وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
حياته: هو أبو علي الحسين بن سينا المعروف بالشيخ الرئيس، أما لقب الرئيس فقد كان إشارة إلى تقلده الوزارة، في حين أن لقب الشيخ كان دلالة على اشتغاله بالعلم والفلسفة، فاللقب الأول سياسي، واللقب الثاني علمي.
وابن سينا صاحب عبقرية فريدة تقوم على الذكاء النادر والدهاء السياسي، عُرِف بالطب أولًا ثم الفلسفة، وهو يحتل مكانة بارزة في تاريخ الحضارة العربية، بل في تاريخ الحضارة الإنسانية في التأثير الكبير الذي تركته فلسفته وطبه، لا في تاريخ الفلسفة الإسلامية والطب العربي فقط، بل في تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط وما بعد الوسيط، وتاريخ الطب في مفتتح عصر النهضة.
كما كانت لفلسفته أثرها الكبير في العصر الوسيط في العالم العربي، ذلك أنه ليس تلميذ أرسطو فقط، بل هو تفوق عليه؛ لأنه مسلم أفسح مذهبه المجال أمام الوحي والحقائق الدينية، فهو يثبت وجود الله وصفاته، ويثبت وجود النفس وخلودها، والسعادة الأبدية والمعاد ووجود الملائكة والرسل، كل هذا أكسبه هالة من الوقار جعلته يحتل مكانة مهمة عند الغرب.
يذكره روجر بيكون قائلًا: "ثم تجددت الفلسفة على يد ابن سينا باللغة العربية، ولم يكن غريبًا أن يعده أول اسم كبير بعد أرسطو، وأهم شراحه، وزعيم الفلاسفة" [الأب جورج شحاته قنواتي بحث عن أثر ابن سينا في الفلسفة الغربية دائرة معارف البستاني٣ / ٢٣٥].
لقد سهل ابن سينا على الغربيين ربط الحقائق الدينية بالفلسفة والعلم، وجاءت فلسفته بمعطيات ثمينة على الحواس، وظهرت اتجاهات جديدة مصطبغة بالسينوي، فكان تيار يسمى السينوي اللاتيني الذي يتميز بترجيح العناصر السينوية على العناصر الأوغسطينية، والقديس توما الآكويني قد ذكر ابن سينا أكثر من أربع مائة مرة في مؤلفاته". [شكفته مريم ابن سينا وأعماله الطبية والأدبية بحث ضمن مجلة الدراسات الإسلامية باكستان العدد (۲) المجلد (۷۷) صيف ١٩٩٢/١٤١٢ ص ١٤٩].
ويعد ابن سينا من أوائل المفكرين الذين تركوا لنا ترجمة مفصلة عن حياتهم، فقد أملى جزءًا من سيرته على تلميذه أبي عبيد الجوزجاني، وترك لنا سجلًّا يحتوي تفاصيل حياته.
ولد ابن سينا سنة ٣٧٠ه - ٩٨٠ م في بلدة أفشنة من أعمال خوزستان على مقربة من مدينة بخارى، ونشأ في بيت عريق بالتقاليد الفارسية فكرًا ودينًا، فقد كان أبوه من المشتغلين بالشئون السياسية، كما كان يدار في بيته مجالس الإسماعيلية من الشيعة.
درس ابن سينا علوم القرآن وأصول اللغة، وتلقى المنطق على يد أستاذه أبي عبد الله الناتلي وكان يدعى المتفلسف، ونزل هذا المتفلسف بدار ابن سينا، وبدأ ابن سينا دراسة كتاب (إيساغوجي) وهو كتاب في المنطق على يد الناتلي، ولكنه أدرك أن الناتلي لم يكن عليمًا بدقائق المنطق - وكثيرًا ما فاق التلميذ أستاذه - فأكمل دراسة المنطق على نفسه.
ودرس ابن سينا الطب على يد (عيسى بن يحيى)، وأتمه وبرز فيه في مدة قصيرة، وكان يقول: "إن دراسة الطب ليس من العلوم الصعبة"، فكان يعتمد على نفسه في درسه تارة، ويراجع أساتذة آخرين مثل (أبي سهل المسيحي)، و(أبي منصور بن الحسن بن نوح).
فلم يبلغ السابعة عشرة حتى ترامت شهرته بالتطبيب الآفاق الشرقية حتى عندما ألمَّ بالأمير "نوح بن منصور" مرض عضال، استطاع ابن سينا علاجه، وأصاب حيث أخطأ مشاهير الأطباء، فاستبقاه الأمير لخدمته وأذن له في الاطلاع على مكتبته، وكانت مكتبة عظيمة بما حوت من علوم الطبيعة والإلهيات.
ويُذكر أن ابن سينا قد انتهى من تحصيل العلوم وهو في سنٍّ مبكرة، ووقف على تفصيلاتها، ولكن علمًا واحدًا قد استعصى عليه فهمه وهو (علم ما بعد الطبيعة)، ويعترف بأنه قد قرأ كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو أكثر من أربعين مرة، ولم يستطع أن يفهمه أو يفهم المقصود منه حتى وُفِق في الحصول على كتاب للفارابي بعنوان: (أغراض كتاب ما بعد الطبيعة) فانفتح عليه في هذا الوقت غوامض وأسرار علم الطبيعة، وعرف ابن سينا الفلسفة الخالصة عن طريق "الفارابي" وتوسع فيها، ففاق "الفارابي" في العرض والشرح والإلمام بدقائق هذا العلم.
وقد عاش ابن سينا فترة من الاضطرابات السياسية التي عانت منها البلاد الإسلامية.
هذا هو موجز لتاريخ حياة الشيخ الرئيس، قص ابن سينا بنفسه جزءًا منه، ثم تولى تابعه وصديقه (أبو عبيد الجوزجاني) بقية روايته.
يُعَد ابن سينا من أكثر فلاسفة الإسلام غزارة في الإنتاج، أما سرعته في التدوين والتأليف فكانت مثيرة للدهشة، من أمثلتها ما رواه الجوزجاني، الذي لازمه وطلب منه كتابة كتاب (الشفاء)، حيث كتبه من عشرين جزءًا، واضعًا رؤوس المسائل في يومين، دون الرجوع إلى كتاب يحضره، ولا أصل يرجع إليه بل من ذاكرته فقط، ثم أخذ كل مسألة من هذه المسائل يكتبها ويشرحها في كتاب، فكان يكتب كل يوم خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات، ما خلا كتابي الحيوان والنبات [البيهقي، حكماء الإسلام - طبعة - كردستان سنة ١٩٤٦ ص ٣٠].
