Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة عدم الإتيان بجواب "لما"

الكاتب

هيئة التحرير

شبهة عدم الإتيان بجواب "لما"

تُثار شبهة حول الآية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾، لعدم وجود جواب ظاهر لـ ﴿لَمَّا﴾، وهذا الاعتراض يدل على جهل بمنزلة الحذف البلاغي في اللغة العربية.

عرض الشبهة

منشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ [يوسف:١٥].

وموطن الشاهد عندهم هو قوله جل شأنه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾ بحثوا عن جواب "لمــا" فلم يجدوه، فرموا القرآن بالخطأ؛ لأنه لم يذكر جواب "لمــا" ثم قالوا "فأين جواب لمــا؟ ولو حذفت الواو التي قبل لمــا لاستقام المعنى".

الرد المختصر على الشبهة

القرآن لم يخطئ بحذف جواب ﴿لَمَّا﴾، بل استعمل هذا الحذف لغرض بلاغي عظيم:

١. الحذف البلاغي: ﴿لَمَّا﴾ لها جواب محذوف، وتقديره (فعلوا به ما فعلوا من الأذى والضرب).

٢. التهويل والتفظيع: الحذف هنا مقصود ويدخل ضمن فن الإيجاز، وغرضه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف، فبدلًا من ذكره تفصيلًا، يترك الأمر لذهن السامع يتصوره بكل بشاعته.

٣. ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ﴾ ليس الجواب: الواو في ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ﴾ هي واو عطف، والفعل ﴿أَوۡحَيۡنَآ﴾ معطوف على الجواب المحذوف، وليس هو الجواب نفسه.

الرد التفصيلي على الشبهة

قلنا إن هذه الشبهة تتعلق بفن الحذف، وهو مبحث بلاغي أكثر منه نحويـًا. إن كل محذوف عندهم غلط شنيع، وكل حذف خلط فظيع والناس- كما قيل في المثل - أعداء ما جهلوا.

يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني -شيخ البلاغيين- في وصف الحـذف البــلاغي، وروائع ثمـاره، وبديـع آثـاره: "هو بابٌ دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإنكَ ترى به تَرْكَ الذِكْر، أَفْصَحَ من الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإِفادة، وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إِذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تبن" [دلائل الإعجاز ١٤٦].

هذه هي منزلة الحذف في البيان العربي، الساري في أعطاف الكلام سريان النسيم في الرياض الفيحاء، وقد شاع شيوعًا لا حصر له في القرآن الكريم، إذ لم تكد تخلو منه سورة من سوره، ولا آية من آياته والمعاني التي يدل عليها الحذف في القرآن تكاد تعادل ربع معاني القرآن كله، وهو منهج واسع وحكيم من مناهج اللغة العربية لا مثيل له، ولذلك نجد العلَّامة اللغوي العظيم ابن جنّي، يسميه في كتابه "الخصائص" اسمًا طريفًا، هو: "شجاعة العربية".

وينتمي الحذف البلاغي إلى فن بلاغي حصر بعض العلماء البلاغة فيه، وهو "فن الإيجاز" أي قلة الألفاظ مع كثرة المعاني، وله مقامات يتألق فيها، ومقتضيات يوفي بأغراضها.

ومن مقاماته الحذف الوارد في آية سورة "يوسف" التي رآها من عشا بصره، وغلظ قفاه، وضل عقله خطأ ينبغي أن يصوَّب، ولحنًا يجب أن يقوَّم، إن حذف جواب ﴿لَمَّا﴾ هنا المراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف، بعد أن أذن لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء، وقد روي عنهم أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم في الطريق إلى المكان الذي قصدوه، حتى كادوا يقتلونه، والدليل على هذا قوله تعالى حكاية عن أحد إخوته: ﴿قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ﴾ [يوسف:١٠] فالنهى عن القتل لا يكون إلا عند العزم عليه ومباشرة أسبابه؛ لذلك حذف جواب "لمــا"؛ لتذهب النفس في تصوره كل مذهب، وحذف هذا الجواب فيه دلالة على طول ما حدث منهم، وعلى غرابته وبشاعته؛ لذلك قدره الإمام السدي فقال: قال السدي: إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه [غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٤/‏٦٩ - للنيسابوري]

وذهب غيره في تقدير الجواب مذاهب أخرى، والذي أتاح هذا الاختلاف في تقدير الجواب المحذوف هو الحذف نفسه [الدر المصون ٦/٤٥٣].

أما اقتراح مثيري الشبهة أن يحذف " الواو " في ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ﴾ ليستقيم المعنى فخطأ جسيم؛ لأن ﴿أَوۡحَيۡنَآ﴾ ليس هو جواب ﴿لَمَّا﴾، وإنما هو معطوف على الجواب المقدر لأن جواب ﴿لَمَّا﴾ هو ما حدث ليوسف من إخوته بمجرد خروجهم به من عند أبيهم وبُعْدِهم عنه قليلًا، ودليل ذلك هو العطف بالفاء في "فلما" لأنها تفيد الفورية والترتيب.

والخلاصة

حذف جواب ﴿لَمَّا﴾ في الآية ليس نقصًا، بل هو أرقى درجات البلاغة والإيجاز، ويُسمى "شجاعة العربية"، حيث أن ترك الذكر أفصح من الذكر، وهذا الحذف يخدم غرض تهويل الأفعال القاسية التي قام بها إخوة يوسف، ويسمح للنفس بتقدير شدة الأذى، وهو ما يسميه علماء البلاغة: "بابٌ شبيهٌ بالسِّحْر".

موضوعات ذات صلة

رفع كلمة "الصابئون" في آية المائدة صحيح ولا شيء فيه من حيث الإعراب والبلاغة، ويمكنك التعرف على أهم آراء النحاة والمفسرين لتوضيح المعنى وتصحيح فهم شبهات الطاعنين في القرآن الكريم.

يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.

تُثار شبهة لغوية حول استخدام "إل ياسين" بدلًا من "إلياس"، و"سينين" بدلًا من "سيناء"، بادعاء خطأ لغوي وتغيير لاسم العلم، وهذا الادعاء يكشف عن جهل باللغات واللهجات العربية وتنوع أساليب البيان في القرآن الكريم.