يثير بعض المشككين شبهة حول الأحاديث النبوية التي تتضمن علم الغيب، مدعين تعارضها مع الآية الكريمة التي تؤكد أن علم الغيب مختص بالله وحده.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يثير بعض المشككين شبهة حول الأحاديث النبوية التي تتضمن علم الغيب، مدعين تعارضها مع الآية الكريمة التي تؤكد أن علم الغيب مختص بالله وحده.
يرى بعض المشككين أن السنة تتضمن إخبار النبي ﷺ بأمور غيبية، ويزعمون أن هذا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [النمل: ٦٥].
ويستدلون على ذلك بأن الغيب أمر اختص به الله تعالى وحده، ولا يمكن لأي بشر أن يطلع عليه، فكيف يكون النبي قد رأى هذه الأمور وتكلم عنها؟
إن إخبار النبي ﷺ ببعض الأمور الغيبية لا يتعارض مع أن الله وحده يعلم الغيب. علم الغيب المطلق خاص بالله، لكنه سبحانه يُطلع بعض رسله على ما يشاء من غيبه كنوع من التأييد والمعجزة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧]
علم الغيب في الماضي أو المستقبل مقصور على الله سبحانه وتعالى. ولكن قد يُطلع الله أحد رسله الكرام على بعض المغيبات، ويكون ذلك من جملة معجزاته الباهرة الثابتة يقينًا. وهذا ما تم لرسولنا الأكرم في جملة من الوقائع والأخبار التي تحققت، وبعضها ما زال يتحقق حاليًا، وبعضها يُتوقع تحققه مستقبلًا، قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧]
لقد أخبر النبي ﷺ عن أمور مستقبلية لا تُعلم إلا بالوحي، وقد أثبت الواقع صدق ما أخبر به، مما يدل على أن الله هو الذي أخبره بذلك وأن هذا علامة من علامات نبوته. ولقد اشتمل القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على عدد من هذه الغيبيات التي تحققت، وما زالت تتحقق، وسوف يتحقق جزء منها في المستقبل بإذن الله تعالى.
ومما أخبر به القرآن على لسان نبينا ﷺ ما جاء في المعركة التي كانت بين الفرس والروم، وأن الغلبة في النهاية للروم، فقال تعالى: ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ * فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ * بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ * وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: ٢-٦].
ففي عهد رسول الله ﷺ، دارت معركة بين فارس (وهم عباد نار)، والروم (وهم أتباع النصرانية)، وانتصرت فارس على الروم، فرح مشركو مكة بذلك واعتبروه بشارة بانتصارهم على المسلمين، ونزلت هذه الآيات من سورة الروم تبشر المؤمنين بأن الله سينصر الروم في خلال سنوات معدودة. وتحقق ما جاء في كتاب ربنا، وما أخبر به نبينا، وهذا يدل على صدق ما جاء به وأنه ليس تقولًا على الله.
ومن الغيبيات التي أخبر بها النبي ﷺ أيضًا، إخباره بموت قادة غزوة مؤتة. فقد جهز رسول الله جيشًا لقتال الروم، وعين القادة بالتسلسل: زيد بن حارثة، فإن قُتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة، وقد أيقن الصحابة والقادة بأنهم سيقتلون، وسافر جيش المسلمين، والتقى بجيش الروم، وقُتل القادة الثلاثة تباعًا، واختار الجيش خالد بن الوليد قائدًا، وأعز الله جنده. ورسول الله ﷺ في المدينة يخبر بكل ذلك، يخبر باستشهاد القادة الثلاثة، وتولي خالد، وفتح الله على المسلمين.
وقد ورد في ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ: حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ»، فتلك الحادثة تؤكد صدق النبي ﷺ فيما أخبر عن ربه من الأمور الغيبية، فقد أخبر النبي ﷺ بكل ما حدث وقد حدث بالفعل.
وقد جعل الله إسراء النبي ﷺ إلى بيت المقدس قبل المعراج ليكون دليلًا على صدق النبي ﷺ فيما يخبر به، وقد بين العلامة الشيخ محمد بن أبي جمرة ذلك حيث أشار إلى أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق للمعاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان والإيضاح- حيث سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق أنه أسرى به إلى بيت المقدس. وإذا صح البعض لزم تصحيح الباقي، فكان ذلك سببا لقوة إيمان المؤمنين، وزيادة في شقاء من عاند وجحد من الكافرين. [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ٢/٥٠٦].
إن هذا ليؤكد صدق النبي ﷺ فيما أخبر به من أمور غيبية، علمها النبي بالوحي، أو أخبر عنها كما رآها بالمشاهدة، كما حدث في رحلة الإسراء والمعراج. وقد صدق الله إذ يقول: ﴿لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ﴾ [النجم: ١٨].
هناك مَنْ يكتفون بالقرآن الكريم، ويشكّكون في صحة الأحاديث، ويُظهرون التناقضات بينها، ويذكرون الحديث الذي ينصّ على عدم زيارة المرأة للقبور، والحديث الذي يقول (في معناه) أنّ الرسول ﷺ قال: إنني قد أمرتكم بعدم زيارة القبور من قبل، والآن أسمح لكم بزيارة القبور. فيشيرون إلى ذلك بأنه تناقض، ويدلّلون على ذلك بأن الأمّة قد فقدت الكثير من الأحاديث النبوية عبر الزمان، أو أنّ هذه الأحاديث قد حُرفت عن معانيها الصحيحة.
يزعم الطاعنون وجوب تقديم العقل على السنة لكونها "نتاجًا لعقل بشري قديم"، مما يجعلها غير صالحة لحل المشكلات المعاصرة ويهدفون بذلك للطعن في صلاحيتها للتشريع.
يطعن بعض المشككين في حجية الصحيحين، متسائلين عن كيفية حصول إجماع الأمة على صحتهما (أكان بجمع العلماء في مكان واحد أم بالطواف على العلماء في البلاد؟)، متخذين هذه التساؤلات دليلًا على ضعف قوة إسنادهما.