وقد حصر الأب جورج شحاته قنواتي مؤلفات ابن سينا في كتاب يحمل نفس العنوان بما يزيد على مائتين وخمسين مؤلفًا، منها ما يشبه دوائر المعارف، ومنها المؤلفات المتوسطة والمختصرة، ومنها الرسائل والقصائد.
ولم تقتصر مؤلفات ابن سينا على علمٍ من العلوم، ولا فن من الفنون - وإن كان طابعها الأعم الأغلب هو الفلسفة بجميع فروعها المعروفة آنذاك - فإنها تجاوزت ذلك، فألَمَّ باللغة والشعر والتصوف والموسيقى والفلك والطب بصورة خاصة، وهذا ما دعا أكثر الذين كتبوا عن ابن سينا إلى تلقيبه بـ (الموسوعي).
وقد كتب ابن سينا في الفلسفة: ٢٤ مؤلفًا، وفي اللغة: ٢٣ مؤلفًا، وفي الطبيعة: ٢٦ مؤلفًا، وفي الطب: ٤٤ مؤلفًا، وفي الرياضيات والموسيقى: ١٤ مؤلفًا، وفي التفسير: ٦ مؤلفات، وفي التصوف: ٣١ مؤلفًا، وفي الرسائل الشخصية: ١٥ مؤلفًا، وفي المنطق: ٢١ مؤلفًا، وفي الشعر مؤلفًا واحدًا، وفي علم النفس: ٣٣ مؤلفًا، وفي الميتافيزيقا والتوحيد: ٣٢ مؤلفًا، وفي الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة: ١١ مؤلفًا، وفي متفرقات شتى: ٧ مؤلفات.[ توجد عناوين هذه الكتب في كتاب " مؤلفات ابن سينا " للأب قنواتي، دار المعارف مصر سنة ١٩٥٠م، ويحدد أماكن مخطوطتها، وأماكن طبع ما طبع منها، إلا أنه قد طبعت بعض المؤلفات بعد هذا التصنيف، كما ظهرت طبعات جديدة لبعض المؤلفات].
ومن أهم كتب ابن سينا:
١- كتاب الشفاء: وهو كتاب ضخم أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية، ألفه ابن سينا للعامة، وقد شمل العديد من الموضوعات، وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: المنطق، والرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات، وقد تُرجِم كله إلى عدة لغات، منها: اللاتينية والإنجليزية، والفرنسية، وطبعت بعض أجزائه في مصر طبعة حديثة.
٢ -كتاب القانون في الطب: ويقع في خمسة أجزاء، وظل من المراجع الأساسية في تعليم الطب في العالم طوال القرون الوسطى، وحتى عصر النهضة في أوروبا.
٣ -كتاب النجاة: وهو مختصر لكتاب الشفاء.
٤ -كتاب الإشارات والتنبيهات: وهو من آخر ما كتب ابن سينا، وفيه إشارات إلى فلسفة ابن سينا المشرقية في مقابل الفلسفة المشائية في الشفاء.
٥ - كتاب الحكمة المشرقية: فُقد معظم هذا الكتاب، ولم يبق منه إلا الجزء الخاص بالمنطق.
٦- مؤلفات ابن سينا عن النفس: ولابن سينا مجموعة كبيرة من الرسائل الفلسفية المعبرة عن النفس، سواء كانت كتبًا أو رسائل أو حتى قصائد، مثل: القصيدة العينية.
٧ - مجموعة رسائل في الحكمة والطبيعيات.
بالإضافة إلى مؤلفات أخرى مثل: عيون الحكمة، إثبات النبوات، التعليقات، حي بن يقظان، رسالة الطير، رسالة أسباب الحروف، إلى جانب كتاباته المتنوعة في المنطق.
وله أيضًا تفسير بعض السور القرآنية بأسلوب فلسفي، نشر بعضها في كتاب "جامع البدائع" كتفسير الصمدية، وتفسير سورة الأعلى، وتفسير سورة الفلق، وتفسير سورة الناس وتفسير المعوذتين.
من الملاحظ أن فلسفة ابن سينا يمكن أن تنقسم إلى قسمين رئيسيين، حيث كان يكتب بأسلوبين مختلفين في كتاباته الفلسفية.
الأسلوب الأول: فلسفة يكتبها للعامة، ويعرض فيها الفلسفة بالطريقة المشائية، وهي الطريقة المشهورة بين الناس بأنها طريقة أرسطو وأتباعه، ومنها "كتاب الشفاء" بأجزائه المتعددة، و"النجاة" وغيرهما.
الأسلوب الثاني: كتب للخاصة يرصد فيها أسرار الحكمة المشرقية، أو حسب ما ذكر أنه أودعها أسرار الحكمة المشرقية، ويوصي أن تُصَان هذه الفلسفة عن العامة ولا يطلع عليها أحد إلا بعد أخذ المواثيق عليه، والتأكد من صلاحيته لحمل أمانة هذا المذهب وعدم إذاعتها للجمهور، ومن أمثلة هذه الفلسفة: ما وضعه ابن سينا في الأنماط الثلاثة الأخيرة من كتاب (الإشارات والتنبيهات) و (رسائله الصوفية)، وغيرها.
ونختار من عناصر فلسفته، العناصر التالية:
أ- تقسيم العلوم: يُعدُّ تقسيم العلوم أو تصنيفها من أهم المواضع التي تظهر فيه استراتيجية ابن سينا في الكتابة الفلسفية، إذ إنه يراعي - في بسط آرائه- من يخاطبهم، فإن كانوا من عامة المتفلسفة فإنه لا يكشف لهم إلا عن مذهبه العام أو المستور، وإن كانوا من الخاصة كشف لهم عن تقسيم آخر للعلوم.
