يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله، وكأنه -سبحانه- يغيّر رأيه.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله، وكأنه -سبحانه- يغيّر رأيه.
يقول المشككون: القرآن وحده من دون سائر الكتب الدينية، يتميز بوجود الناسخ والمنسوخ فيه، مع أن كلام الله الحقيقي لا يجوز فيه الناسخ والمنسوخ؛ لأن الناسخ والمنسوخ في كلام الله هو ضد حكمته وصدقه وعلمه، فالإنسان القصير النظر هو الذي يضع قوانين ويغيرها ويبدلها بحسب ما يبدو له من أحوال وظروف.
لكن الله يعلم بكل شيء قبل حدوثه. فكيف يقال إن الله يغير كلامه ويبدله وينسخه ويزيله؟!
ليس الله إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم؟!
تعتبر فكرة النسخ في القرآن الكريم منهجًا إلهيًا للحكمة والتدرج في التشريع، فهي ليست عيبًا أو تناقضًا، بل هي وسيلة للتخفيف على الأمة وتطوير الأحكام بما يتناسب مع ظروفها.
والنسخ يكون في الأحكام الشرعية، لا في العقائد، وهو موجود في القرآن بقلة، وهذه الشبهات لا أساس لها، والنسخ منهج موجود في جميع الشرائع السماوية، وليس خاصًا بالإسلام.
نحن لا ننكر أن في القرآن نسخًا، فالنسخ موجود في القرآن بين ندرة من الآيات، وبعض العلماء المسلمين يحصرها فيما يقل عن أصابع اليد الواحدة، وبعضهم ينفي نفيًا قاطعًا ورود النسخ في القرآن [منهم الدكتور عبد المتعال الجبري وله فيه مؤلف خاص نشرته مكتبة وهبة بالقاهرة. والدكتور محمد البهي ومنهم الشيخ محمد الغزالي].
أما جمهور الفقهاء، وعلماء الأصول فيقرونه بلا حرج. وقد خصصوا للنسخ فصولا مسهبة في مؤلفاتهم في أصول الفقه، قل من لم يذكره منهم قدماء ومحدثين. والذي ننكره - كذلك - أن يكون وجود النسخ في القرآن عيبًا أو قدحًا في كونه كتابًا منزلًا من عند الله. ﴿ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
إن الناسخ والمنسوخ في القرآن، كان إحدى السمات التربوية والتشريعية، في فترة نزول القرآن، الذي ظل يربى الأمة، وينتقل بها من طور إلى طور، وفق إرادة الله الحكيم، الذي يعلم المفسد من المصلح، وهو العزيز الحكيم.
أما ما ذكرتموه من آيات القرآن، ساخرين من مبدأ الناسخ والمنسوخ فيه فتعالوا اسمعوا الآيات التي ذكرتموها في جداول المنسوخ والناسخ وهي قسمان:
أحدهما: فيه نسخ فعلا (منسوخ وناسخ).
وثانيهما: لا ناسخ فيه ولا منسوخ فيه، ونحن نلتمس لكم العذر في هذا " الخلط " لأنكم سرتم في طريق لا تعرفون كيفية السير فيه.
القسم الأول: ما فيه نسخ:
من الآيات التي فيها نسخ، وذكروها في جدول الناسخ والمنسوخ الآيتان التاليتان ﴿وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا﴾ [النساء: ١٥].
ثم قوله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور:٢].
هاتان الآيتان فيهما نسخ فعلًا، والمنسوخ هو حكم الحبس في البيوت للزانيات حتى يَمُتْنَ، أو يجعل الله لَهُنَّ حكمًا آخر.
وكان ذلك في أول الإسلام، فهذا الحكم -حكم حبس الزانية في البيت-، حين شرعه الله -عز وجل- أومأ في الآية نفسها إلى أنه حكم مؤقت، له زمان محدد في علم الله أزلًا. والدليل على أن هذا الحكم كان في علم الله مؤقتًا، وأنه سيحل حكم آخر محله في الزمن الذي قدره الله - عز وجل هو قوله: ﴿أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا﴾، هذا هو الحكم المنسوخ الآن، وإن كانت الآية التي تضمنته باقية قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.
أما الناسخ فهو قوله تعالى في سورة "النور" في الآية التي تقدمت، وبيّن الله أن حكم الزانية والزاني هو مائة جلدة، وهذا الحكم ليس عاما في جميع الزناة. بل في الزانية والزاني غير المحصنين. أما المحصنان، وهما اللذان سبق لهما الزواج فقد بينت السنة قوليًّا وعمليًّا أن حكمهما الرجم حتى الموت.
وليس في ذلك غرابة، فتطور الأحكام التشريعية، ووقف العمل بحكم سابق، وإحلال حكم آخر لاحق محله مما اقتضاه منهج التربية في الإسلام.
ولا نزاع في أن حكم الجلد في غير المحصنين، والرجم في الزناة المحصنين، أحسم للأمر، وأقطع لمادة الفساد.
وليس معنى هذ أن الله حين أنزل عقوبة حبس الزانيات لم يكن يعلم أنه سينزل حكمًا آخر يحل محله، وهو الجلد والرجم - حاشا لله-.
