Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رد شبهة أن الله حفظ بعض القرآن وليس كله

رد شبهة أن الله حفظ بعض القرآن وليس كله

تكفل الله عز وجل بحفظ كتابه الخاتم من التبديل والضياع، ليكون حجة قائمة على الخلق أجمعين، ونفي النقص عن القرآن ليس مجرد اعتقاد عاطفي، بل هو حقيقة موضوعية تقتضيها الحكمة الإلهية لضمان وصول الرسالة الخاتمة نقية كما نزلت، تحقيقًا للعدل المطلق.

عرض الشبهة

 يثير بعض المشككين شبهة حول شمولية حفظ الله للقرآن الكريم، مدعين أن مصطلح "الذِّكر" الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] قد لا يعني القرآن بكامله بل جزءًا منه فقط، ويستندون في زعمهم هذا إلى مرويات تاريخية وآثار منسوبة للصحابة، تدعي ضياع بعض الآيات، مثل ما يُروى عن "آية الرجم" التي قيل إنها كانت تتلى ثم فُقدت، ورواية تزعم أن داجنًا (غنمة) أكلت صحيفة كانت تحتوي على آيات من القرآن في بيت السيدة عائشة، مما يقدح -في زعمهم- في كمال الحفظ الإلهي للكتاب.

الرد المختصر على الشبهة

الذكر هو القرآن الكريم كله، وحفظه وعد إلهي مطلق لكونه الرسالة الخاتمة التي لا نبي بعدها بخلاف الكتب السابقة التي وُكل حفظها للبشر فحرفوها، تكفل الله بنفسه بحفظ القرآن لضمان قيام الحجة والعدل الإلهي إلى يوم القيامة، والقرآن محفوظ في الصدور والسطور بآيات قطعية الثبوت والدلالة، وأي رواية تخالف هذا الأصل القطعي والنقل المتواتر والعقل الصريح فهي مردودة ولا قيمة لها علميًا.

الرد التفصيلي على الشبهة

للرد على هذه الشبهة بشكل عقلي منضبط، نستعرض الحقائق التالية التي تفكك أصل الادعاء:

أولًا: الحكمة من الحفظ الإلهي المباشر للقرآن:

في الرسالات السابقة، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم في هذا التكليف، قال تعالى: ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِیهَا هُدࣰى وَنُورࣱۚ یَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِیُّونَ ٱلَّذِینَ أَسۡلَمُوا۟ لِلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِیُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَیۡهِ شُهَدَاۤءَۚ فَلَا تَخۡشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُوا۟ بِءَایَٰتِی ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۚ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، لكنهم ضيعوا الأمانة وحرفوا الكتب، فكان الله يبعث رسولًا جديدًا لتصحيح المسار، أما عندما أراد الله -سبحانه وتعالى- مع بلوغ الإنسانية سن الرشد، ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد ﷺ، فكان لا بد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظٍ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف، ولا يليق به النسيان؛ أي كان لا بد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد؛ لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر -الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان- معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب؛ حيث لا وحي سيأتي، ولا رسول سيبعث، ولا كتاب سينزل، الأمر الذي لو حدث -افتراضًا- سيضل الناس ولا رعاية لهم، ولا حجة عليهم، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلًا إلهيًا مناسبًا.

ولذلك، انتقلت مهمة حفظ الوحي الخاتم (القرآن الكريم) في الرسالة الخاتمة إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا يتخلف حفظه أبدًا، بعد أن كانت هذه المهمة في الرسالات السابقة استحفاظًا من الله للناس؛ أي طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب، فكان الوعد الإلهي المؤكد: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولو ضاع جزء منه لانتفت حجة الله على عباده ولما تحقق العدل الإلهي.