فهو في الشفاء وغيره من كتب العامة يتبع أرسطو في تقسيم العلوم إلى نظرية، وعملية:
أما العلوم النظرية: فهي الطبيعيات، والرياضيات، والإلهيات.
أما العلوم العملية: فهي الأخلاق وتدبير المنزل "التربية، والاجتماع، والرياضيات، والسياسة.
كما عرض ابن سينا هذا التقسيم في رسالة صغيرة بعنوان "في أقسام العلوم العقلية" وهي الرسالة الخامسة من تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات [ابن سينا رسالة في أقسام العلوم العقلية ضمن تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات - بومباي سنة ۱۳۱۸هـ، ص ١٤، ١٥].
وقبل أن يصنف ابن سينا (الحكمة) يحدد الغاية منها، وهي عنده الوقوف على حقائق الأشياء بحسب الطاقة الإنسانية، ثم يقسم الحكمة بحسب الأشياء والموجودات، ويتقدم هذا التقسيم علم المنطق باعتباره مدخلًا لدراسة العلوم الفلسفية.
وقد تعمق ابن سينا في دراسته، ولكنه لم يضف جديدًا إلى ما نقله الفارابي عن أرسطو، وقد تساءل كما تساءل غيره عن المنطق: هل هو جزء من الفلسفة أو آلة لها؟ وحاول التوفيق بين المشائين الذين يعدون المنطق آلة، والرواقيين الذين يرون عكس ذلك، فقال: إن المنطق يمكن أن يُعدُّ جزءًا من الفلسفة، أو آلة لها [ابن سينا الشفاء، المنطق القاهرة ص ١٤، ١٥].
والمنطق - في نظره- علم لمعانٍ هي بمثابة صور يصاغ فيها الفكر؛ لأن موضوع المنطق لا وجود له إلا في الذهن فقط، كمعنى الذاتية، ومعنى الكثرة، العموم، والخصوص، الوجوب، والإمكان وغيرها.
أما منفعته فكبيرة؛ لأن المنطق هو الذي يحمينا من الخطأ في إدراك المعاني وتصورها تصورًا صحيحًا، بما يقدم لنا من قواعد الحد الحقيقي، فيرسم طريق البرهان الموصل إلى اليقين، ويحذرنا من السفسطة التي تؤدي إلى الغلط والمغالطة [ابن سينا المصدر السابق ص ٥٨].
وهذا التقسيم هو ما رصده ابن سينا في الفلسفة وفروعها التي تقدم للعامة، أما النوع الثاني من فلسفته، وهي الحكمة المشرقية فيضع لها تقسيمًا آخر، وقد عرضه في كتاب (منطق المشرقيين) فميز بين نوعين من العلوم: علوم دائمة الصحة أبد الدهر، وعلوم ليست دائمة الصحة.
النوع الأول: يشتمل على علوم نظرية (علم طبيعي - علم رياضي - علم إلهي - علم كلي)، وعلوم عملية (أخلاق - تدبير منزل - سياسة الناموس أو الشريعة) [ ابن سينا منطق المشرقيين، القاهرة سنة ۱۳۲۸/ ۱۹۱۰م، ص ٥، ٦].
وابن سينا في هذا التقسيم يخرج عن التقسيم المألوف المشهور للعلوم، وذلك بإضافة علم رابع للفلسفة النظرية هو العلم الكلي، وكذلك إضافة علم رابع للفلسفة العملية هو الناموس أو الشريعة.
ب - العلم الطبيعي: خصص ابن سينا أقسامًا من كتبه الرئيسية بحث فيها الطبيعة، فقد خصص قسمًا في كتابه (الشفاء) وكذلك كتاب (النجاة والإشارات) لهذا العلم إلى جانب معظم رسائله، خاصة التي تندرج تحت عنوان رسائل في الحكمة والطبيعيات، والعلم الطبيعي صناعة نظرية موضوعها الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير، وبما هي موصوفة بأنواع الحركات والسكون [ابن سينا النجاة، القاهرة، ط ۲ ١٩٣٨/١٣٥٧م، ص ۹۸]. ويشير ابن سينا إلى وجود أمور عامة يجب على الباحث الطبيعي أن يسلم بها في بداية دراسته للطبيعة؛ وهذه الأمور هي: [ابن سينا المصدر السابق ص ۹۸-۹۹].
١ - إن كل الأجسام الطبيعية مركبة من مادة وصورة: المادة منفعلة، والصورة فاعلة.
٢ - كل جسم لا بد أن يفترض فيه أبعاد ثلاثة: الطول - العرض - العمق.
٣ - إن لكل مادة صورة طبيعية خاصة بها لا تحل إلا فيها.
٤ - إن لكل جسم طبيعي قوى خاصة سارية فيه، وهذه القوى هي التي تحدد للجسم مكانه الطبيعي.
٥ -كل ما في الطبيعة يسير نحو غاية محددة، والضرورة تحكمه.
ولابن سينا في دراسة أي موضوع جانبان: جانب نقدي يتمثل في نقد السابقين عليه؛ فيستعرض آراء السابقين ويبين ما فيها من أخطاء وينقدها، حتى يتسنى له التعبير عن الجانب الإيجابي، وهو مذهبه الخاص.
ففي مجال الطبيعة وجد ابن سينا من السابقين مَن ذهب إلى القول بعلة واحدة أو أكثر، سواء كانت هذه العلة مادية أو علة صورية، والقائلون بعلة مادية تتمثل آراؤهم في أصحاب الاتجاهات المادية، أما القائلون بعلة صورية فيمثلها الفيثاغورية.
ويخصص ابن سينا الفصل التاسع من المقالة الأولى للسماع الطبيعي من الشفاء لعرض أراء المذاهب السابقة عليه، ويحلل فكر أعلامها، وهم القائلون بعلة واحدة، ويقدم نقده لا ليخلص إلى القول بأربعة علل: مادية، وصورية، وفاعلة، وغائية.
ويقصد ابن سينا بالعلة المادية ما تتضمنه من دلالات ابتداء من الهيولى باعتبار صلتها بالصورة بوجه عام، أو بالوحدة من حيث صلتها بالعدد، والعلة المادية مثل الخشب بالنسبة للسرير، والعلة المادية أو العنصرية هي جزء من قوام الشيء، ويكون بها الشيء هو ما هو بالقوة، وتستقر فيها قوة وجوده [ابن سينا، الشفاء الطبيعيات الفن الأول السماع الطبيعي، تحقيق الأستاذ سعيد زايد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة سنة ١٩٨٣م، ص ٥٠].
