Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حول تاريخية أو خلود أحكام القرآن الكريم

حول تاريخية أو خلود أحكام القرآن الكريم

يناقش المقال قضية خلود التشريع الإسلامي في مواجهة دعاوى "تاريخية النص"، مبيّنًا بالحجة والبرهان صلاحية أحكام الميراث لكل عصر، ومفندًا الشبهات المثارة حولها بدقة علمية ومنهجية رصينة.

عرض الشبهة

تتمحور الشبهة حول فكرة "تاريخية النص القرآني" أو "الأحكام الوقتية"؛ حيث يزعم البعض أن التشريعات القرآنية -خاصة في باب المعاملات والميراث- كانت معالجةً لواقع اجتماعي قديم، ولم تعد صالحةً للتطبيق في العصر الحديث، ويرون ضرورة تجاوز النصوص القطعية مثل قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَیَیۡنِۚ﴾ [النساء: ١١]، بدعوى أن التطور الحضاري يقتضي تغيير هذه الأحكام لتواكب مفاهيم العصر، معتبرين أن هذه النصوص "مرحلية" انتهت بانتهاء زمن نزولها، وأن الإصرار عليها يعيق التقدم ويخالف الواقع المعاصر.

الرد المختصر على الشبهة

القول بتاريخية الأحكام هو إسقاط خاطئ لتجربة الغرب مع كتبهم المحرفة على القرآن المحفوظ؛ فالقرآن وضع في المعاملات "كليات" مرنة تقبل الاجتهاد والتطور، وحسم "ثوابت" أخلاقية وتشريعية لا تتغير، أما ما أثير حول الميراث، فنابع من جهلٍ بتفاصيل التشريع؛ فميراث المرأة يزيد عن الرجل في أكثر من ثلاثين حالة، والتفاوت لا يعتمد على "الجنس" بل على معايير موضوعية كالعبء المالي وموقع الجيل الوارث.

الرد التفصيلي على الشبهة

أما القول بتاريخية ووقتية أحكام القرآن الكريم، بمعنى "أنها غير صالحة لكل زمان"، فإن لنا عليها ملاحظات نسوقها في النقاط التالية:

أولًا: أصل الدعوى (إسقاط التجربة الغربية)

إن هذه الدعوى ليست جديدة؛ فلقد سبق وتبناها فلاسفة التنوير الغربي الوضعي العلماني بالنسبة للتوراة والإنجيل، فرأوا أن قصصها مجرد رموز، بل ورأوا أن الدين والتدين إنما يمثل "مرحلة تاريخية" في عمر التطور الإنساني، مثلت مرحلة "طفولة العقل البشري"، ثم تلتها -على طريق النضج- مرحلة "الميتافيزيقا"، التي توارت هي الأخرى لتفسح المجال للمرحلة الوضعية التي لا ترى علمًا إلا إذا كان نابعًا من الواقع، ولا ترى سبلًا للعلم والمعرفة إلا العقل والتجارب الحسية، وما عدا ذلك من الدين وأحكام شرائعه فهي -في نظرهم- "إيمان" يمثل مرحلة تاريخية على درب التطور العقلي، ولم يعد صالحًا لعصر العلم الوضعي، اللهم إلا لحكم العامة والسيطرة على نزعاتهم وغرائزهم، وهكذا بدأت وتبلورت نزعة "تاريخية" النصوص الدينية في فكر التنوير الغربي العلماني والنهضة الأوروبية الحديثة.

وإذا كان هذا القول قد جاز، ووجد له بعض المبررات -في الغرب- بالنسبة لكتب رسالات خاصة بقوم بعينهم (بني إسرائيل) الذين جاءتهم اليهودية والمسيحية، ونزلت لهم التوراة والإنجيل لزمان معين، وبتفاصيل تشريعات -وخاصة في التوراة- تجاوزها تطور الواقع؛ فإن دعوى "تاريخية النص الديني" لا مكان لها ولا ضرورة تستدعيها بالنسبة للقرآن الكريم.