ثانيًا: شمولية "الذكر" لكل القرآن:

لم يقل أحد، ولا جائز في العقل -فضلًا عن النقل- أن يقال: إن الذكر الذي تعهد الله بحفظه هو بعض القرآن وليس كل القرآن؛ لأن ضياع أي جزء من القرآن إنما يعني تخلف رعاية الله لخلقه، وسقوط حجته على عباده، ثم إن القرآن لا يقف بالحفظ عندما يطلق عليه "الذكر"، فضلًا عن أن مصطلح الذكر إنما يشمل كل القرآن، تشهد على ذلك الآيات الكثيرة في كتاب الله؛ فالمراد بالذكر: القرآن (كل القرآن)، والكتاب (كل الكتاب وليس بعضه)؛ بدليل قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

والله سبحانه وتعالى يشير إلى القرآن والتنزيل -أي كل ما نزل به الوحي- بلفظ الذكر، كقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَاۤءَكُمۡ ذِكۡرࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنكُمۡ لِیُنذِرَكُمۡ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقوله: ﴿وَقَالُوا۟ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِی نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونࣱ﴾ [الحجر: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقوله: ﴿وَهَٰذَا ذِكۡرࣱ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقوله: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ وَقُرۡءَانࣱ مُّبِینࣱ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَإِن یَكَادُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَیُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكۡرَ﴾ [القلم: ٥١-٥٢].

والذكر هو كل ما جاء به الوحي، فالوحي هو الذكر: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِیۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ * وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرࣱ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡءَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣-٤٤].

بل إن سياق آية ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] شاهد على أن الذكر والقرآن والكتاب هو الوحي: ﴿الۤرۚ تِلۡكَ ءَایَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانࣲ مُّبِینࣲ...وَقَالُوا۟ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِی نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونࣱ ... إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ١، ٦، ٩]..

ثالثًا: استحالة الضياع عقلًا وواقعًا:

إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ ونفي الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل، وليس لبعض القرآن: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة: ٢]، ﴿تَنزِیلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَیۡبَ فِیهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [السجدة: ٢]، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ﴾ [البقرة: ١٧٦]، ﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِی ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَیۡءࣲۚ﴾ [الأنعام: ٣٨].

ولو ضاع شيء من هذا الكتاب -أي القرآن والتنزيل- لحدث التفريط الذي تنفيه هذه الآية، ولانتفت حجة الله على البشر: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكࣱ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ * أَن تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَاۤئِفَتَیۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِینَ * أَوۡ تَقُولُوا۟ لَوۡ أَنَّاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّاۤ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَاۤءَكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱۚ﴾ [الأنعام: ١٥٥-١٥٧].

فحجة الله على الناس -بعد ختم الوحي بالقرآن الكريم- تنتفي وتسقط إذا حدث جهل بشيء مما أنزل في الكتاب (القرآن): ﴿وَمَاۤ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابࣱ مَّعۡلُومࣱ﴾ [الحجر: ٤]، ولو أن القرآن ضاع منه شيء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شيء فيه، ولما تمت شهادة الرسول ﷺ على أمته: ﴿وَیَوۡمَ نَبۡعَثُ فِی كُلِّ أُمَّةࣲ شَهِیدًا عَلَیۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِیدًا عَلَىٰ هَٰۤؤُلَاۤءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡیَٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣰ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [النحل: ٨٩].

وختم النبوة والرسالة يعني انتفاء بعث رسول جديد، ونزول كتاب جديد، وحتى تقوم حجة الله على عباده، لا بد من بقاء القرآن كله محفوظًا؛ ليكون قيمًا على الناس، أي دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ یَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ * قَیِّمࣰا لِّیُنذِرَ بَأۡسࣰا شَدِیدࣰا مِّن لَّدُنۡهُ وَیُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنࣰا﴾ [الكهف: ١-٢].

وإذا كان الكتاب هو كل القرآن، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله، وجمعه وقرأه: ﴿وَٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِیرُۢ بَصِیرࣱ * ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ﴾ [فاطر: ٣١-٣٢].

رابعا: صفات القرآن المانعة من التحريف:

ومن صفات القرآن -كل القرآن- أنه كتاب عزيز، أي منيع، محفوظ من العبث به وفيه، وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأي حال من الأحوال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَاۤءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِیزࣱ * لَّا یَأۡتِیهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِیلࣱ مِّنۡ حَكِیمٍ حَمِیدࣲ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]؛ والذكر في هذه الآية هو كل الكتاب العزيز على أي عبث به وفيه. ومن صفات القرآن -كل القرآن- أنه كتاب عليّ حكيم، فوق تطاول المتطاولين، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِیࣰّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ * وَإِنَّهُۥ فِیۤ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَیۡنَا لَعَلِیٌّ حَكِیمٌ﴾ [الزخرف: ٣-٤]، ومن صفات القرآن -كل القرآن- أنه في كتاب مكنون؛ أي مصون ومحفوظ عن اللعب والعبث والتحريف: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ * فِی كِتَٰبࣲ مَّكۡنُونࣲ﴾ [الواقعة: ٧٧-٧٨].