والعلة الصورية هي العلة الثانية، ويضمها ابن سينا مع العلة المادية، ويقول إنهما معًا علة وجوده، [ابن سينا الهداية تحقيق د. محمد عبده، المكتبة الحديثة، القاهرة ط ٢ سنة ١٩٧٤م، ص ٢٤٣].
وبهذه العلة الثانية تكتمل علتا الموجودات من جهة طبيعتهما، وتطلق الصورة على نواح شتى: فقد تقال الصورة للماهية، أو للشكل والتخطيط، وهيئة الاجتماع، وغيرها.
والمادة توجد لأجل الصورة، ولكن الصورة خلافًا للمادة هي بمثابة مبدأ الفاعلية أو الاستكمال، فالصورة تحل في المادة وتمنحها الوجود الفعلي، فهي التي تفيد تقويم المادة، وهي العلة التي هي جزء من قوام الشيء، يكون بها هو ما هو بالفعل [ابن سينا، الشفاء الإلهيات تحقيق الأب جورج شحاته قنواتي، والأستاذ سعيد زايد، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، القاهرة سنة ١٩٦٠م، ص ٢٥٧].
أما العلة الفاعلة: فيعرفها ابن سينا قائلًا: إن الفاعل هو ما يفيد شيئًا آخر وجودًا ليس له من ذاته، وليس بلازم أن يكون مؤثرًا بالفعل، بل قد يكون مفعوله معدومًا، ثم يعرض له ما يصير للفاعل الأسباب التي لها فعلًا [ابن سينا المصدر السابق ص ٢٥٩].
والفاعل في الأمور الطبيعية يطلق على مبدأ الحركة، ويعنى به كل خروج من قوة إلى فعل [ابن سينا: الشفاء الطبيعيات السماع الطبيعي ص ٤٨].
مثل كون النجار على الكرسي، وكون الأب علة لابنه، وللعلة الفاعلة أهميتها عند ابن سينا، إلا أن هذه الأهمية تتضاءل أمام ما يضيفه من أهمية على العلة الغائية، التي يُعرفها بقوله: إنها المعنى الذي لأجله تحصل الصورة في المادة [ابن سينا المصدر السابق ص ٥٢، وأيضًا الشفاء، الإلهيات ص ٢٥٧]، والغاية متقدمة في شيئيتها على جميع الأسباب، ومتأخرة في وجودها عنها، فالغاية تتقدم سائر العلل [ابن سينا النجاة ص ۲۱۲، وأيضًا التعليقات، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة سنة ۱۹۷٣م، ص ۲۱۲]، وهي علل الأجسام الطبيعية.
أما عن لواحق الأجسام الطبيعية فهي: الحركة، والسكون، والزمان، والمكان، والتناهي، واللامتناهي.
ويأخذ ابن سينا في تفسيره للعالم الطبيعي بمبدأ العناية والغائية، وينقد كل من يقول بالاتفاق والمصادفة، ويرى أنه ليس للاتفاق مدخل في تكون الأمور الطبيعية، بل هناك ارتباط حتمي بين الأسباب والمسببات وإذا لم يكن هذا لوجدنا في الطبيعة شجرة تثمر التين والزيتون معًا، أو أنواع نباتية مختلطة بعضها ببعض، بل إن الطبيعة بها سببية غائية، وهذه الغائية توجب أن تسير الطبيعة نحو الكمال والخير، أما الأشياء التي نسميها اتفاقات فهي واجبة عند الله، فإنه يعرف أسبابها وعللها [ابن سينا المصدر السابق ص ١١٥].
ويعتقد ابن سينا رسالة في أقسام العلوم العقلية ص ۱۲۹.
أن الطبيعة تساق إلى غاية وخير، وليس كون شيء منها جزافًا ولا اتفاقًا إلا في الندرة، ولا ترتيب حكمي، وليس فيها شيء معطل لا فائدة فيه، وليس يكون عن المبدأ الأول المباين فيها فعل قسري إلا على سبيل التأذي والتولد، والطبيعة لا تفعل فعلها من أجل أن لا روية واختيار، بل لأن لها عناية حتمية تؤدي إليها ضرورة، فالطبيعة تسير نحو غاية.
ج - عالم الإلهيات:
يتناول ابن سينا أدلة وجود الله عند بحثه في عالم الإلهيات، وتختلف طريقة ابن سينا في الاستدلال على وجود الله عن طريقة المتكلمين، لكن هذه الطريقة لم ترض ابن سينا، حيث إن طريقتهم تقوم على الاستدلال بالعالم المحدث من عدم على وجود محدث له وهو الله تعالى، أي الاستدلال بالمخلوق على وجود الخالق، لكن هذه الطريقة لم ترض ابن سينا، لأنها لقوم لم يرتفعوا عن طريق العامة في الاستدلال، فينقدهم قائلًا: "إن حجتهم مع اختلالًا وفساد مقدماتها غير مرتضاة من معرفة الحقيقة". [ابن سينا: التعليقات ص ۳۷]
فدليل المتكلمين دليل كوزمولوجى، يبدأ من العالم، أي من المعلول ليصل إلى العلة، أما دليل ابن سينا فهو على العكس من ذلك يبدأ من الوجود نفسه، أي من العلة الأولى للوجود ويهبط منها إلى الموجودات، وهو ما يسمى بالدليل الأنطولوجي. وهذه الطريقة في الاستدلال التي تبدأ من النظر إلى واجب الوجود، وهو الاستدلال العقلي استقادها ابن سينا من الفارابي.
وابن سينا في تدليله على أفضلية البرهنة العقلية على وجود الله يستشهد بدليل من القرآن الكريم [ابن سينا: الإشارات والتنبيهات تحقيق د. سليمان دنيا دار المعارف القاهرة سنة ١٩٦٠م القسم الإلهي النمط الرابع ص ٤٨٣] في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} ]فصلت:٥٣[؛ فاستدلال ابن سينا لا يبدأ من الآفاق أو العالم، أو الكون الحسي، بل من التحليل النقلي لفكرة الواجب، ومقابلتها بفكرة الممكن.
