة النبوية، وليست هي بالأمر الزائد الذي يغنى عنه
ويستغنى دونه القرآن الكريم.
أما العلاقةُ الطبيعية بين البلاغ الإلهيّ -القرآن- وبين التطبيق النبوي لهذ البلاغ الإلهيّ -السنة النبوية-، فهي أشبه ما
تكون بالعلاقة بين "الدستور" وبين "القانون". فالدستور هو مصدر ومرجع
القانون، والقانون هو تفصيل وتطبيق الدستور، ولا حُجة ولا دستوريّة لقانون يخالف أو يناقض
الدستور، ولا غناء ولا اكتفاء بالدستور عن القانون.
إن رسول الله ﷺ، ليس مجرد
مبلّغ فقط، وإنما هو مبلّغ، ومبين للبلاغ، ومطبق له، ومقيم للدين، تحوّل القرآن
على يديه إلى حياة عملية، أي إلى سنة وطريقة يحياها المسلمون.
وإذا كان
بيانُ القرآن وتفسيره وتفصيله هو فريضة إسلامية دائمة وقائمة على الأمة إلى يوم الدين، فإنّ هذه الفريضة قد أقامها -أول من اقامها- حاملُ البلاغ، ومنجزُ البيان، ومقيمُ الإسلام، عليه الصلاة والسلام.
والذين يتصوّرون أنّ الرسول ﷺ مجرّد مبلِّغ إنما يضعونه في صورة أدنى من صورتهم هم، عندما يُنكرون عليه
البيان النبوي للبلاغ القرآني، بينما يُمارسون هم القيام بهذا البيان والتفسير
والتطبيق للقرآن الكريم، وهذا "مذهب" يستعيذ المؤمن بالله منه ومن أهله
ومن الشيطان الرجيم!