لا
مجال للشك في نص الحديث الذي بيّن فيه رسول الله أن المدة الزمنية الفاصلة بين
بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى هي أربعون سنة، وقد تضافرت العديد من
الأدلة على صحة هذا الحديث، ومن بين هذه الأدلة ما يلي:
١-
الأدلة من القرآن:
ذكر
القرآن أن أول بيت وضع للناس هو البيت الحرام الذي يوجد في مكة فقال الله تبارك
وتعالى: "
﴿إِنَّ
أَوَّلَ بَيۡتٖ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا
وَهُدٗى
لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾
[آل عمران: ٩٦]
وبيّنت
الوقائع التاريخية الصحيحة أن ذلك كان في زمن آدم، وعندما تحدث القرآن الكريم عن
بناء الخليل إبراهيم للكعبة قال الله تعالى: ﴿وَإِذۡ
يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ﴾ [البقرة:
١٢٧]
وهناك
فرق بين الوَضْع والرَّفْع؛ فالوَضْع يكون لبداية تأسيس الشيء، أما
الرَّفْع فهو تجديد البناء.
يقول
د. كامل سلامة الدقس: "وما دمنا بصدد الحديث عن بيت الله فلا بد أن نتعرض لمن
بناه؛ إذ إن الشائع عند كثير من المفسرين أن الخليل إبراهيم هو الذي بنى
البيت، وحجتهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ
يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ﴾ [البقرة:
١٢٧]
وهذا
فهم خاطئ - والله أعلم - إذ إن النص يصرح بأن إبراهيم هو الذي رفع قواعد البيت،
والرفع لغة هو الارتفاع، والقواعد موجودة، والله أمر إبراهيم برفعها، بعد أن أطلعه
على مكان البيت".
فقال
تعالى: ﴿وَإِذۡ
بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا
وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج:
٢٦]
وعلى
هذا الفهم لا يكون إبراهيم هو الباني للبيت لأن البناء مكان، ولكن البيت مكان،
فليس ميلاد البيت على يد إبراهيم، لأنه كما سبق ثابت قبل الرفع، وقد يساعد على فهم
النص كلمتان هما: (وضع) المبني لما لم يسم فاعله، و (الناس) الموضوعة أصلاً لشمول
أفراد الجنس.
ومما
يؤكد صحة ما ذهبنا إليه قوله: ﴿رَّبَّنَآ
إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾
[إبراهيم: ٣٧]، فالمفهوم من نص الآية أن البيت
الحرام كان موجودًا قبل أن يعيد إبراهيم بناءه هو وابنه إسماعيل؛ لأن إبراهيم
عندما دعا بهذا الدعاء كان إسماعيل طفلًا رضيعًا، وكان تجديد بناء الكعبة وعمر
إسماعيل ثلاثون سنة، وفي هذا إبطال القول من يدعي أن إبراهيم هو الذي أسس البيت
الحرام.
٢- الأدلة
من السنة:
وقد
وردت في السنة أحاديث تؤكد صحة الحديث مثار الشبهة، فقد جاء عن ابن عباس
حديث طويل مرفوع، في قصة هاجر وابنها إسماعيل، ومن ضمن ما ورد في هذا الحديث
الطويل: " فَانْطَلَقَ
إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ
اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ
يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ
أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
فالسياق
يدل كما هو واضح على أن إبراهيم دعا ربه بهذا الدعاء يوم أن ترك ابنه إسماعيل
رضيعًا، ونصوص القرآن تثبت أن رفع القواعد من البيت كان بعد أن وصل إسماعيل سن
الشباب، حيث ساعد أباه في البناء، فقوله: "عند بيتك المحرم" يدل على أن
البيت كان موجودًا يوم أن وضع إبراهيم ابنه إسماعيل رضيعًا، وهذا يعني أن المسجد
الحرام كان قبل إبراهيم، مما يؤكد أن المسجد الأقصى كان قبل إبراهيم كذلك.
وأكدت
أحاديث نبوية أخرى على صحة الحديث الشريف الذي يستدل به هؤلاء على شبهتهم الواهية،
ومن ضمن هذه الأحاديث بقية الحديث السابق الذي رواه الإمام البخاري، فكان مما قاله
في هذا الحديث الطويل: «فَإِذَا هِيَ -أي هاجر- بِالْمَلَكِ عِنْدَ
مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ:
بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا
هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ
يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ ... قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا... وَكَانَ
الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ
السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ».
فقوله:
«وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ»
يدل على أن المسجد الحرام كان قبل نبي الله إبراهيم، مما يؤكد أن المسجد
الأقصى كان قبل إبراهيم كذلك.
وبذلك
يتضح لنا أن المسجد الأقصى كان قبل سليمان وداود - عليهما السلام -، وكان قبل
تاريخ بني إسرائيل عامة وقبل تاريخ اليهود بشكل خاص.
