تناولت الآية الكريمة ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا﴾ الضمائر في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ وأُثيرت شبهة حول اضطراب معانيها ومرجعيتها بين الله ورسوله، مما يقتضي التوضيح.
تناولت الآية الكريمة ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا﴾ الضمائر في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ وأُثيرت شبهة حول اضطراب معانيها ومرجعيتها بين الله ورسوله، مما يقتضي التوضيح.
منشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا * لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨، ٩].
وموطن هذه الشبهة - عندهم - هو الضمائر الثلاثة في: ﴿تُعَزِّرُوهُ﴾ - ﴿تُوَقِّرُوهُ﴾ - ﴿تُسَبِّحُوهُ﴾.
ذكروا هذا، ثم قالوا: "وهنا ترى اضطرابًا في المعنى، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره، ولأن الضمير المنصوب في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ﴾ عائد على الرسول المذكور آخرًا.
وفي قوله "وتسبحوه" عائد على اسم الجلالة المذكور أولًا، هذا ما يقتضيه المعنى، وليس في اللفظ ما يُعَيّنه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ بكرة وأصيلًا عائدًا على الرسول يكون كفرًا؛ لأن التسبيح لله فقط، وإن كان القول ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائدًا على الله يكون كفرًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لمن يعزره ويقويه.
الاضطراب ليس في نص القرآن، بل في فهم من أثار الشبهة، الضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ يعود على الله قطعًا؛ لأن التسبيح عبادة لا تجوز لغيره، والضمير في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ يعود على الرسول ﷺ، أما الضمير في ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، فيجوز عقلًا وشرعًا أن يعود على الله (بمعنى الإكبار والتعظيم) أو على الرسول ﷺ (بمعنى الاحترام والتكريم)، والتفريق بين هذه المرجعيات يتم بالخصائص العقلية والشرعية الواضحة.
اتسم عرض هذه الشبهة بإطالة غير معهودة؛ سعيًا لإحكام الحصار الجدلي، ووضع المتلقي أمام مأزق منطقي مزدوج مفاده: أن صرف الضمائر الثلاثة إلى الرسول ﷺ يوقع في المحظور العقدي؛ لكونه بشرًا لا يصح تسبيحه، إذ التسبيح حق خالص لله، وبالمقابل، فإن صرفها جميعًا إلى الله تعالى يوقع في محظور آخر؛ وهو نسبة الحاجة والتقوية إليه سبحانه، وهو الغني عن خلقه.
والحق الذي يَدْحض هذا الافتراض هو استقرار عقيدة التوحيد الخالص؛ إذ لا يُصرف التسبيح، ولا العبادة، ولا الرجاء، ولا الخوف إلا لله وحده، دون شريك أو وسيط، كما أن الكتاب العزيز مُنزَّهٌ في مبانيه ومعانيه عن الالتواء أو الاضطراب، وسالمٌ في مقاصده وقيمه من التناقض.
وعليه، فإن أي توهمٍ للاضطراب إنما مرده إلى قصور في الفهم لا يتعدى ذهن المتلقي، ولا ينسحب على النص القرآني الذي جاء أجلى من الشمس في وضوحه؛ حيث تحددت مرجعية الضمائر الثلاثة -عقلًا وشرعًا- بدقة متناهية لا تقبل اللبس.
فالضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائد على الله قطعًا دون أدنى شك؛ لأن التسبيح عبادة، ولم يأذن الله لعبادِه أن يعبدوا أحدًا غيره: فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال أيضا: ﴿يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ﴾ [النور: ٥٥].
أما مرجع الضمير في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ فهو للرسول ﷺ دون خلط أو تشويش، وأما الضمير في "وتوقروه" فلا مانع لا عقلًا، ولا شرعًا أن يكون عائدًا على الله، لأن توقير الله هو إكباره وتعظيمه، وقد قال نوح لقومه موبخًا لهم: ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا * وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا﴾ [نوح: ١٣، ١٤].
ويجوز أن يكون عائدًا على الرسول، وتوقيره هو احترامه وإنزاله منزلته من التكريم والطاعة.
هذا هو بيان ما توهموه من لبس، دون الرجوع إلى ما قاله النحاة أو المفسرون، فالمسألة لا تحتاج إلى أكثر مما أوجزناه.
