أولًا:
ملازمة أبي هريرة للنبي ﷺ كافية لحفظ هذه الأحاديث
الثابت
أن أبا هريرة -رضي الله عنه- قدم مهاجرًا من اليمن إلى المدينة ليالي فتح
خيبر سنة سبع من الهجرة، ولازم رسول الله ﷺ حتى وفاته. وهذا ينفي زعم
قصر مدة صحبته على سنة وأربعة أشهر، إذ هي أربع سنوات إلا شهرين تقريبًا (من جمادى
الأولى ٧هـ إلى ربيع الأول ١١هـ).
وقد
أكد أبو هريرة -رضي الله عنه- بنفسه لزومه التام للنبي ﷺ ردًا على
المشككين: "نَعَمْ، قَدِمْتُ وَاللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ
سَنَةَ سَبْعٍ،... وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلَاثِينَ سَنَةً
سَنَوَاتٍ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، أَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ
نِسَائِهِ وَأَخْدِمُهُ، وَأَنَا وَاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مُقِلٌّ، وَأُصَلِّي
خَلْفَهُ وَأَغْزُو وَأَحُجُّ مَعَهُ، فَكُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ
بِحَدِيثِهِ".
ولكثرة
مروياته رضي الله عنه عدة أسباب جوهرية:
- شدة
الملازمة والتفرغ التام: فقد لزم أبو هريرة النبيَّ
ﷺ على "ملء بطنه"، بينما انشغل المهاجرون بالصفق في
الأسواق وانشغل الأنصار بأموالهم، وقد شهد ذات يوم دعوة النبي ﷺ لمن يبسط
رداءه حتى يقضي مقالته "فبسطت بردة كانت عليّ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت
شيئًا سمعته منه"، فقد رد أبو هريرة عن نفسه وبين سبب كثرة مروياته وحفظه، فقال
-رضي الله عنه-: "إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ
الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ
امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي،
وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ
الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَشَهِدْتُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَالَ: «مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ
حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي، ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ
مِنِّي» فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ
بِالْحَقِّ، مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ" [أخرج البخاري في صحيحه].
- دعاء
النبي ﷺ له بالحفظ: نالته دعوة النبي ﷺ
ألَّا ينسى شيئًا من العلم لشدة حرصه عليه، وقد أقر النبي ﷺ بـ حرصه على
الحديث عندما سأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة، فقد أخرج البخاري في
صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: «لَقَدْ
ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ
أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ: أَسْعَدُ
النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» [أخرج البخاري في صحيحه].
- قوة الذاكرة
والضبط: يدل عليها قصة امتحان مروان
بن الحكم له، يقول أَبُو الزُّعَيْزِعَة كَاتَب مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: «دَعَا
-أي مروان- أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَقْعَدَنِي خَلْفَ السَّرِيرِ، وَجَعَلَ
يَسْأَلُهُ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ
دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ وَرَاءَ الْحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ
ذَلِكَ، فَمَا زَادَ وَلَا نَقَصَ وَلَا قَدَّمَ وَلَا أَخَّرَ» وهذا
إثبات لقوة حفظه وإتقانه -رضي الله عنه-، وقد شهد له سيدنا عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما-
لاحقًا: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ". [أخرجه الحاكم في
المستدرك]
- امتداد العمر بعد
النبوة: عاش أبو هريرة -رضي الله عنه-
بعد وفاة النبي ﷺ نحو سبعة وأربعين عامًا متفرغًا لنشر الحديث
وبثه بين الناس، بعيدًا عن الفتن والمشاغل السياسية.
إن
المرويات التي رويت عنه (٥٣٧٤ حديثًا) كان كثير منها لا يتجاوز السطرين أو
الثلاثة، ولو جمعت جميعها لم تزد عن جزء، ولا غرابة في أن يجمعها ويحفظها من وُهب
ذاكرة قوية ودُعي له بالحفظ، خاصة وأن كثيرًا من العرب حفظوا أضعاف ذلك من القرآن
والشعر والأخبار.
ثانيًا:
المقارنة بين مرويات سيدنا أبي هريرة والسادة الخلفاء الراشدين
لا
وجه للمقارنة في مجال كثرة الرواية بين أبي هريرة -رضي الله عنه-
والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم للأسباب الآتية:
- تباين المسؤوليات:
اهتم الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- بشئون الدولة وسياسة الحكم
والفتوحات التي شغلتهم عن التفرغ الكامل للرواية، فكما لا نلوم سيدنا خالد بن
الوليد -رضي الله عنه- على قلة حديثه لانشغاله بالجهاد، كذلك لا نلوم سيدنا
أبا هريرة -رضي الله عنه- على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم؛ فكل امرئ
مُيَسَّر لما خُلق له.