والنسخ بوجه عام مما يناسب حكمة الله وحسن تدبيره، أما أن يكون فيه مساس بكمال الله. فهذا لا يتصوره إلا مرضى العقول أو المعاندين للحق الأبلج الذي أنزله الله وهذا النسخ كان معمولًا به في الشرائع السابقة على شريعة الإسلام.
ومن أقطع الأدلة على ذلك ما حكاه الله عن عيسى -عليه السلام- في قوله لبنى إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ [آل عمران: ٥٠].
وفي أناجيل النصارى طائفة من الأحكام التي ذكروها وفيها نسخ لأحكام كان معمولًا بها في العهد القديم.
ومثيرو هذه الشبهات - ضد القرآن - يعرفون جيدًا وقوع النسخ بين بعض مسائل العهد القديم والعهد الجديد. ومع هذا يدعون - بإصرار - أن التوراة والأناجيل - الآن - متطابقان تمام الانطباق [انظر كتابنا " الإسلام في مواجهة الاستشراق العالمى " طبعة دار الوفاء].
ومن هذا القسم - أيضًا - الآيتان الآتيتان:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
والآيتان فيهما نسخ واضح. فالآية الأولى توجب مواجهة المؤمنين لعدوهم بنسبة (١:١٠)، والآية الثانية توجب مواجهة المؤمنين للعدو بنسبة (١: ٢).
وهذا التطور التشريعي قد بين الله الحكمة التشريعية فيه، وهي التخفيف على جماعة المؤمنين في الأعباء القتالية فما الذي يراه عيبًا فيه خصوم الإسلام؟!
لو كان هؤلاء الحسدة طلاب حق مخلصين لاهتدوا إليه من أقصر طريق، لأن الله –عز وجل- لم يدع مجالًا لريبة يرتابها مرتاب في هاتين الآيتين. لكنهم يبحثون عن " العورات " في دين أكمله الله، وأتم النعمة فيه، ثم ارتضاه للناس دينًا.
وقد قال الله في أمثالهم:
﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [الأنعام: ٧].
ومن هذا القسم - أيضا - الآيتان الآتيتان:
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ﴾ [البقرة: ٣٣٤].
أجل، هاتان الآيتان فيهما نسخ: لأن موضوعهما واحد، هو عدة المتوفي عنها زوجها.
الآية الأولى: حددت العدة بعام كامل.
والآية الثانية: حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال.
والمنسوخ حكمًا لا تلاوة هو الآية الأولى، وإن كان ترتيبها في السورة بعد الآية الثانية.
والناسخ هو الآية الثانية، التي حددت عدة المتوفي عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال، وإن كان ترتيبها في السورة قبل الآية المنسوخ حكمها.
وحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة هي التخفيف، فقد استبعدت الآية الناسخة من مدة العدة المنصوص عليها في الآية المنسوخ حكمها ثمانية أشهر تقريبًا، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف، أدعى لامتثال الأمر، وطاعة المحكوم به... وفيه بيان لرحمة الله - عز وجل - لعباده. وهو هدف تربوي عظيم عند أولى الألباب.
القسم الثاني:
أما القسم الثاني، فقد ذكروا فيه آيات على أن فيها نسخًا وهي لا نسخ فيها، وإنما كانوا فيها حاطبي ليل، لا يفرقون بين الحطب، وبين الثعابين، وكفي بذلك حماقة.
وها نحن نعرض لك نموذجا مما حسبوه نسخًا، وهو أبعد ما يكون عن النسخ.
من ذلك؛ قوله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ﴾. [البقرة: ٢١٩].
﴿إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
والآيتان لا ناسخ ولا منسوخ فيهما. بل إن في الآية الثانية توكيدًا لما في الآية الأولى، فقد جاء في الآية الأولى: ﴿فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم أكدت الآية الثانية هذ المعنى: ﴿رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾ فأين النسخ إذن؟.
أما المنافع في الخمر والميسر، فهي: أثمان بيع الخمر، وعائد التجارة فيها، وحيازة الأموال في لعب الميسر "القمار" وهي منافع خبيثة لم يقرها الشرع من أول الأمر، ولكنه هادنها قليلًا لما كان فيها من قيمة في حياة الإنسان قبل الإسلام، ثم أخذ القرآن يخطو نحو تحريمها خطوات حكيمة قبل أن يحرمها تحريما حاسمًا، حتى لا يضر بمصالح الناس
وبعد أن تدرج في تضئيل دورها في حياة الناس الاقتصادية وسد منافذ رواجها، ونبه الناس على أن حسم الأمر بتحريمها آت لا محالة وأخذوا يتحولون إلى أنشطة اقتصادية أخرى، جاءت آية التحريم النهائي في سورة المائدة هذه: ﴿رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ﴾، فهذه هي حقيقة النسخ وحكمته التشريعية، وقيمته التربوية ومع هذا فإنه نادر في القرآن.
يزعمُ بعضُ الحاقدين أنّ موتَ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم متأثرًا بالسمّ الذي قدمته له امرأة يهوديّة يعد عيبًا ونقصًا
كيف يكونُ القرآنُ وحيًا، وهو متقطّع مفرّق يأتي بعضُهُ في وقت، ويتأخّر بعضه إلى وقت آخر؟
هل كان قومُ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم زُناة؟ وهل يُعدّ هذا عيبًا في النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