فالطريق المسلوك إلى معرفة البارئ هو أنا جئنا فقسمنا الوجود إلى الواجب وغير الواجب، ثم قسمنا الواجب إلى ما هو بذاته، وإلى ما ليس بذاته، وقسمنا غير الواجب إلى ما هو غير واجب بذاته الذي هو الممتنع، وإلى ما هو غير واجب لا بذاته، وهو الممكن [ابن سينا: التعليقات ص ١٦٢].
فكلها عبارة عن قسمة عقلية محضة.
ويرى ابن سينا أن الطريق العقلي أشرف الطرق للاستدلال على وجود الله تعالى، وهو استدلال بالعلة على المعلول، وأما عكسه، وهو الاستدلال بالمعلول على العلة، فربما قد لا يعطى اليقين المطلوب.
ونلاحظ أن هذه الطريقة في البرهنة على وجود الله قد جاء بها ديكارت فيما بعد عندما حاول أن يثبت وجود الله من ذات فكرة وجود موجود عقلي، فنجد أن فلاسفة الإسلام كانوا أسبق من فلاسفة الغرب في التوصل إلى أفكار عقلية مجردة وكلية، وهذا وحده كافٍ لدحض ما يزعمه البعض من أن العقلية السامية عقلية مفككة وجزئية لا تقوى على التفكير الكلي [د. إبراهيم بيومي مدكور في الفلسفة الإسلامية، منهج تطبيقه دار المعارف مصر سنة ١٩٧٦م، ٢/١٠].
وهذا الدليل الأنطولوجى الذي قال به الفارابي وابن سينا، وأخذ به القديس أنسلم بعد نحو قرن ونصف من الزمان، وقد تأثر به الكثيرون بعدهما.
فالله تعالى عند ابن سينا لا برهان عليه، بل هو برهان على كل شيء، فهو لا يعرف إلا من ذاته، فهو كما قال تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ} ]ال عمران: ١٨[، وكما يذكر في موضع آخر قوله تعالى: {أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ} ]فصلت:٥٣[، فهذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه [ابن سينا الإشارات القسم الإلهي ص ٤٨٣]، فمعرفته تعالى هي معرفة أولية من غير اكتساب،
كما تناول ابن سينا موضوع الصفات الإلهية، والصفات بشكل عام على أربعة أصناف:
الأول: الصفات الذاتية، مثل قولنا إن الإنسان حيوان أو جسم، وهذه الصفة ذاتية، وشرط في ماهيته.
الثاني: الصفات العرضية، كأن يوصف الشيء بالبياض لوجوده فيه، وهو غير ذاتي له، إذ قد يتحول إلى السواد.
الثالث: الصفات الإضافية، مثل ما يوصف بأنه عالم، فإن العلم هيئة موجودة في النفس بالإضافة إلى أمر خارج عنها.
الرابع: ما يوصف الشخص بالأبوة، فإن الأبوة هيئة توجد في الإنسان ثم تعرض لها الإضافة والله تعالى ليس له صفات ذاتية، ولا صفات عرضية، فهو بعيد عن النوع الأول والثاني، فالصفات التي يتصف بها - تعالى- هي الصفات الإضافية، ولكن لا بد فيها من شرط، هو أن تكون الصفة ملازمة للوجود.
وتحدد الصفات إما بطريقة سلبية، أو إضافية، أو بهما معا، أي بالإضافة والسلب، فيقول: إن الله إنما يوصف بعد الأنية - أي الذات - بسلب المشابهات عنه، وبإيجاب الإضافات كلها إليه [ابن سينا الشفاء، الإلهيات ٢/٣٥٤].
فإنه تعالى ينبغي أن يوصف سلبيًا بنفي كل شبه له بسائر الكائنات، وإيجابيًّا بإثبات كل صلة له بها. والصفات السلبية، مثل قوله: إنه واحد، فإن الواحد يعنى به هنا الوجود نفسه مسلوبًا عن القسمة والشريك فالوحدة من صفاته، ويعني به أنه موجود لا نظير له، أو موجود لا جزء له.
أما الصفات الإيجابية فتتمثل عنده في قوله: إنه عقل وعاقل ومعقول، وهذا لا يوجب الكثرة فيه، وأنه قادر بمعنى أن وجود غيره يصدر عنه، وأنه مريد، أي أنه واجب الوجود مريد النظام والخير للعالم كله، فذاته مبدأ كل نظام وخير، فيصير نظام الخير معشوقًا له بالعرض [ابن سينا المصدر السابق ص ٣٦٣]، ولما كان عاشقًا لذاته، وكانت الأشياء، صادرة عن ذات هي صفاتها - أي معشوقة -، فإنه يلزم أن يكون ما يصدر عنه معنيًّا به، لأنه عاشق ذاته، فالباري هو عشق وعاشق ومعشوق، لأن كل جمال وملائمة وخير مدرك فهو محبوب ومعشوق [ابن سينا المصدر السابق ص ٣٦٨-٣٦٩].
وقد يجمع ابن سينا بين الطريقتين معًا - أي السلب والإضافة - فإذا قيل: جواد، قصد من حيث هذه الإضافة مع السلب، وهو أنه لا ينحو في قصده نحو تحقيق غرضٍ لذاته.
د- خلق الله للعالم: انظر نظرية الفيض.
ه - النفس: لم يهتم أحد من فلاسفة الإسلام به كاهتمام ابن سينا، فقد شغل بها زمنًا، وأفسح لها مكانًا في فلسفته، وعالجها على عدة مستويات، ودرسها في مختلف مراحل عمره، وذكرها في كتبه المختلفة، فهو يؤلف فيها شابًا، ثم يعود إليها أكثر من مرة، يقدم لها في كل كتبه الرئيسية، ويخصص لها رسائل بعينها، يدرسها في الفلسفة بجانب الطب، فيبين في كتابه القانون قوى النفس المختلفة على طريق الأطباء، وفي الشفاء يوضح آراءه النفسية، بالإضافة إلى تعليقاته على كتاب النفس لأرسطو، ورسالته في القوى النفسانية، بل له قصيدة تدور حول النفس ومصيرها كما يفرد لا القصص الرمزية، مثل قصة حي بن يقظان.
