يزعم الطاعنون وجوب تقديم العقل على السنة لكونها "نتاجًا لعقل بشري قديم"، مما يجعلها غير صالحة لحل المشكلات المعاصرة ويهدفون بذلك للطعن في صلاحيتها للتشريع.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يزعم الطاعنون وجوب تقديم العقل على السنة لكونها "نتاجًا لعقل بشري قديم"، مما يجعلها غير صالحة لحل المشكلات المعاصرة ويهدفون بذلك للطعن في صلاحيتها للتشريع.
يدّعي بعض الطاعنين أنه يجب تقديم العقل على السنة النبوية، ويستدلون على ذلك بأن العقل أسبق من السنة في الوجود الإنساني، ويزعمون أن السنة هي مجرد "نتاج لتفاعل العقل النبوي مع الواقع"، مما يمنح العقل البشري سيادة وهيمنة عليها، وبناءً على هذا الزعم، يرون أن الإنسان الذي يأخذ بالسنة يكون قد ألغى سيادة عقله وأسلم قيادته لـ "عقل من سبقه"؛ ويتساءلون: كيف يمكن أن نعطي عقلًا قديمًا زمام التفكير لحل مشكلاتنا المعاصرة وتحقيق مصالحها؟ يهدف هذا الطعن بشكل أساسي إلى الشك في صلاحية السنة النبوية للتشريع في هذا العصر.
أولًا: قدرة العقل وسيادته ليست مطلقة
إن الإسلام قد أكرم العقل وأثبت له السيادة والاستقلال في مجالاته، فكان الخطاب الإلهي يدعو إلى التفكر والتأمل في خلق السماوات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقوله: ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
لكن هذه السيادة ليست مطلقة، وإنما هي محددة ومقيدة بما يتلاءم مع طبيعة العقل غير الكاملة؛ إذ لا يستطيع العقل إدراك كل الحقائق، لذا أمره الإسلام بالاستسلام والامتثال للشرع في الأمور التي تعجز مداركه عن إدراك حكمتها.
ومن هنا وجب أن يقدم ما حقه التقديم -وهو السنة- ويؤخر ما حقه التأخير، وهو نظر العقل؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكمًا على الكامل.
ثانيًا: السنة ليست نتاجًا لتفاعل العقل وإنما هي شرع أوحى الله به
الزعم بأن السنة نتاج لتفاعل العقل البشري مع الواقع هو زعم باطل يُلغيه النص القرآني ودلائل عموم الرسالة:
ثالثًا. لم يكن الصحابة والتابعون يقدمون عقولهم وآراءهم على السنة
لم يتجرأ أحد من سلف الأمة، وهم أئمة الفهم والبلاغة، على تقديم رأيه على سنة النبي ﷺ، بل كانوا يتهمون عقولهم أمام النص:
الخلاصة
السنة النبوية هي وحي من الله تعالى إلى نبيه ﷺ، وهي صالحة لكل زمان ومكان بفضل عالميتها وخاتميتها، وهي ليست نتاجًا عقليًا قابلاً للتحريف أو التبديل، أما العقل البشري فمكانته عظيمة في الإسلام، لكنه يظل ناقصًا ومحدودًا في إدراكه للغيبيات والمصالح التشريعية التفصيلية، لذلك فإن تقديم العقل على السنة هو طعن في كمال الوحي، ويؤدي إلى الفوضى والنسبية في التشريع، والواجب على المسلم هو تعظيم نصوص الكتاب والسنة، والامتثال لهما، والاطمئنان إلى أن الخير كله فيما جاء به سيدنا محمد ﷺ.
هذا الزعم باطل؛ لأن السنة النبوية ليست نتاجًا بشريًا أو رأيًا عقليًا، بل هي وحي من الله تعالى إلى نبيه ﷺ، وهي التفسير والبيان العملي للقرآن الكريم، والعقل البشري له مكانة عظيمة في الإسلام، لكن قدرته محدودة وناقصة أمام عالم الغيب ومصالح الشريعة التفصيلية؛ ولذلك لا يجوز تحكيمه على النصوص الشرعية الكاملة والمطلقة (القرآن والسنة)، ولقد أجمع سلف الأمة، وهم أزكى العقول، على تقديم النقل الثابت على الرأي والقياس، مما يؤكد أن الدين يؤخذ من الوحي المعصوم، لا من العقل القاصر.
هناك من يكتفي بالقرآن الكريم ويشكك في صحة الأحاديث، مشيرين إلى تناقضات مثل الحديث الذي يمنع النساء من زيارة القبور والحديث الذي يبيح ذلك لاحقًا، ويعتبرون أن الأمة فقدت الكثير من الأحاديث أو أن معانيها قد حُرفت.
كيف يمكن اعتبار القرآن وحيًا، وهو يأتي متقطعًا في أوقات مختلفة؟ وهل كان النبي يشعر بالارتباك عندما يسأله العرب أو اليهود أو النصارى، وأحيانًا يبرر ذلك بتأخر جبريل.
يستهدف خصوم السنة كثرة مرويات أبي هريرة رضي الله عنه (٥٣٧٤ حديثًا) بحجة أن قصر مدة صحبته لا يبرر هذا العدد. لكن الحقيقة أن كثرة رواياته تعود لتفرغه لملازمة النبي ﷺ وحرصه على نقل العلم في المدينة.