ومما
يؤكد ذلك ويعضده ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن رسول
الله ﷺ أنه قال: عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ،
لَمَّا بَنَى مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللهَ خِلِالًا ثَلَاثَةً: سَأَلَ اللهَ حُكْمًا يُصَادِفُ
حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ
بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللهَ حِينَ فَرَغَ، مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ
أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ، أَنْ
يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»،
فهذه الرواية تبين أن سليمان بنى المسجد، وإذا ما راجعنا هذه الرواية نجد أن أحد
الأمور الثلاثة التي سألها سليمان ربه: "أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا
الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته، مثل يوم ولدته أمه"، فواضح أن
الرواية تعود وتؤكد على مصطلح "المسجد"، فجائز أن يكون مسجدًا
آخر غير المسجد الأقصى، وجائز أن يكون هو المسجد الأقصى المبارك، ووفق الاحتمال
الثاني فهذا يعني أن نبي الله سليمان قام ببناء وتوسعة المسجد الأقصى الذي كان
قائمًا منذ آدم، ولم يقم نبي الله سليمان ببناء تأسيسي للمسجد الأقصى المبارك،
فكما أن نبي الله إبراهيم قام برفع قواعد المسجد الحرام بعد أن كان موجودًا أصلاً
منذ آدم؛ فإن سليمان قام بتجديد وتوسعة المسجد الأقصى بعد أن كان موجودًا أصلاً
منذ آدم.
ويعلق
الإمام ابن حجر العسقلاني على حديث النبي الذي نص فيه على أن الفترة التي بين بناء
المسجد الحرام والمسجد الأقصى هي أربعون سنة ويذكر اختلافات العلماء حول هذا
الحديث فيقول: "قَوْله أَرْبَعُونَ سنة قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ فِيهِ
إِشْكَالٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَنَى الْكَعْبَةَ وَسُلَيْمَانَ بَنَى بَيْتَ
الْمَقْدِسِ وَبَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ انْتَهَى
وَمُسْتَنَدُهُ فِي أَنَّ سُلَيْمَانَ -عليه السلام- هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ
الْأَقْصَى مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ
الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى خِلَالًا ثَلَاثًا الْحَدِيثَ وَفِي
الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرَةَ أَنَّ دَاوُدَ -عليه
السلام- ابْتَدَأَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ
أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنِّي لَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ
وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ قَالَ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى أَوَّلِ
الْبِنَاءِ وَوَضْعِ أَسَاسِ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ
بَنَى الْكَعْبَةَ وَلَا سُلَيْمَانُ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ
فَقَدْ رُوِينَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ ثُمَّ انْتَشَرَ
وَلَدُهُ فِي الْأَرْضِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ وَضَعَ بَيْتَ
الْمَقْدِسِ ثُمَّ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْكَعْبَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ".
٣-
الأدلة التاريخية:
ورد
في كتب التاريخ نصوص عديدة تؤكد على أن البيت الحرام والمسجد الأقصى كانا موجودين
قبل أن يرفعهما إبراهيم وإسماعيل وداود وسليمان - عليهم السلام -، ومن هذه الأخبار
ما سبق ذكره في مراحل بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومنها قول ابن الأثير: "أصاب
الناس في زمان داود طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس، وكان يرى الملائكة
تعرج منه إلى السماء؛ لهذا قصده ليدعو فيه، فلما وقف موضع الصخرة دعا الله في كشف
الطاعون عنهم، فاستجاب له ورفع الطاعون، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وكان الشروع
في بنائه لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وتوفي قبل أن يستتم بناءه، وأوصى
سليمان بإتمامه... فلما توفي داود ودفنه سليمان تقدم بإنفاذ أمره، فقتل القوّاد،
واستتم بناء المسجد، بناه بالرخام وزخرفه بالذهب ورصعه بالجواهر، وقوي على ذلك
جميعه بالجن والشياطين".
ففي
هذا النص دليل واضح على أن مكان المسجد الأقصى كان معروفًا قبل أن يبني فيه داود
وسليمان المسجد - عليهما السلام -، وهذا ما يؤكد نسبة تأسيس قواعده في زمن آدم.
وبهذا
يتبين لنا أن المدة التي حددها النبي ﷺ في الحديث صحيحة، وليس في الحديث ما يدعو
للشك؛ حيث إن تأسيس بناء البيت الحرام والمسجد الأقصى ينسب لآدم، أما التجديد
والرفع والتحديث فينسب إلى كل من إبراهيم وداود - عليهما السلام -، وهذا لا يخالف
ما ورد في حديث النبي الذي حدد المدة بأربعين سنة بين تأسيس المسجد الحرام والمسجد
الأقصى.