ولقد صدق التاريخ على هذا الحفظ الإلهي لهذا القرآن المجيد، ومن يقرأ تاريخ التوراة -حتى ذلك الذي كتبه علماء اليهودية- يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها، وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذي صنعه "عزرا" وغيره من الأحبار في صورة مليئة بالتحريف. ومن يتأمل تناقضات الأناجيل -حتى الشهيرة منها- والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة (من مثل أناجيل "مخطوطات نجع حمادي"، و"مخطوطات البحر الميت"، و"إنجيل برنابا") يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح -عليه السلام-. لكن.. ها هو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غنة ولا مد، وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا، مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التي أبادتها غزوات الطغاة، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات، وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين؛ فالتاريخ -هو الآخر- قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهي لكل القرآن الكريم، فبرهان العقل -المتعلق بختم الرسالة وختم الوحي- يجعل حفظ القرآن -كل القرآن- لإقامة الحجة على الناس ضرورة عقلية.

وكذلك النقل المتكرر في القرآن -بلفظ القرآن، والكتاب، والتنزيل، والذكر- شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهي لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم؛ فهو وحي الله الخاتم، تعهد سبحانه وتعالى بجمعه وحفظه، وحجة خالدة، كي لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شيء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم.

خامسا: نقد الروايات المعارضة للحفظ:

أما بعض المرويات التي يفهم منها البعض شكًا في حفظ كل ما نزل على رسول الله ﷺ من القرآن، فإن منطق العقل، ومنهاج البحث العلمي، وقواعد نقد النصوص والمرويات -التي اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية- كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات، والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات، فإذا كان لدينا -على نحو ما قدمنا- شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن -كل القرآن- هو ضرورة عقلية تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحي، وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم (أي بالمصدر المعجز قطعي الدلالة والثبوت)؛ فهل يكون عاقلًا من يترك شهادة العقل الصريح والنقل المعجز الصحيح، ويلتفت إلى رواية من روايات يعلم الله من رواها؟ ولماذا رواها؟

إن منطق البحث العلمي -الذي أجمع عليه كل عقلاء الدنيا في التعامل مع النصوص- قد حسم هذه القضية التي نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها.. والله من وراء القصد، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد.

الخلاصة

حفظ الله للذكر يشمل القرآن كله باعتباره الرسالة الخاتمة، ضماناً لقيام الحجة وتحقيقاً للعدل الإلهي. فمصطلح "الذكر" ينطبق على كل الوحي، والادعاء بضياع آيات استناداً لروايات ظنية هو قول مردود عقلا ونقلا، فكيف يضيع جزء من الدستور الخالد وتصمد الحجة؟! لقد أثبت التاريخ عصمة القرآن، فلا يُترك اليقين المتواتر لأجل مرويات مشكوك فيها؛ فالقرآن نُقل بتواتر آلاف الصحابة صدراً وكتابة، مما يجعل فرضية ضياع حرف واحد مستحيلة عقلاً وواقعاً، ليبقى الكتاب عزيزاً كما وعد الله.

موضوعات ذات صلة

يتخذ البعض من ظواهر النصوص القرآنية ذريعة لإثارة الشكوك حول دقتها العلمية، ومن أشهر هذه المواضيع قصة ذي القرنين ووصفه لمشهد غروب الشمس في سورة الكهف.

يكشف هذا الطرح حقيقة الخلاف حول اسم والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بين "آزر" و"تارح"، مبرزًا هيمنة القرآن الكريم ودقة بيانه في تصحيح المفاهيم التاريخية وكشف الألقاب الدينية.

توضيح شامل للجمع بين الآيات التي تتحدث عن مادة خلق الإنسان، وبيان أن تعدد الألفاظ يمثل مراحل تكاملية دقيقة، وليست تناقضًا، مما يثبت الإعجاز العلمي في النص القرآني.