ذلك أن القرآن هو كتاب الشريعة الخاتمة، والرسالة التي خُتمت بها النبوات والرسالات، فلو طبقنا عليه قاعدة "تاريخية النصوص الدينية" لحدث "فراغ" في المرجعية الدينية؛ إذ لا رسالة بعد رسالة سيدنا محمد ﷺ، ولا وحي بعد القرآن، وإذا حدث هذا الفراغ في المرجعية والحجة الإلهية على الناس، زالت حجة الله على العباد في الحساب والجزاء، إذ سيقولون: "يا ربنا، لقد أنزلت علينا كتابًا نسخه التطور، فماذا كان علينا أن نطبق بعد أن تجاوز الواقع المتطور آيات وأحكام الكتاب الذي أنزلته لهدايتنا؟!".

ثانيًا: الفرق بين العبادات والمعاملات

إن "التاريخية" -أي وقتية الأحكام- لا يقول بها أحد في أحكام العبادات، وإنما يقول بها أصحابها في آيات وأحكام المعاملات، وهم يخطئون إذا ظنوا أن هناك حاجة إليها في أحكام المعاملات التي جاء بها القرآن الكريم؛ ذلك أن القرآن الكريم -في المعاملات- قد وقف عند "فلسفة" و"كليات" و"قواعد" و"نظريات" التشريع، أكثر مما فصل في تشريع المعاملات.

فهو قد فصل في الأمور الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان (مثل منظومة القيم والأخلاق، والقواعد الشرعية التي تستنبط منها الأحكام التفصيلية، والحدود المتعلقة بالحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة)، وترك تفصيل أحكام المعاملات لعلم الفقه، الذي هو اجتهاد محكوم بثوابت الشريعة الإلهية، ذلك حتى يظل هذا الفقه -فقه المعاملات- متطورًا دائمًا وأبدًا عبر الزمان والمكان، ليواكب تغير الواقع ومستجدات الأحداث في إطار كليات الشريعة وقواعدها ومبادئها التي تحفظ على أحكامه المتطورة "إسلاميتها" دائمًا وأبدًا.

وهذه "الصيغة الإسلامية" الفريدة التي جاءت بالنص الإلهي الثابت، هي التي وازنت بين ثبات النص وتطور التفسير البشري للنص الإلهي الثابت، وجمعت بين ثبات "الوضع الإلهي" وتطور "الاجتهاد الفقهي"، أي جمعت بين ثبات المرجعية والنص، وبين تطور الاجتهاد الفقهي المواكب لمتغيرات الواقع عبر الزمان والمكان.

ثالثًا: تفنيد المثال المثار (شبهة الميراث)

تتعلق هذه النقطة بالمثال الذي يسوقه دعاة تاريخية النصوص الدينية للتدليل على ضرورة تطبيق هذه التاريخية -في زعمهم- على أحكام القرآن الكريم في المعاملات، وهو "ميراث المرأة"، ونحن عندما ننظر في هذا المثال نزداد يقينًا بخطأ دعوى تطبيق هذه التاريخية على القرآن الكريم:

ليس صحيحًا أن توريث المرأة في الإسلام قد جانب الإنصاف لها حتى يكون حكمه صالحًا للزمان الماضي دون الزمان المعاصر والمستقبل؛ فالأنثى في الإسلام لا ترث نصف الذكر دائمًا وأبدًا، والقرآن لم يقل "يوصيكم الله في الوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين"، وإنما جعل ذلك في حالة بعينها هي حالة "الأولاد"، وليس في مطلق وكل الوارثين: ﴿یُوصِیكُمُ ٱللَّهُ فِیۤ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَیَیۡنِۚ﴾ [النساء: ١١]، أما عندما كان التقعيد عامًا للميراث، فإن القرآن قد استخدم لفظًا عامًا هو لفظ "النصيب" لكل الذكور والإناث على حد سواء: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِیبࣱ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِیبࣱ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِیبࣰا مَّفۡرُوضࣰا﴾ [النساء: ٧].