ويذكر أنه قرأ عن الحكماء السابقين والأولياء أنهم قالوا: من عرف نفسه عرف ربه، وأنه سمع من الحكماء أن من عجز عن معرفة نفسه فأخلق به أن يعجز عن معرفة خالقه، وهذا ما دفع أحد - موسوعة الفلسفة الإسلامية - الباحثين إلى القول بأن النفس الإنسانية قد احتلت مكانًا بارزًا في فلسفة ابن سينا، فهو يخصص لها رسائل كاملة بلغت ثلاثين رسالة [د. محمود قاسم في النفس والعقل بين فلاسفة الإغريق والإسلام - القاهرة سنة ١٩٦٩ ص ٧٦، ٧٧].
وقد أراد ابن سينا أن يتغلغل في طوايا النفس، ويستجلي غوامضها مستعينًا بدراسات أرسطو، وبالدراسات الطبية والتشريحية التي ظهرت بعد المعلم الأول، وخاصة جالينوس، فدرس النفس من الناحية الميتافيزيقية، كما درسها من الناحية الفيزيقية والفسيولوجية، وكان في هذه الناحية أقرب فلاسفة العرب إلى الفكر الحديث.
نظر ابن سينا إلى النفس الإنسانية من جانبين: جانب يشترك فيه الإنسان مع بقية الكائنات الحية (الحيوان والنبات) فيكون تعريفه للنفس من هذا الجانب أنها: كمال أول الجسم طبيعي آلي ذي حياة القوة، والجانب الآخر للنفس يشترك فيه الإنسان مع الملائكة، وتعريف النفس فيه أنها: جوهر هو كمال لجسم محرك له بالاختيار عن مبدأ نطقي (عقلي) بالقوة (في النفس الإنسانية) وبالفعل في النفس الكلية.
ويقدم ابن سينا أدلته على وجود النفس وجودًا مجردًا عن البدن ويهدف من وراء ذلك التصدي لبعض المتكلمين ممن ذهب إلى إنكار استقلال النفس عن البدن، والقول إنها عرض يتجدد كما يتجدد بقية أعراض الجسم وأجزاؤه، فقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن النفوس النواطق ليس لها وجود في الحقيقة، وأن الحياة عرض أحله الله بإرادته، وإن الموت قضاء للحياة، وهو إنما عرض يزول بحلوله الحياة [د. عثمان نجاتي: الإدراك الحسي عند ابن سينا، دار المعارف مصر سنة ١٩٤٨م، ص ١١].
ويثبت ابن سينا وجود النفس وجوهريتها وأنها جوهر غير جسماني وليس عرضًا، وإنما غير قابل للفساد، فإذا فارق هذا الجوهر البدن، بقي البقاء الذي يخصه [ابن سينا رسالة دفع الغم من الموت (ضمن رسائل ابن سينا في أسرار الحكمة المشرقية، نشرها مهرن ليدن سنة ۱۸۸۹م، ص ٥٠، وأيضًا الغزالي مقاصد الفلاسفة تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف مصر سنة ١٩٦١م، ص ٣٦٢].
ويقدم أدلة لإثبات ذلك من خلال طريقين: طريق حدسي والآخر طريق التعليل، ويرى ابن سينا أن أمر النفس بديهي، فكل إنسان يدرك - بالاستبطان- أن له نفسًا بين جنبيه، يراها رؤية مباشرة بالحس الباطني، فالإنسان وهو يشك أو ينكر يدرك أن له نفسًا هي قوام هذا الشك أو التفكير، أو هي (الكوجيتو) التي توصل إليها ديكارت.
١ - الدليل السيكولوجي: للإنسان أفعال وانفعالات خاصة به وليست لغيره من الحيوانات، وهي تتميز بأنها نفسية خالصة، ينفرد بها الإنسان، فهو يمتاز عن الحيوان ببعض الخواص، مثل الكلام، واستخدام الإشارة، ويمتاز كذلك بخواص عقلية سامية، وانفعالات كالتعجب والضحك، والضجر والبكاء، أو الخجل والحياء، كما يمتاز بالقدرة على التفرقة بين الخير والشر، وبين الحسن والقبيح، والنفس ليست إحدى هذه القوى سالفة الذكر، ولكنها الشيء الذي له هذه القوى، وأخص خواص الإنسان، تصور المعاني الكلية المجردة عن المادة كل التجرد، والتوصل إلى معرفة المجهولات تصورًا وتصديقًا من المعلومات العقلية، فهذه الأحوال والأفعال المذكورة هي مما يوجد للإنسان، ومن أجلها يختص بها الإنسان، وإن كان بعضها بدنيًّا، ولكنه موجود لبدن الإنسان بسبب النفس التي للإنسان [ابن سينا، كتاب النفس من طبيعيات الشفاء تحقيق جورج شحاته قنواتي، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة سنة ١٩٧٥م، ص ١٨٤].
٢ - دليل وحدة النفس:
أفعال الإنسان الإرادية كثيرة ومتعددة، وقد تكون متناقضة ومتضادة، ولا واحد منها هو النفس، ولكن لا بد لا من مبدأ هو قوام وحدتها وتماسكها، فهذه الأفعال والانفعالات اختيارية، ولا واحد منها هو النفس الإنسانية، بل النفس هو الشيء الذي له هذه القوى [المصدر السابق ص ١٨٥].
٣ - دليل الاستمرار:
يتغير البدن باستمرار، ولكن هناك شيء ثابت لا يتغير، فالجسد يتغير ويتبدل بالزيادة والنقصان، وهو مركب من أجزاء معرضة للنمو والذبول، أما إدراك الإنسان فهو مستمر على مر الأيام، وهو شعوره ببقائه، وتذكره لما مضى من عمره، ومعرفته للمحسوسات والمعقولات ثابت لا يتغير، فهذا دليل على أن الذات مغايرة للبدن ولأجزائه الظاهرة والباطنة.
يقول ابن سينا: تأمل أيها العاقل أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودًا طوال عمرك، وبدنك وأجزاؤه ليست ثابتة مستمرة، بل هي أبدًا في التحليل والانتقاص [رسالة في معرفة النفس وأحوالها، تحقيق د. محمد ثابت الفندي - القاهرة ط ۲ ص ۷۰].