ومن هنا نقول إن الخطاب القرآني يتوجه بامتياز إلى أولي الألباب وأصحاب العقول الراجحة؛ فهو يراهن على تلك الحاسة الفطرية والذائقة اللغوية لدى الإنسان، والتي تمكّنه من استجلاء خفايا المعاني، وإدراك ما وراء الألفاظ من روائع الإيماءات ودقائق الأسرار، تلك الحاسة هي الخصائص العقلية، والملكات الذهنية أو الذوقية المثقفة، فمثلًا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
ترى الخطاب فيها واحدًا ﴿طَلَّقۡتُمُ .... تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ والنظرة العجلى تحسب أن المخاطب في الموضعين صنف واحد من الرجال لكن العقل -بمعونة الشرع- سرعان ما يفرق بين الذين خوطبوا بــــ ﴿طَلَّقۡتُمُ﴾ والذين خوطبوا بـ ﴿تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ فالمخاطب الأول هم الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم، والمخاطب الثاني هم أولياء أمور المطلقات، يقول لهم القرآن إذا أراد الزوج المطلق طلاقًا رجعيًا في العدة أو بعد العدة أن يعيد زوجته إليه بالمراجعة أو العقد الجديد وكانت الزوجة راغبة في ذلك، فعلى أولياء أمرها ألا يقفوا في طريقها، فالذي فرَّق بين مرجعي الضميرين -هنا- العقل، بمعونة الشرع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي أثيرت حولها الشبهات، التي فرغنا من الرد عليها، ولو كان نظر مثيري هذه الشبهات وقع على آية البقرة هذه، لـقـــالوا إن فيها تركيبًا أدَّى إلى اضطراب المعنى، ولا وجود لاضطراب إلا في أوهامهم.
الخلاصة
تتناول هذه القضية الرد على شبهة اضطراب المعنى في القرآن، وتحديدًا تلك المثارة حول تفسير آية الفتح ٨-٩، حيث يدعي البعض وجود خلط في مرجع الضمائر في آية الفتح في قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾
وتتمحور شبهة اضطراب المعنى في سورة الفتح حول توهم أن الضمائر تعود لجهة واحدة؛ فإما أن يكون المقصود بها الرسول ﷺ فيقع المحظور في تسبيح الرسول، وإما أن تعود على الله تعالى فيقع المحظور في وصفه بالحاجة إلى التعزيز والتقوية.
والحق الذي لا مرية فيه أن السياق القرآني محكم، وأن العقل المسلم المنضبط بالشرع يدرك بوضوح توزيع الضمائر وفقًا للخصائص العقلية والشرعية، وذلك على النحو التالي:
١. الضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾: يعود على الله تعالى قطعًا؛ لأن التسبيح عبادة لا تصرف إلا للخالق، ومن المستحيل عقلًا وشرعًا صرفها للمخلوق.
٢. الضمير في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: يعود على النبي ﷺ؛ لأن التعزير هنا بمعنى النصرة والتأييد، وهو ما يحتاجه الرسول في تبليغ دعوته.
٣. الضمير في ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: يحتمل الوجهين؛ فيصدق على توقير الله والرسول، بمعنى تعظيم الله وإكباره، وبمعنى احترام الرسول وتكريمه.
وهذا التوزيع الدقيق للضمائر في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ يشبه أساليب عربية وقرآنية أخرى (مثل آيات الطلاق) حيث يفرق الذهن السليم بين المخاطبين المختلفين في سياق واحد دون لبس، مما ينفي تهمة الاضطراب ويثبت دقة النظم القرآني وبلاغته.
تُثار شبهة لغوية حول استخدام "إل ياسين" بدلًا من "إلياس"، و"سينين" بدلًا من "سيناء"، بادعاء خطأ لغوي وتغيير لاسم العلم، وهذا الادعاء يكشف عن جهل باللغات واللهجات العربية وتنوع أساليب البيان في القرآن الكريم.
رفع كلمة "الصابئون" في آية المائدة صحيح ولا شيء فيه من حيث الإعراب والبلاغة، ويمكنك التعرف على أهم آراء النحاة والمفسرين لتوضيح المعنى وتصحيح فهم شبهات الطاعنين في القرآن الكريم.
يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.