معايير التفاوت في الميراث: إن معايير التفاوت في أنصبة الميراث لا علاقة لها بالجنس (ذكورة أو أنوثة) على الإطلاق -على غير ما يحسب ويظن الكثيرون، إن لم يكن الأكثرون! - وإنما معايير هذا التفاوت ثلاثة:

١.    درجة القرابة: فكلما كان الوارث أقرب إلى المورث زاد نصيبه في الميراث.

٢.    موقع الجيل الوارث: وتلك حكمة إلهية بالغة في فلسفة الإسلام للميراث؛ فكلما كان الوارث صغيرًا من جيل يستقبل الحياة وأعباءها وأمامه المسئوليات المتنامية، كان نصيبه من الميراث أكبر، فابن المتوفى يرث أكثر من أب المتوفى (وكلاهما ذكر)، وبنت المتوفى ترث أكثر من أمه (وكلتاهما أنثى)، بل إن بنت المتوفى ترث أكثر من أبيه.

٣.    العبء المالي: وهو العامل الثالث؛ فإذا اتفقت وتساوت درجة القرابة وموقع الجيل الوارث (مثل مركز الأولاد - أولاد المورث) مع تفاوت العبء المالي بين الولد الذكر (المكلف بإعالة زوجة وأسرة وأولاد) وبين البنت (التي سيعولها هي وأولادها زوج ذكر)، هنا يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو تقسيم ليس فيه أية شبهة لظلم الأنثى، بل ربما كان فيه تمييز وامتياز لها احتياطًا لاستضعافها.

وهذه الحقائق في المواريث الإسلامية -التي يجهلها ويتجاهلها دعاة تاريخية آيات الميراث- هي التي جعلت المرأة (في الجداول الإجمالية لحالات الميراث الإسلامي) ترث مثل الرجل، أو أكثر من الرجل، أو ترث ولا يرث الرجل في أكثر من ثلاثين حالة، بينما هي ترث نصف ما يرث الذكر في أربع حالات فقط.

الخلاصة

لو فقه الداعون إلى تاريخية آيات الأحكام في القرآن حقيقة هذه الأحكام التي توهموا الحاجة إلى تجاوزها، لأدركوا أن وقوف النص القرآني عند كليات وفلسفات وقواعد ونظريات التشريع، مع ترك تفصيلات التشريع لاجتهادات الفقهاء، هو الذي جعل أحكام القرآن الكريم في المعاملات -فضلًا عن العبادات والقيم والأخلاق- صالحة لكل زمان ومكان، فكانت شريعته آخر وخاتم الشرائع السماوية، دونما حاجة إلى هذه "التاريخية" التي استعاروها من الفكر الغربي دون إدراك لخصوصية النص الإسلامي وتميز مسيرة الفقه الإسلامي، ولو أنهم فقهوا حقيقة الأمثلة التي توهموها داعية لهذه التاريخية -مثل ميراث المرأة- لكفونا مؤونة هذا الجهد في كشف هذه الشبهات!

موضوعات ذات صلة

يتخذ البعض من ظواهر النصوص القرآنية ذريعة لإثارة الشكوك حول دقتها العلمية، ومن أشهر هذه المواضيع قصة ذي القرنين ووصفه لمشهد غروب الشمس في سورة الكهف.

يكشف هذا الطرح حقيقة الخلاف حول اسم والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بين "آزر" و"تارح"، مبرزًا هيمنة القرآن الكريم ودقة بيانه في تصحيح المفاهيم التاريخية وكشف الألقاب الدينية.

توضيح شامل للجمع بين الآيات التي تتحدث عن مادة خلق الإنسان، وبيان أن تعدد الألفاظ يمثل مراحل تكاملية دقيقة، وليست تناقضًا، مما يثبت الإعجاز العلمي في النص القرآني.