٤ - الدليل الطبيعي:
ليس هذا البرهان جديدًا، وإنما استمده ابن سينا من آراء اليونانيين، وهو يعتمد على التفرقة بين النفس والجسم من حيث نسبة الحركة على كل منهما، ويقوم على التفرقة بين نوعين من الحركة: قسرية، وإرادية.
والإرادية تنقسم بدورها إلى نوعين: ما كان على مقتضى الطبيعية، كالسقوط إلى أسفل، وما كان على غير مقتضى الطبيعة، وذلك كتحليق الطائر إلى أعلى، وهذا النوع الأخير من الحركة الإرادية، بصفة خاصة عندما يحتاج إلى محرك إضافي غير البدن، ألا وهو النفس.
٥ - دليل الرجل المعلق في الفضاء:
ويسمى كذلك دليل الرجل الطائر، وفيه يفترض ابن سينا وجود إنسان معلق في الهواء، وبترت أجزاء بدنه، فإنه ما لم يمت - يظل شاعرًا بنفسه غير غافل عنها، وكذلك فإنه لو علق في الفضاء بحيث لا يرى أجزاء بدنه، فإنه مع ذلك لا يغفل أبدًا عن وجود نفسه؛ فيقول: ارجع إلى نفسك، وتأمل هل إذا كنت صحيحًا، هل تغفل عن وجود ذاتك؟ وفرض أنها على جملة من الرضع لا تبصر أجزاؤها ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما في هواء طلق وجدتها قد أغفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت أنيتها.
كما يورد ابن سينا هذا الدليل في موضع آخر من كتاب النفس من الشفاء، فيخاطب الإنسان قائلًا: يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة، وخلق كاملًا لكنه حجب بصره عن مشاهدة الخارجات، وخلق يهوى في هواء أو خلاء هويًا فلم تتلاق، ولم تتماس، ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته، ولا شك في ثباته لذاته موجودًا [ابن سينا الشفاء كتاب النفس ص ۱۳۰].
كما تناول ابن سينا مصدر النفس وعلاقتها بالبدن في قصيدة عرفت باسم العينية قال فيها: [ديوان ابن سينا - تحقيق د. حسين محفوظ، طهران سنة ١٩٥٧م، وأيضًا أحمد أمين عينية ابن سينا – مجلة الثقافة العدد (٦٩١) مارس سنة ١٩٥٢م السنة الرابعة عشر - عدد خاص عن ابن سينا في عيده الألفي ص ۲۷].
هبطت إليك من المحل الأرفع * * * ورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة من كل مقلة عارف * * * وهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربما * * * كرهت فراقك وهي ذات تفجع
ونظرة سريعة إلى هذه الأبيات، ذات الإيقاع الفلسفي الواضح تؤكد ابتعاد ابن سينا كليًا عن التصور الفلسفي الأرسطي للنفس، الذي تصور النفس كمالًا للبدن، وأنها ملازمة له، توجد بوجوده، وتزول بفنائه.
كذلك لا تعبر هذه الأبيات عن التصور الأفلاطوني، فالنفس عند أفلاطون جوهر قائم بذاته وخالد، أي له وجود قبل البدن وبعده، ولا بد للناظر في هذه القصيدة أن يدرك مدى اقتراب الشيخ الرئيس في تصوره للنفس من المفهوم الإسلامي، وبعده الكبير عن التصور اليوناني أرسطيًا كان أو أفلاطونيًا. [د. زكريا البشير لمحات من تاريخ الفلسفة الإسلامية الدار السودانية للكتب الخرطوم ط ١ سنة ١٤١٨هـ، ١٩٩٨م، ص ٢٣٤].
و - التصوف الفلسفي:
إذا اعتبرنا التصوف اختيارًا باطنًا وذوقًا، واعتبرنا المتصوف من قام بهذا وحصل له الكشف عن طريق الذوق يصعب علينا أن نعتبر ابن سينا من المتصوفين، فقد استنكر شهاب الدين السهروردي على ابن سينا أن يخوض في مسائل التصوف، زاعمًا أن حياة الشيخ الرئيس، وسيرته الشخصية لا تؤهله للخوض في هذه المسائل الروحية التي تتطلب سلوكًا خاصًا، ونوعًا معينًا من الوجدان.
ولكن مؤرخي الفلسفة قد تكلموا في تصوف ابن سينا، فيذكر كار ادفو ذلك قائلًا: ولا يبدو التصوف عند ابن سينا إلا في آخر المذهب كتاج له، وهو متميز عن الأجزاء الأخرى، وابن سينا يدرسه دراسة فنية، كأنه فصل من الفلسفة يشرحه شرحًا موضوعيًا [د. إبراهيم بيومي مدكور في الفلسفة الإسلامية ص ٢٤٠].
وما نقف عليه من حياة ابن سينا، أنه لم يحي حياة صوفيةً قوامها الانقطاع لله، والنسك والمجاهدة التي كان من أسبابها أيضًا عدم استقراره في بلد ما، يضاف إلى الأسباب التي حالت دون تنعمه بحياة هادئة ينصرف فيها للتأمل، وإنما كانت حياته على شيء من الاضطراب.
وبغض النظر عما إذا كان للشيخ الرئيس أحوال ومواجد صوفية ذوقية أم لا، فإن كتاباته وأفكاره في مجال التصوف لها أهميتها في تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، فهي محاولة رائدة لوضع أسس عقلية منطقية للظاهرة الصوفية، وتشخيص دقيق لما يحدث بالفعل لمن يسلك هذا الطريق، والنتائج الحقيقية التي يمكن أن يؤدي لا سلوك هذا الطريق في مجال الوصول إلى الحقيقية، وتحقيق مقامات عالية في العرفان الفلسفي.
ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه الصوفي عند ابن سينا، ورصده بشكل خاص في الأنماط الثلاثة الأخيرة من كتابه الإشارات والتنبيهات، ولعل هذا الكتاب جزء من الحكمة المشرقية التي أراد ابن سينا أن يقابل بها الفلسفة المشائية التي قدمها للعامة في كتاب الشفاء [د. زكريا البشير: لمحات من تاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٤٠].