- سياسة الإقلال من الرواية:
اتخذ الخلفاء الراشدون سياسة التقليل من الرواية خوفًا من أن يتخذها
المنافقون مطية للوضع والتزييف على النبي ﷺ، وخشية انصراف الناس عن القرآن
قبل إتقانه، كما بيَّن ذلك سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لقرظة بن
كعب عند إرساله للكوفة، فقد ورد عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا
نُرِيدُ الْعِرَاقَ فَمَشَى مَعَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى صِرَارٍ
فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟» قَالُوا:
نَعَمْ، نَحْنُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَشَيْتَ مَعَنَا،
قَالَ: «إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالْقُرْآنِ
كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلَا تَبْدُونَهُمْ بِالْأَحَادِيِثِ فَيَشْغَلُونَكُمْ،
جَرِّدُوا الْقُرْآنَ، وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
وَامْضُوا وَأَنَا شَرِيكُكُمْ» فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ قَالُوا:
حَدَّثَنَا، قَالَ: نَهَانَا ابْنُ الْخَطَّابِ [أخرجه الحاكم في المستدرك]
وهذا
نهج اتبعه الشيخان وتوقف عنده أبو هريرة -رضي الله عنه- نفسه لزمن عمر -رضي الله عنه-.
ثالثًا:
أسباب كثرة ما روي عن أبي هريرة وقلة ما روي عن عبد الله بن عمرو
يزعم
الطاعنون وجود تناقض بين شهادة أبي هريرة -رضي الله عنه- لعبد الله بن
عمرو -رضي الله عنهما- بأنه أكثر حديثًا منه، وبين الفرق الشاسع بين
مروياتهما (٥٣٧٤ مقابل ٧٠٠)، ويمكننا تفسير هذا على النحو التالي:
١. الفرق بين التحمل والأداء:
قول أبي هريرة رضي الله عنه: "...إلا عبد الله بن عمرو، فإنه
كان يكتب ولا أكتب" يعني أن ابن عمرو كان أكثر تحملًا (حفظًا
وكتابة) لا أداءً (رواية ونشرًا)، ولم يتيسر لابن عمرو أداء كل ما عنده لأمور
منها:
- اشتغاله
بالعبادة: فقد كان أكثر انشغالًا بالعبادة من
التعليم والتحديث.
- مكانه
إقامته: حيث كان إقامته بعد الفتوحات في مصر
والشام، بينما قَطَنَ أبو هريرة -رضي الله عنه- المدينة
المنورة التي كانت في هذا الوقت ملجأ طلاب الحديث، فكانت الرحلة إليه وكثرة
الأخذ عنه ممكنة، وقد بلغ عدد الرواة عنه نحو ثمانمائة نفس.
٢. موقف ابن عمر:
قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: " أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ
عَلَيْنَا" ليس طعنًا أو اتهامًا، بل هو إقرار بكثرة روايته، ودليل مدح
وثناء لحرصه وجرأته على السؤال، ويوضح ذلك ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما
«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنْتَ كُنْتَ
أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ». [أخرجه الترمذي
في سننه] وجاء أيضا في رواية أخرى عَنْ حُذَيْفَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ
لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ فِي شَكٍّ
مِمَّا يَجِيءُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ اجْتَرَأَ وَجَبُنَّا"، ومعنى "اجرأ"
في قول ابن عمر: "ولكنه اجترأ وجَبُنّا" هو اجترؤه على سؤال
النبي ﷺ في أمور كان الصحابة يهابون السؤال عنها، وهو سبب مباشر لكثرة علمه.
الخلاصة:
- مدة صحبة أبي
هريرة رضي الله عنه للنبي ﷺ تزيد عن ثلاث سنوات، وقد قضاها
في تفرغ تام للعلم، مدعومًا بـ دعاء النبي ﷺ الإعجازي له بالحفظ.
- المقارنة بين
مرويات أبي هريرة -رضي الله عنه- والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
غير صحيحة لاختلاف الظروف وانشغال الخلفاء بشئون الدولة وسياسة الإقلال من
الرواية.
- كثرة مروياته -رضي الله عنه-
كانت نتيجة لكونه أكثر أداءً ونشرًا للحديث، بخلاف عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-
الذي كان أكثر تحملًا لكنه قلل من الأداء بسبب موقعه وانشغاله.
- شهادات الصحابة،
بما فيهم ابن عمر -رضي الله عنهما-، لأبي هريرة -رضي الله عنه-
كانت مدحًا لـ حرصه ولزومه للنبي ﷺ، وليست ذمًا أو اتهامًا.