كما يذكر هو نفسه في مقدمة كتابه منطق المشرقيين أما في رسالته (سلامان) و (إيسال) فالحقيقية هي الزهرة الجميلة التي شغف بها سلامان والتي أنسته حبه ل (إيسال)، حيث تنتهي الرحلة بالجلوس على سرير الملك، أي وصول النفس إلى كمالها الحقيقي [ابن سينا سلامان وإيسال - ضمن تسع رسائل ص ١٦٦ - ١٦٧]، وفي رسالة (الطير) تنتهي الرحلة بتعلق الأفئدة ببهاء الملك بعد رفع الحجاب [ابن سينا رسالة الطير - ضمن رسائل في أسرار الحكمة المشرقية ص ٤٦،٤٧]، وكذلك أيضًا فالحقيقة هي ختام رحلة حي بن يقظان، حيث ينتهي به المطاف بالوصول الفلك العاشر علة العلل [ابن سينا حي بن يقظان ضمن رسائل في أسرار الحكمة المشرقية ص ۲۱].
وفي التصوف يتحدث ابن سينا عن:
١ - السعادة، ويعتبرها اللذة العقلية الوجدانية، وهي عنده أعظم اللذات جميعًا، وأعظم من اللذة الحسية، ذلك أنها اللذة التي ينال بها الإنسان الخير المناسب لكمال نوعه، ويعرف السعادة بأنها هي الانقطاع بالجملة عن ملاحظة هذه الخسائس، ووقف النظر على جلال الحق الأول، ومطالعة عقله، والاطلاع على الكل من قبله، ليكون صورة للكل متصورة في النفس يلحظها وهو يشاهد ذات الأحد الحق من غير فتور ولا انقطاع مشاهدة عقلية [ابن سينا الهداية ص ٦٠]، وفي موضع آخر يصرح بأن السعادة هي مطالعة الباري، فيقول: في اللذة السعيد المستكمل بالملكوت الأعلى مشاهدًا للحق [ابن سينا المصدر السابق ص ۳۰۲].
كما يتكلم ابن سينا عن الزهد، ويميز في الزهد ثلاث مراتب:
في المرتبة الأولى: يصف الزاهد المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها.
المرتبة الثانية: هي مرتبة العابد المواظب على فعل العبادات من القيام والصيام، ونحوهما.
أما المرتبة الثالثة: فهي مرتبة العارف المنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديمًا لشروق نور الحق في سره.
ويختلف الزهد عند ابن سينا عن الزهد عند الصوفيين الذين يعتبرون الزهد هو السبيل الوحيد لصفاء النفس واستعدادها.
أما ابن سينا فيعتبر التأمل الفلسفي، والنظر المجرد، وترقى النفس في معرفة حقائق الموجودات، واكتناه أسرار الوجود، كلها سبل أيضًا لتزكية النفس واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى [د. حسن عاصي التفسير القرآني واللغة الصوفية في فلسفة ابن سينا المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ط ا سنة ١٤٠٣ / ١٩٨٣ ص ٤١]، وذلك عن طريق إصلاح النفس، ويحدد ابن سينا طريق الوصول إلى سعادة النفس وإصلاحها بأنه يتم عن طريق تجريد النفس بشيء من النيات الخالصة الإلهية التي تزكو بها نفسه بقوتها العملية، أو تحقيق مسألة حكمية تُقِرُّ بها عين نفسه التي بها يبصر، وهي قوتها النظرية، فإنه مهما سعى لإحداهما لم يتأت له وصوله إلا بعد قطع الهمة عن جميع العلائق الدنيوية والدواعي الشهوانية [ابن سينا رسالة السعادة، ضمن مجموعة رسائل ابن سينا -١٣٥٣ هـ، ص ٣، ٤، حیدر آباد دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٥٣هـ، ص٣’٤]، وكذلك بعد الاستكمال من العمليات، ومجانبة خسائس العمليات لئلَّا تعود عادة ملكة تتوق إليها النفس فيتعذر الصبر عنها، ولن يحصل ذلك إلا بعد مخالفة النفس الحيوانية في أفعالها العملية وإدراكاتها العملية [ابن سينا رسالة في أقسام العلوم العقلية ص ۱۲۹]
من هذا نستطيع أن نستخلص رأي ابن سينا في أن طريق السعادة الحقة يكون بتحقيق طريقين:
الأول: طريق نظري، والثاني: طريق عملي.
إلا أن السعادة الحقة لا تكون للنفس في الدنيا، لأن تعلقها بالبدن يمنعها عن الوصول إلى درجة السعادة القصوى، كما أن تعلقها بالبدن يجعلها لا تنفصل عنه، وتبقى دائمًا في حالة الشوق، لنيل الكمال دون الوصول التام إليه.
وهكذا يتفق ابن سينا مع الصوفيين في هدف رحلة النفس الإنسانية في هذا العالم وهو نزوعها نحو كمالها وبلوغ سعادتها، كما يتفق معهم بأن هذه الرحلة تبدأ بالإدارة وتنتهي بالعرفان، مرورًا بالرياضة، وفي ترقي المقامات من وقت وجد وسكينة، إلا أنه يختلف معهم في طبيعة ذلك الكمال وتلك المعرفة، كما يختلف معهم في طريقه.
مراجع للاستزادة
ابن سينا هو صاحب عبقرية فريدة تقوم على الذكاء النادر والدهاء السياسي، وعرف بالطب أولًا ثم الفلسفة، وهو عالم يحتل مكانة بارزة في تاريخ الحضارة العربية، بل في تاريخ الحضارة الإنسانية.
ابن طفيل، الفيلسوف والطبيب الأندلسي، ترك بصمة فريدة في الفكر الإسلامي من خلال أعماله الفلسفية والعلمية
يُعد ابن باجة أحد أبرز أعلام الفلسفة الإسلامية في المغرب والأندلس
هبة الله بن علي، أبو البركات وأوحد الزمان، فيلسوف وطبيب بارز جمع بين العقل الفلسفي والروح النقدية في بيئة بغداد العلمية
ابن ملكا البلدي، الملقب بأوحد الزمان، طبيب وفيلسوف بارز في القرن السادس الهجري
لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها